ما بعد عاصفة الحزم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/4/2015
القدس العربي
المؤلف: 

بدأت «عاصفة الحزم»، قبل نحو شهر، بصورة مفاجئة. وتم الإعلان عن نهايتها، البارحة، بصورة مفاجئة أكثر. فوقف الغارات الجوية للتحالف العشري بقيادة السعودية على مواقع الحوثيين وحلفائهم من القوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، لم يأت نتيجة تسوية سياسية يمنية ـ يمنية تحدد معالم المرحلة المقبلة، ولا نتيجة استسلام الحوثيين وحلفائهم من خلال الموافقة على قرار مجلس الأمن الأخير ذي الصلة. وفي هذه الحالة لا بد من حدوث صفقة غير معلنة بين الجهات الاقليمية المعنية بالأزمة اليمنية، وتحديداً بين المملكة العربية السعودية وإيران. غير أن الصيغة التي جاء فيها إعلان وقف عمليات «عاصفة الحزم» توحي بأن الصفقة لم تنضج تماماً، ما دامت «إعادة الأمل» ستبدأ من حيث انتهت «عاصفة الحزم». فالحصار البحري والحظر الجوي مستمران، وفقاً للإعلان، ومن المحتمل استئناف العمليات العسكرية في أي وقت إذا اقتضت الحاجة. قد يعني هذا اكتفاءً سعودياً بالخسائر التي تكبدها الحوثيون وأنصار صالح، بانتظار إعلانهما الموافقة على قرار مجلس الأمن، وضمناً استعادة الرئيس عبد ربه هادي منصور وحكومته سلطتهما الشرعية، وتمكينهما من العودة إلى عدن. 

بعيداً عن اللهجة الانتصارية في ردود الفعل الأولية لدى إيران وأتباعها الاقليميين على انتهاء عملية عاصفة الحزم، لا شك أن ذراع إيران تم ليها في اليمن، فسمعنا صرخة توجعها من الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل يومين، على لسان حسن نصر الله الذي بلغ في خطابه الأخير مستويات غير مسبوقة من البذاءة العدوانية المذهبية. شيء ما حدث، في الأيام القليلة الماضية، بعيداً عن عيون الجمهور والإعلام، جعل هذه الهدنة الحذرة ممكنة. إنها «السياسة العميقة» ما بين الدول، أو «لعبة الأمم» كما تسمى، تقرر فيها مصائر شعوب كما لو كانت مجرد بيادق على رقعة شطرنج دامية. لا أحد يسألها رأيها في مصائرها، بل تتحدد هذه داخل غرف مغلقة. كانت ثورات الربيع العربي فرصة لتغيير قواعد اللعبة هذه، ولذلك تمت محاربتها بشراسة بالغة وصولاً إلى حروب أهلية مفتوحة تجعل الشعوب التي تمردت تتوب عن تكرار المحاولة ربما لمئة عام قادمة. 

ستكشف لنا الأيام المقبلة عن فحوى الصفقة التي تمت بموجبها الهدنة. يتحدث الرئيس اليمني عن عودة الشرعية واستعادتها زمام المبادرة في الداخل اليمني. هل هي مجرد أمنيات، أم نتيجة وافق عليها الطرف المغلوب؟ أم أن الحوثيين سيرفضون طلباً إيرانياً بالتهدئة ويواصلون القتال؟ أم أن الصفقة المحتملة تشمل اليمن ولا تقتصر عليها؟ بكلمات أخرى: هل ستتخلى إيران عن اليمن على أمل الاحتفاظ بسوريا ولبنان والعراق؟

فلعل إيران اكتشفت خطأها الفادح في مد نفوذها إلى الخاصرة السعودية في اليمن، فقررت التراجع خطوة أمام العاصفة، ومحاولة تركيز جهودها على الاحتفاظ بمواقع نفوذها القوية في العراق ولبنان، وعدم التفريط بنظام بشار الكيماوي في دمشق الذي تلقى خسائر ميدانية كبيرة في الآونة الأخيرة. احتدام التوتر اللفظي بين حزب الله وخصومه في تحالف 14 آذار في لبنان، بمناسبة حرب عاصفة الحزم، ربما كان نوعاً من الإنذار المبكر بصدد ضرورة الوصول إلى تسوية سياسية في اليمن للمحافظة على السلم الأهلي الهش في لبنان. أما الضغط الميداني المتواصل على النظام الكيماوي في سوريا، فكان بمثابة التهديد بـ»عاصفة حزم» ثانية لسوريا. في حين يغرق المشهد العراقي في مزيد من الدم بين تنظيم الدولة الإسلامية وقوات الحشد الشعبي الشيعية واستمرار غارات التحالف الدولي ضد داعش.

ما حدث البارحة هو هدنة تكتيكية بين إيران والسعودية. الحوثيون وقوات صالح لم يستسلموا، والقتال مستمر حول عدن وفي مناطق أخرى. وعودة السلطة الشرعية إلى عدن مرهونة بتسوية سياسية داخلية تمنح الطرف المغلوب شيئاً ما يسهل عليه التراجع. في سوريا، يسعى المحور السعودي ـ القطري ـ التركي إلى كسب نقاط على حساب إيران لإرغامها على التفاوض على رأس الأسد. اسطنبول تجمع قادة فصائل عسكرية سورية كبيرة، بينهم زهران علوش المشتبه بمسؤوليته عن اختطاف الناشطة الحقوقية المعارضة رزان زيتونة ورفاقها الثلاثة في دوما، للتخطيط للمرحلة المقبلة ميدانياً. والسعودية تعمل على تشكيل كيان جديد مصغر للمعارضة السياسية السورية تمهيداً للاستحقاقات الدولية المقبلة. كل ذلك يتم بموافقة أمريكية ضمنية من غير تورط مباشر.
عاصفة الحزم أعادت رسم موازين القوى عبر الاقليم المتروك لمصيره من قبل القوى العظمى. لكن الصراع الاقليمي على المستقبل مستمر حتى ينهك قطبا الصراع الرئيسيان ويقتنعا بوضع ستاتيكو جديد، أو نظام إقليمي جديد، يحدد حصص القوة والنفوذ لكل طرف.
بانتظار ذلك، المقتلة مستمرة.

تعليقات