من كوّة السياسة الخارجية الأمريكية: يوم لواشنطن وآخر لها!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/3/2015
القدس العربي
المؤلف: 

ما يزال الغبار يتعالى، ومثله الضجيج والعجيج، حول معارك البيت الأبيض مع صقور الجمهوريين، بصدد الملف الإيراني، خاصة من حيث «السابقة» الكبرى التي مثّلتها رسالة 47 من نوّاب الأمّة، في محاولة الالتفاف حول البيت الأبيض، أو بالأحرى تفخيخ صلاحيات السلطة التنفيذية في صياغة، ثمّ تنفيذ، السياسة الخارجية للأمّة.
فإذا وضع المرء جانباً هذا الطراز من التناطح، فإنّ في أمريكا الراهنة طُرُز أخرى تستحق متعة التأمل، والتسّلي أيضاً، حول تلك السياسة تحديداً، كما في آراء اثنين من مستشاري الأمن القومي السابقين، استُدعيا مؤخراً للمثول أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، للإفتاء حول حال العالم، وكيف يتوجب أن يُرى من كوّة السياسة الخارجية الأمريكية: زبغنيو بريجنسكي (مستشار جيمي كارتر، بين 1977 و1981)، وبرنت سكوكروفت (مستشار جيرالد فورد بين 1975 و1977، وجورج بوش الأب بين 1989 إلى 1993).

زبدة هذه «الرؤى» هي التالية، كما لخّصها بذكاء ساخر المعلّق الأمريكي جيكوب ماركس: «على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الشرق الأوسط كما هو، لا كما نرغب في أن يكون، ولهذا فإنّ أمريكا لا تستطيع التدخل في كلّ موقف، ويتوجب بالتالي كبح رغائب الرؤساء في هذا المضمار، بحيث تكون الفوارق هي المعيار للتمييز بين بين بلد وآخر». كلام سليم، بل لعله حكيم إلى درجة تحصيل حاصل منطقي، ما خلا حقيقة واحدة تقلب الفضائل رأساً على عقب: إن بريجنسكي وسكوكروفت كانا من كبار مدمني التدخل العسكري، في أفغانستان أيام الاتحاد السوفييتي، وفي العراق أثناء «عاصفة الصحراء». وإذا كان العالم يتوجع، اليوم، من إرهاب «القاعدة» وجرائم «داعش»، وصعود التطرّف الإرهابي الجهادي… فبسبب عواقب هذين التدخلين تحديداً!

فلندع سكوكروفت إلى مناسبة أخرى، ولنتوقف عند بريجنسكي، الذي أبدى الدهشة التالية أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: «لم أفهم أبداً لماذا توجب أن نساعد في، أو على الأقل نعتنق، فكرة إسقاط الأسد؟ سواء أحببنا الأمر أم كرهناه، فالأسد يحظى بتأييد لا بأس به في المجتمع السوري، وربما أكثر من أيّ من المجموعات التي تعارضه». وأمّا حول إيران، فها هي الحكمة: «بدأت إيران تتطور إلى ما كانت عليه تقليدياً من بلد متمدن جداً وهامّ تاريخياً. ولكن يتوجب أن نكون بالغي الحذر من انقلاب هذه الحال على نحو معكوس ودراماتيكي، فضلاً عن آثاره السلبية على الأمن العالمي، ومنع الغلاة والمتطرفين من الهيمنة على مقدّرات الأمور في البلد، والسيطرة على العالم المسلم». أمّا حول روسيا وفلاديمير بوتين وأوكرانيا والبلطيق، فالحال عنده مختلفة تماماً، ولا تستدعي الحلول العسكرية (وبالتالي تسليح خصوم الخصوم، والتدخل العسكري الاطلسي)، فحسب، بل يتوجب «أن يكون للردع معنى، وأن يتسلّح بأسنان»… حتى إذا كانت نووية!

لاحظوا أنّ هذه «الرؤى»، المتناقضة المتضاربة، والمرتكزة على معايير لا تقلّ تناقضاً واختلالاً، تصدر عن رجل تشير سيرته في موقع المسؤولية إلى هذه المنجزات: أنه الأب المؤسس لمنظمة «القاعدة»، التي ستفرخ «داعش» و»بوكو حرام» و»حركة الشباب المجاهدين» وسواها في عشرات البلدان، والمهندس الأبرز وراء توريط السوفييت في أفغانستان، ثمّ إطلاق تلك «الصناعة الجهادية» التي أعطت «الطالبان» و»الأفغان العرب» وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري والزرقاوي والبغدادي…، والمهندس الذي فتح علبة باندورا الأسطورية الشهيرة، أو أطلق المارد من القمقم كما نقول، متوهماً أنّ الأذى سوف يصيب السوفييت وحدهم، ولن ينقلب السحر على الساحر نفسه، بعد أن تُطوى نهائياً صفحة الاتحاد السوفييتي، و»المعسكر الاشتراكي» بأسره.

فما الذي، سوى هذا السجلّ تحديداً، يمكن أن يحثّ بريجنسكي على تفضيل دكتاتور مثل الأسد، بحيث يرى أنّ سوريا الراهنة محض حال من الفوضى الشاملة، تسير من سيء إلى أسوأ، وإنْ كانت تمنح الولايات المتحدة فرصة استمالة إيران إلى اتفاق إقليمي شامل، يتضمن الملفّ النووي أيضاً، وينتهي لصالح إسرائيل في المقام الأوّل؟ ولماذا، بمعزل عن السجلّ إياه، يُختصر ما يجري في سوريا، ويدخل عامه الخامس بعد أيام، إلى مجرد «اضطرابات تسبّب بها الجفاف»، فتحولت إلى «أزمة، شاركت في التخطيط لها السعودية وقطر وحلفاؤهما الغربيون»، كما كتب بريجنسكي، في الدورية الأمريكية اليمينية ذائعة الصيت، قبل أشهر قليلة؟

لا مئات آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين والمفقودين، ولا ملايين المشردين والنازحين والمهجرين، ولا صواريخ «سكود» والبراميل الناسفة والمدفعية الثقيلة والأسلحة الكيميائية والجرثومية التي تستهدف المدنيين، ولا غزو المقاتلين الأجانب للبلد، بمختلف عصائبهم وميليشياتهم وعقائدهم، ولا الهيمنة العسكرية والسياسية والمالية الإيرانية في سوريا. تشكّل عند بريجنسكي معادلاً موضوعياً يتيح مراجعة موقفه المتعاطف مع «حكومة بشار الأسد»، ذلك «الشيطان الذي نعرفه» حسب المقولة الشهيرة، السائدة في واشنطن وتل أبيب تحديداً، والذي يظلّ أفضل من أيّ شيطان آخر طارىء علينا… وعليهم! فما الذي حلّ، إذاً، بنظريته الذهبية حول واجب الولايات المتحدة في أن تمارس قيادة عالمية للكون، مرتكزة على حقوق الإنسان أوّلاً، بالقياس على حقوق الإنسان السوري كما يحفظها طغاة قتلة أطفال من أمثال الأسد؟

في الماضي القريب لاحظ بريجنسكي أنّ العالم يعيش حال انتقال تاريخية (نعم!)، فاستنتج أنّ الولايات المتحدة هي القوّة العسكرية والثقافية الدافعة التي توجّه ذلك التحوّل، شاءت أمريكا أم أبت، ولكن بقي السؤال قائماً:
ما هي رؤية أمريكا لذلك المستقبل، وكيف ستبسط تلك الرؤية على امتداد العالم؟ يومذاك ساجل بريجنسكي لصالح دور أمريكي عالمي أوسع وأكثر تعقيداً من النظرة التي تتداولها وسائل الإعلام والقيادة السياسية: نحن شرطيّ العالم، قال في كتابه «فرصة ثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوّة العظمى الأمريكية»، ولكن ينبغي أن نبدو في صورة الشرطي العادل، وإذا حقّ لنا أن نتمتّع بمستوى من الأمن أعلى ممّا تتمتّع به الأمم الأخرى لأننا نجازف أكثر من سوانا، فإننا في الآن ذاته ينبغي أن نظلّ أبرز المبشّرين بالحرّيات الإنسانية الجوهرية اللازمة من أجل الارتقاء بالعولمة إلى مصافّ أعلى.

«القيادة الكارثية» كانت السمة الكبرى للإدارة الأمريكية في عهود ثلاثة من رؤساء أمريكا المعاصرين، حسب أطروحة الكتاب سالف الذكر، وقد قوّضت الموقع الجيو ـ سياسي للولايات المتحدة على نحو خطير، علاجه يستغرق سنوات طويلة ويقتضي جهداً مضنياً. ولعلّ عناوين الفصول، المخصصة للرؤساء الثلاثة، تختصر جوهر الملامة التي يلقيها بريجنسكي على عاتق كلّ منهم: «جورج هـ. بوش ـ الخطيئة الأصلية (وشِراك المخيّلة التقليدية)»، «بيل كلينتون ـ عجز النوايا الطيبة (وثمن التورّط الذاتي)»، و»جورج و. بوش ـ القيادة الكارثية (وسياسة الفزع)». ونفهم أنّ الخطيئة الأصلية هي فشل إدارة بوش الأب في إضفاء أي معنى ملموس على شعار «النظام الدولي الجديد»، وعجز كلينتون عن ترجمة الشعار، واغتنام ما خلقت سياسات الشعار من متغيّرات على الأرض، وقصور بوش الابن عن فهم البرهة التاريخية، والفارق بين المخيّلة التقليدية والنوايا الطيبة.
فما هي خطيئة أوباما، بالمقارنة: أنه ساعد في، أو اعتنق، فكرة إسقاط الأسد؟ أنه يرغب في اتفاق سلمي حول البرنامج النووي؟ أم أنه، ببساطة ـ في يقيننا، لا في تنميطات بريجنسكي ـ يتابع النظر إلى العالم من الكوّة العتيقة ذاتها: يوم لأمريكا، ويوم آخر… لها، أيضاً!