مصداقية أمريكا في مواجهة التمدد الايراني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/7/2018
القدس العربي

تمر العلاقات الأمريكية الإيرانية في العقود الثلاثة الأخيرة بكثير من الشبهات، فالمثل القائل:»أسمع ضجيجا ولا أرى طحنا» يكاد ينطبق على هذه العلاقات في العقود التي تلت وصول نظام الملالي إلى السلطة في إيران عام 1979.

فتصريحات المخابرات الأمريكية التي صدرت مؤخرا، تكشف عن علاقات مريبة بين مؤسس الجمهورية الإيرانية خميني مع المخابرات الأمريكية منذ عام 1963، وهذه العلاقة المشبوهة، أكدها أول رئيس للجمهورية الإيرانية في عهد خميني أبو الحسن بني صدر في لقاءات صحافية عديدة بعد هروبه من إيران، ولكن ما هو أوثق من كل ذلك التهديدات الأمريكية الكبيرة والكثيرة ضد إيران، بدون ان يكون لها أثر على أرض الواقع، وبالأخص في الجانب العسكري، فالخلافات السياسية الظاهرة تبددها التوافقات العسكرية بينهما داخل إيران خاصة، وفي المنطقة عموما، وفي منطقة الخليج العربي.
إن العلاقات الظاهرة بين أمريكا وإيران بقيت متوترة أو متصادمة في الظاهر طوال تلك العقود، ولم يكشف لحظات الود والعلاقات الحسنة سياسياً إلا ما ظهر في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، في نطاق مفاوضات مباشرة بينهما حول الملف النووي الإيراني في السنوات العشر الأخيرة، فالرئيس الأمريكي السابق أوباما أظهر وداً متميزاً نحو نظام الملالي الديني في إيران، ويمكن القول إنه كشف عن استراتيجية أمريكية تولي العلاقات المتينة بين أمريكا وإيران أهمية كبيرة، فالإدارة الأمريكية في عهد أوباما متهمة من قبل إدارة الرئيس الحالي ترامب بأنها سهلت للجيش الإيراني وحرسه الثوري والميليشيات الإرهابية التابعة له بالتمدد في البلاد العربية، وبالأخص في سوريا واليمن، بينما تتجاهل إدارة ترامب أن بداية التمكين الإيراني العسكري في البلاد العربية بدأت مع إدارة جورج بوش الأب والابن والحزب الجمهوري، وبالأخص بوضعهما خططاً عسكرية مشتركة بين وزارتي الدفاع الإيراني والأمريكي لاحتلال العراق عام 2003، فإيران هي التي جهزت الجيش العراقي التابع لها على الأراضي الإيرانية، ليحل مكان الجيش العراقي السابق، وقد اتفقت إيران وأمريكا وإسرائيل على حل الجيش العراقي السابق، واغتيال قادته وعلمائه أو سجنهم وتشريدهم.

هذه العلاقات المتينة بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي الأمريكي مع الإيرانيين، تؤكد أن العلاقات الأمريكية الإيرانية هي علاقات استراتيجية خطرة على الوطن العربي، وخطورتها أن أهدافها لا تظهر إلا بعد عقود من الزمن، وكأن كلا الدولتين والجيشين يوظفان بعضهما بعضا لتحقيق أهداف خاصة لكل واحد منهما، وقد يكون بينهما اختلاف منضبط في الأهداف وخطوات التنفيذ، ولكن بدون ان يصلا إلى الصدام ولا الاختلاف بينهما، مهما ارتفعت وتيرة التصريحات الصحافية أو السياسية بينهما.

من التصريحات الغريبة التي لم تولها الإدارة الأمريكية السابقة في عهد أوباما أهمية حقيقية هي التهديدات الكبيرة للبحرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي من قبل إيران، فقد صدرت عن الجنرالات الإيرانيين في السنوات الأخيرة تهديدات صريحة ضد الجيش الأمريكي، ولكنها لم تجد رداً أمريكيا ولو في مستوى الرد الإعلامي اللازم، ومنها تصريحات صدرت خلال السنوات الماضية بأن كل الأراضي الأمريكية في مرمى الصواريخ الإيرانية، وأن الأسطول الأمريكي تحت مرمى البحرية الإيرانية، وأن الجيش الإيراني قادر على السيطرة على كل الخليج العربي حتى مضيق هرمز، ولم يصدر من الجيش أو الساسة الأمريكيين رد له قيمته على هذه التهديدات، وكأن هذه التهديدات لا يقصد بها تهديد أمريكا ولا الغرب، وإنما إيصال رسائل لأطراف ثالثة، في الغالب هي الدول التي لها موقع رئيسي على مياه وجغرافيا الخليج العربي، وهذا يعني أن الدول العربية الخليجية هي المقصودة بالدرجة الأولى، بل كانت بعض التصريحات الإيرانية توجه التهديد إلى الدول العربية الخليجية باستهدافها بالصواريخ في حال توجيه أمريكا أو إسرائيل ضربة عسكرية لإيران. ولعل التهديدات الإيرانية الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز، التي صدرت قبل أيام دليل على ذلك.
وفي هذه الأحوال لا بد من البحث عن الأسباب الحقيقة وراء التوتر الأمريكي الإيراني، فإذا كانت إيران في تفاهمات استراتيجية مؤكدة مع الإدارة الأمريكية العميقة، فما هي أهداف الإدارة الأمريكية السياسية بتوتير العلاقات مع إيران في هذه المرحلة؟

قد يكون الجواب شبيها بالأهداف الأمريكية التي تحققت من خلال العقوبات الاقتصادية في المرحلة السابقة وزيادة عليها، التي ظن الإيرانيون أنهم قد تجاوزوها بتوقيع الاتفاق النووي في يوليو/تموز 2015، فالإيرانيون وعلى لسان وزير اخارجيتهم وبرعاية سياسية من رئيس الجمهورية حسن روحاني ورعاية روحية من المرشد خامنئي، ظنوا أنهم بتوقيعهم على الاتفاق السابق الذي انسحبت منه امريكا مؤخراً، أنهم كسبوا ثقة الغرب، وأن الأموال والشركات والاستثمارات الغربية سوف تتدفق على إيران بعد توقيع ذلك الاتفاق، ولكن أمريكا بعد ان حققت أهدافها السابقة انسحبت من الاتفاق، من أجل أن تفاوض إيران على شروط جديدة، والأصح القول لتحقيق أهداف جديدة، ولمعرفة الأهداف الأمريكية الجديدة، لا بد من معرفة الأهداف التي حققتها أمريكا من الاتفاق السابق، والتي كان اولها توظيف أو استغلال الأطماع الإيرانية في تدمير دول المنطقة، وبالأخص في عهد اوباما، حيث واصلت إيران تدمير العراق وقامت بتدمير سوريا واليمن، وهذه خدمات قدمتها لأمريكا ولإسرائيل وللغرب عموما، ما كانت هذه الدول تستطيع فعلها بهذه الدرجة من التدمير والقتل والتشريد وإفقار المنطقة لعشرات الأعوام المقبلة، بدون التمدد الإيراني، الذي أعقبه تهور روسي مماثل، بل سمحت أمريكا لإيران فرض تغيير ديمغرافي طائفي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، بهدف زرع بذور الصراع الطائفي في البلاد العربية لعقود مقبلة أيضاً، مع ما يصاحب ذلك من استنـزاف اقتصادي للاقتصاد الإيراني والعربي معاً، الذي ستحصد أمريكا نتائجه بادعاء دعمها للمعارضة الإيرانية المتذمرة باسم حقوق الإنسان والحريات، وفتح أسواق أسلحتها للدول العربية.

والهدف الأمريكي والإسرائيلي الآخر المتحقق من الاتفاق السابق هو تمكنهم من تحجم القدرات الإيرانية في تخصيب اليورانيوم، وإخراج ما تم تخصيبه من قبل من إيران إلى خارج إيران، ومراقبة المفاعلات النووية الإيرانية بشكل دائم، تحت وعود كاذبه برفع العقوبات، وبدء الاستثمارات، فأمريكا حققت من الاتفاق السابق تحجيم قدرات إيران الاقتصادية ودفعتها للاستنـزاف العسكري والمالي والبشري والتصنيعي، بالتمدد الاحتلالي المكلف خارج حدودها، بدون أن يؤثر ذلك على المصالح الأمريكية، ولا على الأمن الاسرائيلي، ونجاح أمريكا بتحقيق هذه الأهداف لا يلزمها بالوفاء لإيران بمواصلة ذلك اتفاق 2015، بل يدفعها الطمع لتحقيق أهداف أكبر طالما كانت القيادة الإيرانية بهذا الضعف والطمع الأعمى الأيديولوجي.

والأهداف الأمريكية الجديدة ليست غريبة، بل هي من نوع الأهداف السابقة، وهي مواصلة دفع إيران بقيادتها الطامعة بالسيطرة على المنطقة لمزيد من التهديدات فيها، وهذه المرة في مياه الخليج العربي ودوله العربية، فاستهداف إيران أراضي المملكة العربية السعودية بالصواريخ الباليستية بشكل يومي بواسطة الحوثيين، مؤشر على تمدد إيراني مقبل وخطير، وستجني منه امريكا مزيدا من عقود التسليح لدول الخليج العربي أولاً، وما تحاول إسرائيل أن تجني منه الاعتراف السياسي منها أيضاً، فالتحالف الأمريكي العربي ضد التهديدات الإيرانية لا بد أن تكون الدولة الإسرائيلية أحد محاوره الرئيسية، ولذلك لا غرابة أن تأتي التهديدات الإيرانية في الرد على فرض أمريكا عقوبات جديدة على إيران ومنع بيعها للنفط، بتهديد حسن روحاني بمنع دول المنطقة من تصدير نفطها أيضاً، ومشاركة الجنرالات العسكريين مثل كوثري وقاسم سليماني للرئيس حسن روحاني بهذه التهديدات، دليل على نجاح امريكي بتوريط إيران في حرب مدمرة، أي ان القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية غارقة في غيها وغرورها وأطماعها الطائفية، فبدل أن توجه تهديداتها للأراضي الأمريكية والاسرائيلية، توجه تهديداتها للدول العربية، وإغلاق مضيق هرمز، أي ان القيادة الإيرانية المنهارة تقدم لأمريكا مزيدا من التنازلات بموافقتها العلنية على مزيد من التدمير لدول المنطقة، وبالأخص في قلب الوطن العربي والعالم الاسلامي داخل الجزيرة العربية نفسها.

هذا الخطر الذي تهدد به إيران دول المنطقة ومياه الخليج العربي لن يتوقف ضرره على الدول العربية، لأن للبيت رب يحميه أولاً، ولأن الخطر والتهديد والدمار سيرتد على إيران هذه المرة، سواء بامتلاك الدول العربية حق الدفاع عن نفسها، أو وهو الأجدر بحق الشعب الإيراني بالتحرك للتحرر من هذه القيادة التي دمرت البلد بأوهام طائفية طامعة، ودمرت شعبها وقتلت أبناءها في حروب عمياء، فالشعب الإيراني من الأرجح ان يرفض تهوراً إيرانياً مدمراً لبلاده والمنطقة، ولن تستطيع المليشيات العمياء من الحرس الثوري وأزلامها السيطرة على الوضع الداخلي مهما قدمت لها الدول الاستعمارية من إغراءات وتسهيلات، فالخسارة والهزيمة سوف ترتد على المعتدين مهما طال الزمن، وهنا تبرز مسؤولية الشعب الإيراني الشقيق بمنع المستبدين من توريطه في حروب جديدة مع جيرانه واخوته مهما كانت الأسباب، فمصلحة إيران ليس بافتعال حروب جديدة، وإنما بمصالحة صادقة مع جيرانها من الدول العربية والاسلامية، والامتناع الكلي والجزئي عن خوض حرب مدمرة للمنطقة كلها.

وأخيرا فإن ما يدور على الساحة الدولية من خلافات بين أمريكا والدول الأوروبية يشير إلى رغبة أمريكية باضعاف الاقتصاد الأوروبي، سواء بإلزامها المالي بزيادة حصصها في ميزانية حلف الناتو، أو بزيادة الرسوم الجمركية عليها، أو بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي لا تلتزم بالعقوبات الأمريكية على إيران، وبالأخص في مجال شراء النفط، فهذه العقوبات واضحة أنها تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الأوروبي، وهذا مؤشر على أن اهداف أمريكا من الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، أهداف اقتصادية بالدرجة الأولى، وهي لا تخص إيران وحدها بقدر ما تخص الدول التي تتعاون معها اقتصاديا، سواء كانت روسيا أو تركيا أو الاتحاد الأوروبي، وهذا ما يدفع الدول الأوروبية لمحاولة إيجاد قناعات وضمانات لإيران بمواصلة التزامها بالاتفاق النووي وبقاء العقود التجارية بينهما.

تعليقات