هل باع ترامب في السعودية أوهاما؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/7/2017
القدس العربي

بعد عودته إلى الولايات المتحدة، غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر حسابه على موقع تويتر قائلا «إحضار مئات مليارات الدولارات من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة يعني وظائف، وظائف، وظائف». وقبلها في إسرائيل قال «أتقدم بهذا الوعد لكم: إن إدارتي ستقف دائما مع إسرائيل». 
السؤال هو هل أن صانع القرار السعودي واثق من أنه أشترى موقفا لصالحه ولصالح الأمة العربية والإسلامية بالاربعمئة مليار دولار؟ وهل من نتائج حقيقية ستفرزها الزيارة؟

يقينا أن زيارة الرئيس الأمريكي للمملكة العربية السعودية، كانت بروتوكولية لن تلد نتائج ملموسة على أرض الواقع، فقد وصل إلى الرياض والفضائح السياسية تلاحقه على الصعيد الداخلي، وملفاتها خطيرة جدا بمستوى فضيحة «ووترغيت» في عهد الرئيس الأمريكي نيكسون عام 1974.

كما أنه خال من أية رؤية استراتيجية لسياسة خارجية، ولم يتم الاتفاق على ملامحها بعد، وكل ما قاله وغرّد به كان مجرد إشارات لا يمكن الركون اليها على أنها سياسة ستعتمد، حتى أن طاقمه السياسي والحكومي لم يكتمل بعد، لكنه أراد من زيارة الرياض أن تكون رحلة هروب من المأزق الداخلي أولا، ورسالة تأكيد للخارج على أنه مختلف عن سابقه، لذلك كان سيناريو الرحلة وإخراجها من قبل الطرفين الأمريكي والسعودي، مظهرا من مظاهر نقد مرحلة السياسة الأوباماوية في الشرق الاوسط، فلا العرب ولا الاسرائيليون كانوا راضين عن سياسته، على العكس من الإيرانيين الذين كانوا ممتنين له في الخفاء. ولانه استلم إشارات مؤكدة على أن الرياض ودول الخليج ستدفع، بعد أن كرر لثلاث مرات في حملته الانتخابية أن على السعودية أن تدفع. 

صحيح أنه ذكر أن دول أخرى عليها أن تدفع أيضا، لكنه عندما ذكر السعودية والخليج في موضوع الدفع، قال صراحة بأنهم لا يملكون شيئا سوى المال، وعليهم أن يدفعوا، ولأنه رجل أعمال، ورجل سياسة مأزوم تلاحقه التحقيقات، فقد وجد في الرياض المنقذ له مما هو فيه، خاصة أنه وفريقه يعرفون تماما أنها دولة محورية في المنطقة، وفي السياستين الدولية والامريكية.

ومحوريتها هذه جاءت من كونها قلب الإسلام الذي يتجه اليه مليار ونصف المليار إنسان في العالم، وثروتها النفطية هي الاعلى احتياطا وإنتاجا، وموقعها الجغرافي يطل على ثلاثة بحار، واحتياطها النقدي 514 مليار دولار، هو الرابع في التصنيف العالمي للدول، وميزانيتها العسكرية تبلغ 10 في المئة من الميزانية الكلية. 

هذه الحقائق تعني للولايات المتحدة أن الرياض مُشتر جيد للدين الامريكي، وأن ميزانيتها التسليحية البالغة عشرة في المئة من الميزانية العامة، تعني فرص عمل كبرى لشركات التسليح والإنتاج الحربي الامريكي، لكن الأهم من كل ذلك بالنسبة لواشنطن، هو أن السياسة السعودية على مدى عقود كانت تخدم توجهات السياسة الامريكية في المنطقة والعالم. 

 أما على الجانب الآخر، فإن الزيارة كانت بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، خاصة المملكة إنقاذا لهم من حالة الاضطراب والقلق والضياع، الذي عانوه في سنوات حكم الرئيس السابق أوباما. كان لديهم انطباع بأن أمريكا باتت وجهتها غير الشرق الاوسط واستدارت نحو آسيا، وأنها استبدلت بالحلفاء القدامى إيران، وأنها سلمت الشرق الاوسط إلى روسيا التي تحالفت مع الهلال الشيعي في المنطقة.

هذه الرؤية كانت لدى صانع القرار السعودي والخليجي عموما، وبالتالي من حقه إعلان الارتياح والابتهاج لهذه العودة، لذلك استثمرت المملكة استضافتها ثلاث قمم تجمعها بالرئيس الأمريكي وبزعماء العالم العربي والاسلامي، لتعزيز نفوذها الاقليمي على حساب إيران، والإعلان عن قدرتها على مساعدة أمريكا في احتواء الاخيرة، وجعلتها مناسبة لترميم علاقتها مع أمريكا، مع تأكيد ريادتها للعالم الاسلامي، في ظل منافسة محتدمة مع طهران على هذه الريادة. كذلك أبدت المساعدة على حل الصراع العربي الإسرائيلي بإشارات مؤكدة. 

وهنا سنكرر السؤالين آنفي الذكر بالقول، هل ستسفر هذه الاحتفالية عن خزائن عربية مفتوحة دون مردود إيجابي في موقف الطرف الاخر كما هو معتاد؟ 
إن الزيارة تمخض عنها تحالف جديد، لمواجهة السياسات الإيرانية ومحاربة الجماعات المسلحة التي تمارس الإرهاب. وهذا لا يمت للواقع بصلة لأن زعماء الدول الذين كانوا مجتمعين في القاعة ليس لديهم تعريف موحد للارهاب، ولا يجمعهم تهديد واحد من هذين المصدرين، وأن مصالحهم وسياساتهم المعتمدة مع إيران متعددة. فبعضهم حلفاء لإيران مثل العراق ولبنان، كما أن تركيا ومصر والإمارات والكويت وسلطنة عمان وباكستان، كلها لديها مصالح اقتصادية واستراتيجية معها، حتى أمريكا نفسها تتعاطى مع إيران وتنسق معها في أفغانستان والعراق، وفي الحقيقة تريدها مصدر تهديد دائم لدول الخليج كي يهرعوا لشراء المزيد من السلاح، فلقد حصل ترامب على كل العقود الاخيرة بفزاعة طهران، فهل من المنطقي أن يقطع هذا الشريان عن الاقتصاد الأمريكي وهو رجل أعمال؟ أذن كيف يتم جمع كل هذه المتناقضات في سلة واحدة؟ كما أن الدعوة لحلف جديد ستجعلنا نتساءل عن مصير الاحلاف الاخرى التي تتصدى للارهاب؟ وكما هو معلوم هنالك حلف عربي – إسلامي يتصدى للارهاب، وأن هذه الدول نفسها أعضاء فيه. هنالك تحالف دولي ضد الارهاب تأسس عام 2015، أيضا هنالك «الناتو» منخرط في هذه الحرب.

نقطة أخرى جديرة بالاهتمام أيضا، يقولون إن الحلف الجديد ضد إيران والجماعات المسلحة، وأنه سيستخدم القوة العسكرية ضد كل من يمارس الارهاب. وبما أن إيران مشمولة بالتعاطي مع الارهاب، ولديها أجنحة مسلحة تمارسه في عدد من الساحات، فهل يعني ذلك استخدام القوة العسكرية ضدها أيضا؟ أم أن الحرب ستكون فقط على ميليشيات الاسلام السياسي السني، بينما يتم توفير الغطاء الجوي لميليشيات الاسلام السياسي الشيعي في العراق.

لا جواب لحد الان على ذلك، كما لا يوجد جواب أيضا عن شرعية وجود الكيان الصهيوني في «الناتو» العربي الجديد، شريكا في الدعم اللوجستي والاستخباري ضمن منظومة عربية لا تقيم علاقة معها، وما زالت القضية الفلسطينية معلقة بمبادرة عربية لم تعترف بها إسرائيل حتى اليوم. ثم ما هو وجه الحق في مساواة حركة حماس المقاومة للمحتل مع منظمات موضوعة على لائحة الارهاب العالمي؟

إننا نرى أن المملكة قد وضعت رهانها كله في سلة رجل متقلب ليس له مصداقية. ففي التاسع من مارس الماضي قال ترامب «أعتقد أن الاسلام يكرهنا، وهنالك كراهية هائلة ضدنا)، ثم جاء مادحا، حتى أن صحيفة «التايمز» نشرت مقالا تعجبت فيه من قول ترامب إن السعودية موطن لأهم دين من الديانات السماوية، لانها مفاجأة لكل الذين تابعوا حملته الانتخابية. وفي الرياض وقف يقول بأن المسلمين والمسيحيين واليهود جميعهم ضحايا الارهاب، لكن في بلاده منع دخول رعايا دول عربية وإسلامية فقط. وفي الاسبوع المنصرم طلب من المحكمة العليا أن تعيد العمل بقرار منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة. 

وفي الشأن الايراني قال إنه سيعيد النظر في الاتفاق النووي، ويضيف الحرس الثوري إلى قائمة المنظمات الارهابية، لكنه لم يفعل أيا من ذلك، بل مدد تخفيف العقوبات عليها بموجب المراجعة الدورية الاخيرة. وكان آخر فعل له هو تنصله من اتفاقية المناخ التي وقعتها واشنطن مع 194 دولة، ما يعطي حالة من الغموض بشأن الالتزامات التي هو على استعداد لقطعها.

الذي أقنع ترامب بزيارة المملكة هو المال والسلاح وفرص العمل، والذي أثلج قلب زعماء الخليج هو قوله سنعزز (أمن أصدقائنا وحلفائنا الرائعين). هذا هو المهم.

تعليقات