نجحت إيران فمتى ينجح العرب..؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/8/2015
القدس العربي
المؤلف: 

في مارس الماضي نشرت مقالاً بعنوان: «المسألة الإيرانية»، في ذلك الوقت كان الاستقطاب مشتعلاً بين أنصار وأعداء الطموحات الإيرانية في المنطقة، كما كان، وما يزال ربما، كل طرف على غير استعداد أن يقف في منطقة وسطى وأن يتعامل مع الشأن الإيراني بشكل عقلاني.
لم يكن الاتفاق النووي حينها قد نجح بعد، بل كانت هناك شكوك في نجاحه مع التعنت الإيراني وتشدد اليمين الأمريكي وغيره من الاتجاهات الرافضة للمصالحة مع إيران، لكن بالنسبة لأغلب العرب فقد كان الاتفاق قدرياً والتحالف الأمريكي الإيراني خطة مرسومة لا ينفع معها التفكير ولا الاحتجاج ولا الالتفاف. ومثلما حدث في الهزائم العربية الكبيرة التي توقعت الخذلان قبل موعده وأذاعت أخبار سقوط المدن قبل حدوثها، مثل ذلك استمتع العرب بانتظار مصيرهم ولعبوا دور المتفرج المهتم بسجال إيران والغرب، الذي أفضى للوصول إلى تفاهمات تخص الطرفين لم يعلن إلا على جوانب قليلة ضمن ظاهر الاتفاق.

نظرية المؤامرة تفسير سهل ومهرب آمن يعفي من التقدير والتفكير، والتمادي في شرح ذلك التحالف بين محور الشر والشيطان الأكبر مفيد للعقول والأجساد التي تريد أن ترتاح وألا تشقي نفسها بعناء الكفاح والمراس السياسي والدبلوماسي.

بالنسبة لي فإن إيران خصم عنيد، وهي ما دامت تحمل تلك الجرثومة الطائفية البغيضة وذلك الهوس الفارسي فإن الوصول معها إلى حلول مرضية هو أمر صعب جداً، لكن كل ذلك لا يمنعنا من أن نقول إنها دولة عرفت كيف تستخدم ما بين أيديها من أوراق لتخدم مصالحها وأجنداتها الظاهرة والمخفية.

ومثلما تعلمنا من الأدب العربي القديم فإن أخلاق الفرسان تدعونا لإنصاف أعدائنا ليس فقط من أجل توخي العدل المطلوب ولكن أيضاً من أجل فهم تحركاتهم ومصادر قوتهم وإلا فإنه من السهل القول إن إيران لا تملك شيئاً وإنها لم تأخذ ما أخذته إلا بوقوف الغرب، والأمريكيين خاصة، خلفها. لقد لعبت إيران دوراً رئيساً في سقوط العراق وفي القضاء على طالبان، كما تلعب اليوم أدواراً لا تنكر في سوريا ولبنان إضافة إلى أدوارها الأقل علانية في الخليج واليمن وفي غالب بلاد المنطقة. هذه التدخلات جميعاً ساهمت بتقوية موقفها التفاوضي من جهة وأهميتها الاستراتيجية كلاعب لا يمكن تجاهله من جهة أخرى. ربما يقول قائل هنا إن الاتفاق كان معداً منذ البداية وأن الغرب حسم قراره منذ أشهر بضرورة إنهاء حالة العداء والجمود مع طهران، وفتح صفحة أمل وتعاون جديدة، لكن السؤال حتى في هذه الحالة ما يزال قائماً: لماذا وصل الغربيون، خاصة الأمريكيين، لهذه القناعة التي ستجعل علاقتهم بالمجموعة الخليجية تتوتر أو على الأقل تضطرب بكل ما فيها من مصالح وأعمال..؟ ما الذي قام بتقوية الكفة الإيرانية؟

يمكن في هذا الصدد قول الكثير عن اللوبي الإيراني في واشنطن وهو إما لوبي لإيرانيين أمريكيين يعملون في دوائر صنع القرار الأمريكية، وينشرون بحوثاً ووجهات نظر مؤيدة للنظام الإيراني، أو لوبي صنعه تجار بترول وطاقة من أجل حث السلطة الأمريكية على تجاهل خلافاتها مع إيران، لفتح الأبواب لهم للاستثمار ولاستغلال سوق الصادر والوارد الإيراني. من الأسئلة التي يختلف الناس حولها سؤال عن حق إيران أو غيرها في امتلاك سلاح نووي وتجارب حتى بغرض حربي، والطريف ان أكثر الرافضين لهذا «الحق» هم ممن يمتلكون فعلاً سلاحاً نووياً متطوراً، والحجة دائماً هي الأمن والسلم العالميين الذين يقتضيان وقف الانتشار النووي، بمعنى بقاء الحال على ما هو عليه لتكون الدول النووية نووية للأبد وغيرها تقليدياً للأبد! لكن آخرين لهم وجهة نظر أخرى، فهم يرون أننا نعيش في عالم مليء بالتحديات والقادة المجانين، فقد تفكر دولة كأمريكا فجأة بغزو إيران أو أي دولة أخرى وهي تعلم أن لن يردعها أحد، أو قد يفكر رئيس كوريا الشمالية ذات يوم بتطويق العالم مثلاً أو السيطرة على الدول التي تجاوره، كل ذلك قد يحدث ببساطة ولا شيء منطقي يمنعه.
في الوقت ذاته فإنه من الصعب القول إن حق التخصيب متاح للدول الطيبة فقط، حيث أن تعريف الطيب والشرير فضفاض ولكل طرف تعريف خاص له.
هي معضلة واشتباك يعيدنا إلى النقطة الأولى وهي أن بإمكانك السير قدماً في تطوير مهاراتك النووية إذا امتلكت القدرة الكافية أولاً والذكاء السياسي الذي سيسمح لك بالمراوغة واللعب على كل الحبال ثانياً. ثم تصبح الأسئلة أشد حرارة حين نقول إن العرب ظلوا لسنوات يحاولون منع إيران من امتلاك هذا السلاح مكتفين بالتحريض عليها ومعاداتها، بدون أن يحاولوا على الأقل اكتساب الخبرة الكافية التي تؤهلهم للتحضير لمشروع نووي على المدى البعيد. نظرية المؤامرة سيصعب عليها إجابة السؤال: من الذي منع العرب من السعي لامتلاك سلاح رادع وهم يتحدثون ليل نهار عن الاستهداف الإيراني والخطر الصهيوني؟
إحدى الإجابات اللاذعة ستكون أنه في الوقت الذي كانت تعتمد فيه الدول العربية النفطية على الحليف الأمريكي من أجل توفير الحماية والأمان الدائم، فإن إيران كانت تشق طريق استقلالها بقوة ليس فقط في مجال السلاح، ولكن أيضاً في مجالات الغذاء والدواء والصناعة. كان بعض البسطاء من العرب يتصور أن أمريكا يمكن أن تتدخل في إيران من أجل تغيير نظامها، كما تدخلت في العراق لصالح أعدائه الخليجيين الذين روجوا لخطر صدام حسين في المنطقة، لكن هذه الدعاية لم تفلح في جر الولايات المتحدة لحرب استنزاف جديدة، بل، وللمفاجأة، تصالحت الأخيرة مع غريمتها القديمة غير مكترثة بغضب الشريك العربي.

بالتأكيد فإن من مصلحة إيران تطبيع علاقتها مع الغرب ومع الولايات المتحدة خاصة وهو حلم يراود كل دول المنطقة التي تتنافس من أجل نيل الرضا الأمريكي الذي يفتح لك أبواب العالم كلّه، لكن الفارق هو أن إيران المتلهفة على لحظة التطبيع الحاسمة لم تكن لتظهر ذلك أمام الجميع كما يفعل الآخرون الذين لا يتورعون عن فعل أي شيء مقابل كسب ود الدولة العظمى.
لم تكن إيران متسرعة تسرع الفلسطينيين وهم يوقعون على أوسلو، ولا تسرع المصريين وهم يوقعون على كامب ديفيد خلال أيام، بل أخذ منهم هذا الاتفاق سنوات حتى تمت مدارسته ومراجعته وشطب كل ما يمس السيادة الإيرانية فيه. في الواقع فإنه يمكن تلخيص نتائج ودروس هذا الاتفاق في نقاط منها أولاً أن إيران أصبحت صديقة الغرب المقربة وشريكته في محاربة الإرهاب الذي هو سني في غالب تنظيماته (المعترف بإرهابها..!.(

ثانياً، أن علينا أن نغيَر تلك الثوابت التي نكررها على الدوام من قبيل أن الولايات المتحدة تعتبر أن نفط الخليج أولوية وأنها مستعدة لفعل أي شيء في سبيل علاقتها الاستراتيجية بدوله، فالظاهر أن الطرف العربي هو الحلقة الأضعف هنا وهو الذي يخضع للابتزاز باستمرار حتى في ما يخص سلاحه الاستراتيجي، النفط، الذي ما عاد يمتلك سيطرة فعلية على أسعاره.

ثالثاً، فإن على الأطراف المتضررة من التحالف الإيراني الأمريكي، وهو موجود بالفعل ولا يمكن إنكاره، أن تسارع وتبادر لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال التوحد وإعداد القوة، ويكفي أن نعلم أن وزير الخارجية الأمريكية أمضى فترة أسبوعين خارج بلاده متفرغاً لإقناع الطرف الإيراني بضرورة التوصل لاتفاق، كل ذلك يوضح أن أمريكا راهنت على إيران رهاناً استراتيجياً نهائياً.
رابعاً نقول إن تصغير العدو والاستهزاء به ليس أبداً نوعاً من الذكاء، وقد مر بنا التعليق على الصبر والأناة في التفاوض ويجب، بحياد، أن نحترم ذلك وأن نحترم إيمان الإيرانيين بأنفسهم ووطنهم وجديتهم التفاوضية التي جعلتهم يفتخرون بإنجاز هذا الاتفاق في شهر الصيام، الذي هو بالنسبة لمعظمنا شهر استرخاء وكسل وتأجيل لأهم الملفات.

خامساً: يجب ألا ننسى الكيان الصهيوني الذي سيستفيد من هذا الاتفاق من أجل ابتزاز الدول الغربية لمزيد من الدعم التقني والمادي ولإبرام صفقات بالمليارات من أجل الدفاع عن النفس ضد العدو الإيراني، وهو ما بدأ فعلاً في شكل أشبه بالرشوة بعد الضجة التي قام بها سياسيون اسرائيليون وهم يتوعدون، كذباً، إيران. هذا الاتفاق سيكون له أثر أكيد على العلاقة بين إيران واسرائيل. وهنا قد يقول قائل إن إيران لم تكن على استعداد أبداً، رغم الدعاية، لحرب الكيان الصهيوني، وإن لأذرعها مثل حزب الله أجندات أخرى وهنا نتساءل في براءة: ومتى كان العرب على استعداد لحرب اسرائيل بشكل جاد..؟

تعليقات