ما الذي تغيّر، حقاً، في موقف فرنسا من النظام السوري؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/12/20155
القدس العربي
المؤلف: 

لاعتبارات لا تخلو من الوجاهة، أبرزها الهجمات الإرهابية الدامية التي شهدتها باريس في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، واتكاءً على المنطق السليم أيضاً، تعالى الحديث، مؤخراً، عن تبدّل في موقف فرنسا من النظام السوري، وإمكانية إشراك ما تبقى من جيشه وأجهزته الأمنية في قتال «داعش». وإلى جانب هذا، يسوق المؤمنون بفرضية التغيير لقاء الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيسبغون عليه صفة التقارب في موقف باريس وموسكو إزاء مصير بشار الأسد ومستقبل نظامه.
بيد أنّ ما خرج به لقاء هولاند ـ بوتين، أو ما رشح عنه من تسريبات، بما في ذلك تلك الافتراضية أيضاً، لم يكن كافياً لتأكيد أيّ تبدّل، ملموس وجلي، في الموقف الرسمي الفرنسي. وهكذا توجّب اللجوء إلى تصريح وزير الخارجية، لوران فابيوس، لاستخلاص «دليل قاطع» على التغيير: في محاربة «داعش»، قال فابيوس، «القوات على الأرض لا يمكن أن تكون من قواتنا، لكن من الممكن أن يكون هناك جنود سوريون من الجيش السوري الحر، ومن دول عربية، ومن قوات النظام.. ولم لا؟». ورغم محاولات التعديل اللاحقة، والتأتأة حول مشاركة جيش النظام في المرحلة الانتقالية فقط، فإنّ التصريح خلّف الكثير من الأصداء، وتلقفه القائلون بتبدّل الموقف الفرنسي، كما هلّل له أصدقاء النظام السوري.
فإذا كان هذا هو «التغيير»، حقاً، فبئس مستواه، وبئس ما يمكن أن ينتهي إليه! صحيح أنّ فابيوس عوّد العالم على تصريحات عاثرة، وزلات لسان كثيرة، على امتداد حياته السياسية، إلا أنّ هذا التصريح لم يكن عاثراً ومتسرعاً وخارجاً عن ثوابت الموقف الفرنسي من النظام السوري، فحسب، بل كان «خلطة» هجينة عجيبة، من الحيش الحرّ وقوات النظام والدول العربية، غير قابلة للتطبيق أصلاً، ولم يسبق لأحد أن طرحها كخيار. وإذا لم يكن هذا هو «التغيير»، فهل تغيّرت حيثيات الموقف الرسمي الفرنسي على أيّ نحو آخر، أكثر جدّية وخطورة، حقاً، وكيف يمكن تلمّس ذلك على أرض الواقع، وليس في التصريحات المتعجلة عبر برامج الـ»توك شو»؟
ثمة مستوى أوّل للتغيير، أشدّ جلاء من أن يخضع لأيّ تأويل مخالف، أي زيادة الضربات الجوية ضدّ ما يُفترض أنها أهداف لـ»داعش» في الأراضي السورية، والتي لا يمكن لها أن تتفادى إلحاق الأذى بالمدنيين العزّل، بالنظر إلى طبيعة انتشار التنظيم الإرهابي على امتداد مساحات واسعة مأهولة، وبعضها مزدحم تماماً، بالسكان. وهذا المستوى ليس طارئاً تماماً على الموقف الفرنسي من «داعش»، وكان قائماً أصلاً قبل الهجمات الإرهابية في باريس أواخر الشهر الماضي. ولا يغيّر من الحال كثيراً أنّ فرنسا نقلت حاملة الطائرات العملاقة «شارل دوغول» إلى مياه المتوسط، أو وسّعت نطاق أهدافها لكي تبدو أكثر تركيزاً على «داعش»، فلهذا الجهد العسكري حدوده، أياً كان معدّل الميزان بين محاسنه ومساوئه.

مستوى آخر للتغيير، هو تعديل الخطاب الرسمي الذي صارت باريس تعتمده في الإشارة إلى «داعش»، والذي بات مختلفاً ـ في الصياغات وحدها، للإنصاف ـ عن ذلك الخطاب الذي أعلنه هولاند نفسه في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي: «لا يمكننا أن نساوي بين الضحايا والجلاد»، الذي هو الأسد: المسؤول عن «مأساة ناجمة عن تحالف الإرهاب مع الديكتاتورية»، ويتوجب استبعاده من أيّ حلّ سياسي للنزاع، واللاجئون إلى أوروبا «لم يهربوا فقط من الحرب، أنهم يهربون منذ أكثر من ثلاثة أعوام من نظامه»، ولذلك فإنّ «وجود تنظيم إرهابي ـ أي تنظيم الدولة الإسلامية ـ يرتكب المجازر ويقتل ويغتصب ويدمر التراث الأساسي للإنسانية، لا يبرر نوعاً من الصفح والعفو عن النظام الذي تسبب بنشوء هذا الوضع».
وهذا تغيير لفظي، غنيّ عن القول، يسعى إلى ملاقاة السخط الشعبي العارم بعد الهجمات الإرهابية، ويُبعد ـ مؤقتاً، أغلب الظنّ ـ أيّ شكوك تساور الفرنسي العادي حول هوية العدوّ الأوّل في المرحلة الراهنة، أي إرهاب «داعش»، وليس إرهاب الدولة الذي اتصف به النظام السوري منذ عقود، ومارسه ضدّ أهداف فرنسية تحديداً. السياسة الداخلية هي الغاية الثانية وراء هذا التغيير الخطابي، إذْ كانت فرنسا تستعدّ لانتخابات محلية كانت تنذر أصلاً بصعود اليمين المتطرّف وهزيمة اليمين التقليدي والحزب الاشتراكي الحاكم، ولم تكن تنقصها طاقة الشحن السلبية التي أطلقتها الهجمات الإرهابية. وليس إجحافاً الافتراض بأنّ هولاند وجد في تصعيد الخطاب فرصة سانحة لتحسين معدّلات شعبيته الهابطة، وهذا ما جرى فعلاً، ولم يكن عجيباً في هذه السياقات الخاصة حيث ينقلب الرهاب الجَمْعي إلى حاضنة لمظاهر شتى من الشعبوية العمومية.

يجدر التذكير بأنّ المقاربة الفرنسية تقلّبت مراراً منذ انطلاق الانتفاضة السورية، حين كان السفير الفرنسي السابق إريك شوفالييه (مستنداً إلى خطّ قصر الإليزيه في الواقع، وإلى قراءة سكرتيره العامّ آنذاك، كلود غيان، صديق البيت الأسدي) ميالاً إلى ترجيح رواية النظام حول «العصابات المسلحة» و»التدخل الخارجي»، ومرّت برؤية وزير الخارجية السابق آلان جوبيه، الذي لم يتردد في مطالبة رأس النظام بالتنحي، كما استقبل ممثلي المعارضة مراراً، وشارك في معظم الاجتماعات الدولية والأممية المكرّسة للوضع في سوريا، كما استقرّت عند فابيوس راهناً، ليس دون تصريحات عاثرة بالطبع. من جانبه، على مستوى اللفظ أيضاً، كان الرئيس السابق نيكولا ساركوزي قد استبق اجتماع «أصدقاء سورية 3» بتصريح، «شديد اللهجة» وفق ما تصنّف الرطانة الدبلوماسية عادة: أنّ الأسد «يكذب»، و»يريد محو حمص من الخريطة»، على غرار رغبة الدكتاتور الليبي معمّر القذافي في «تدمير بنغازي»، ولهذا أرادت فرنسا دعوة «كلّ مَنْ لا يطيقون رؤية دكتاتور يقتل شعبه».

وفي الجانب الإنساني، قدّمت السفارة الفرنسية في دمشق خدمات ملموسة للمعارضين السوريين الملاحَقين من الأجهزة الأمنية، ومنحت الكثيرين منهم ـ ومعظمهم لم يكن يحمل جوازات سفر ـ تأشيرات خروج، وتصاريح سفر مؤقتة. ولم يكن غريباً، والحال هذه، أن يستقرّ في فرنسا عدد كبير من السوريين المشتغلين بالعمل السياسي والحزبي، أو نشطاء التنسيقيات الشباب، أو الكتّاب والفنانين الذين انحازوا مبكراً إلى صفّ الانتفاضة. كذلك اخذت العاصمة باريس، والمدن الكبرى في فرنسا، تتميز بتظاهرات تضامن ذات سوية عالية، كانت أبرزها احتفالية «الموجة البيضاء»، التي شارك فيها فنانون وكتّاب وساسة ومشاهير، طالبوا بالحرّية للسوريين، وبإيقاف المجازر.

يبقى ذلك المستوى الثالث، الخفيّ والأخطر ربما، الذي يخصّ تعاون الأجهزة الأمنية الفرنسية مع أجهزة النظام السوري، ولا جديد تحت الشمس في هذا الملفّ، قبل الهجمات الإرهابية، وبعدها، سواء بسواء. المرء يتذكر تصريح الأسد، في حوار مع القناة الثانية (الحكومية) الفرنسية، قبل أشهر، حول وجود «صلات» بين أجهزة استخبارات فرنسية وأخرى تابعة للنظام السوري. قبله كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قد نشرت تقريراً حول اجتماعات سرّية ضمّت ممثّلين عن أجهزة استخبارات أوروبية (فرنسية وبريطانية وإسبانية وألمانية…)، وبعض زملائهم الضبّاط في أجهزة النظام السوري. السذّج وحدهم فوجئوا بتلك المعلومات، ولعلّ أخبار «التغيير» الفرنسي، الملموس أكثر على هذا الصعيد تحديداً، لن تفاجىء إلا الرهط الساذج إياه.
وفي كلّ حال، للقوى العظمى فلسفاتها في تمويه التغيير، ولا عزاء لضحية لا تتقن فنون كشف الغطاء!

تعليقات