ماذا ستفعل أمريكا لمواجهة «داعش»؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/8/2014
القدس العربي
المؤلف: 

الجواب هو في ما قاله القادة الامريكيون انفسهم.. مارتن ديمبسي رئيس الاركان الامريكي، صرح قبل ايام بان السبيل لمواجهة داعش يبدأ بتفهم ومعالجة الاضطهاد الذي يشعر به 20 مليون سنيا بين بغداد ودمشق. وقبله قال الرئيس الامريكي اوباما ان سياسات حكومتي بغداد ودمشق المعادية للسنة تجعلهم يتماهون مع خطاب داعش المتطرف. يعرف الامريكيون ان «القاعدة» و»داعش» مشكلة سنية.. وحلها لا يكون الا سنيا.. ويدركون من تجربتهم في افغانستان والعراق ان سنة العراق وسوريا لم يكونوا ليزجوا بابنائهم في هذه الحركات بالغة التطرف، لولا شراسة الهجمة وحرب الابادة من نظامي سوريا والعراق، التي واجهها السنة من دون اي ظهير اقليمي عربي يعادل قوة ايران.

وبقدر ظلامية نموذج «القاعدة» في الحكم فانه يبقى خيرا من نور لهب حارق يهدد الوجود، فهو خيار حرب تستدعيه براغماتية سنية فائقة توظفه لخدمتها في مواجهة الآخر، وتنحيه جانبا بعد زوال الخطر الخارجي. فالمستجير بالرمضاء بالنار، لا يترك الرمضاء الا بعد اكتفاء شر النار. تعلم الامريكيون من تجربتهم في العراق ان «القاعدة» لم تهزم من جيش يبلغ قوامه 140 الف جندي لاقوى مؤسسة عسكرية في العالم، ولم تهزم من مئات الالاف من جنود القوات الحكومية التي وصفها الاخضر الابراهيمي يومها بانها ميليشيات شيعية ترتدي زيا رسميا، ولا من قوات البيشمركة الكردية، من استطاع هزيمة «القاعدة» في العراق هم حاضنتها السنية، عندما قررت مواجهتها لاسباب تتعلق بالصراع الداخلي على السلطة، حيث بدأ الحكم القاعدي يفرض نموذجه المتشدد وممارساته القمعية، التي كادت تساوي ممارسات الميليشيات الطائفية بشاعة وهمجية، فانقسم ابناء العشائر بين مؤيد لـ»القاعدة» ومعارض لها، ولم تنته هذه الحرب الاهلية السنية الا بانحلال تنظيم «القاعدة»، لكن في المقابل انهك السنة وخرجوا طرفا خاسرا في معادلة الصراع لصالح الشيعة والاكراد، الذين تقاسموا السلطة في العراق برعاية ايران الرابح الاكبر.. اما الامريكيون فقد خرج جيشهم بماء وجهه، بعد ان انقذهم قائد جيشهم ورئيس استخباراتهم في ما بعد، ديفيد بترايوس المحنك بخطته الجهنمية، التي وافقت افكار السفير زلماي خليل زادة، وهي تستند الى ان علاج ظاهرة «القاعدة» لا يأتي الا من السنة وحدهم.. لعلهم يعرفون تاريخ القبائل العربية جيدا.. بأسهم بينهم اشد واقسى، اما من سبقه من القادة الامريكيين كسانشيز ومارك كيميت فلم يمتلكوا فهما عميقا لهذه المعادلة، فاعتمدوا في مواجهة «القاعدة» والفصائل الجهادية العراقية فقط على الميليشيات الشيعية والجيش الامريكي.

وكان من الواضح لي خلال لقاءاتي الصحافية المتعددة مع مارك كيميت عام 2003، انه كان ينظر للسنة في العراق ككتلة صلدة معادية، اما بترايوس فمنذ اليوم الاول الذي جاء فيه للموصل كان ناجحا في فهم الحالة السنية، وكنت خلال وجودي في الموصل اتابع عددا من الاجتماعات التي كان يعقدها بكثافة بين مشعان الجبوري واحمد الحمداني، اللذين كانا يسيطران على شطري الموصل الايمن والايسر، ونجح في اجراء اول انتخابات مجلس
 محافظة عراقي في الموصل بعد شهرين من الاحتلال، وتحقيق توافق صعب في نينوى باختيار اللواء غانم البصو أول محافظ للمدينة التي عادت وقادت التمرد اليوم ضد قوات المالكي، لذلك لا يستطيع الامريكيون، وكما يقولون هم انفسهم، مواجهة داعش الا بحلفاء الداخل، ثم من قال ان الامريكيين قادرون على هزيمة اي قوة عسكرية او سياسية اذا لم يكن هناك طرف داخلي يستقوي بهم ويستقوون به؟ لم يسقط الامريكيون وحدهم طالبان، بل اسقطها تحالف الشمال الافغاني، المكون من فصائل شيعية واوزبكية معادية للبشتون الطالبان تحالف الامريكيون معها، ولم يسقط الامريكيون صدام وحدهم، بل تحالفوا مع احزاب شيعية وكردية استقوت بهم لاسقاط عدوهم صدام، ولم يكن الجيش الامريكي ليبقى في العراق يوما واحدا، لولا تحالف ميليشيات الشيعة والاكراد وقواهم السياسية والدينية وقتالها ضد الفصائل المعارضة السنية، ليحصدوا العراق في النهاية كما ارادوه هم وليس كما ارادته امريكا، عراقا تحكمه احزاب شيعية دينية وقومية كردية، وفشلت امريكا بجيشها الجرار في فرض واقع حكومة علمانية معتدلة بقيادة حليفها علاوي، لذلك تبقى العوامل الداخلية هي المؤثر الاول في تحديد المنتصر وليس العامل الخارجي.

ولا نبالغ حين نقول ان الصراع بين المكونات الداخلية في الشرق الاوسط هو صراع اصيل، ويمتد لمئات السنين، بين السنة والشيعة والعلويين والاقليات، والعرب والاكراد، اما التدخل الخارجي فهو عابر يأتي في مرحلة عابرة لمصلحة طرف ما فيتوافق معه ويسانده، ثم يذهب العامل الخارجي ليبقى الصراع كما هو، بل لعله يشتد، كما حصل في العراق عندما خرج الامريكيون ليزداد الصراع دموية بين الميليشيات الشيعية والفصائل السنية. اليوم عادت «القاعدة» بنسختيها «داعش» و»النصرة» كميليشيا حرب مقاتلة تضم الافا من ابناء القرى والارياف السنية في سوريا والعراق، مدعومة بقوى دينية وعشائرية في تلك المناطق، مشكلة ما يشبه حلف حرب، وبدأ الامريكيون بقصفها جويا لكنهم يعرفون ان القضاء عليها يكون من خلال توفير الامن الاجتماعي  للعرب السنة امام نظامي بغداد ودمشق، توفير حماية بديلة لهم تجعلهم يستغنون عن «داعش» والتنظيمات المتطرفة، المفارقة هو ان ما يفعله الامريكان الان هو تعويض عن عجز الانظمة العربية «المعتدلة» التي لو نجحت في مواجهة المد الايراني لما لجأ السنة لتنظيمات متطرفة في مواجهة ايران وحلفائها، بل يبدو الامريكيون اكثر عمقا في حل ظاهرة «داعش» من الانظمة العربية.

 فبينما تسعى الادارة الامريكية لتوفير مناخات لحل جذري للمسببات الاجتماعية لظاهرة «داعش»، وتبادر لحلول كالاقليم، فان كل ما يهم انظمة «الاعتدال» العربي هو حماية سلطاتها المتداعية امام خطر «داعش» والتنظيمات المتطرفة المتنامي في مجتمعاتها، في ظل فشل تلك الانظمة اقتصاديا وسياسيا. الامريكيون وحلفاؤهم من الدول العربية وتركيا يميلون اليوم للقبول بمطالب تشكيل الاقاليم كحل للسنة، لكن المقابل سيكون كالتالي: حاربوا «داعش» ندعمكم في تشكيل الاقاليم. المفارقة ان «داعش» هي من وضعت حدود الاقليم السني بالقوة وفرضته امرا واقعا في العراق بهجوم الموصل الشهي، وهي تريد اقليما يحكم بنموذجها المشدد، وان واصلت عقد تحالفات محلية، فسيصبح ثمن تنحيتها بالقوة اغلى يوما بعد يوم على المجتمع السني، وقد تنحل الفصائل المنافسة لها شيئا فشيئا، كما يحصل اليوم في جبهة النصرة، وكما فعلت كثير من الفصائل الجهادية في العراق بمبايعتها «بيعة قتال»، فهي باتت تملك قرارا مستقلا، وتمويلا ذاتيا، لا يرتبط بتلك الدول العربية التي دعمت فصائل اكثر اعتدالا في سوريا، ككتائب الحر والجبهة الاسلامية.. وفي مرحلة سابقة في العراق كالجيش الاسلامي، فلا تستطيع تلك الدول التاثير مجددا عليها، كما كانت تفعل قطر والسعودية وتركيا بتأثيرها على سياسيات التمويل والدعم لفصائل الثورة السورية المسلحة، لذلك فان «القاعدة» بنسختيها «داعش» و»النصرة»، حافظت على قوتها المسلحة بعيدا عن الانخراط في التسويات السياسية التي رعتها تلك الدول قبل سنوات في العراق عام 2007، لتعود وتستجمع قوتها المخبأة وتنطلق في الساحة السورية عندما انطلقت الثورة، ثم لتعود مجددا بقوة اكبر للعراق في هجوم الموصل الذي علق عليه السفير الامريكي السابق زلماي خليل زادة بالقول «ان العراق بعد تاريخ الحادي عشر من يونيو/حزيران قد تغير».