هل تركيا بحاجة إلى حزب جديد؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/10/2018
القدس العربي

منذ نجاح الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا في السادس عشر من أبريل هذا العام، بدأت معركة الانتخابات الرئاسية لعام 2019، فلم تعد تنافسات الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة فيها هي صلب موضوع الانتخابات في تركيا بعد التعديلات الدستورية، التي جعلت النظام السياسي في تركيا نظاما رئاسياً، رغم أن الانتخابات المقبلة انتخابات رئاسية وليست برلمانية فقط، ولكنها بقيت انتخابات تخوضها الأحزاب السياسية التركية.

الأحزاب ستخوض الانتخابات الرئاسية بضراوة، كما كانت تفعل في الانتخابات البرلمانية السابقة، وليس بالضرورة أن يكون الحزب الأكبر في البرلمان هو من سيقرر رئيس الجمهورية المنتخب، بل أصوات الناخبين من الشعب التركي هي التي ستختار رئيس الجمهورية مباشرة، سواء كان حزبيا أو ليس حزبياً، ولكن الراجح أن معركة الرئاسة المقبلة سوف تخوضها الأحزاب الكبرى، فهي التي ستقدم مرشحيها، سواء كانوا من أعضائها أو من شخصيات مستقلة غير حزبية، ولو تقدم ترشيح شخصية مستقلة فستكون مرشح حزب سياسي كبير أيضاً، وهذا ما أدركته التعديلات الدستورية الأخيرة، بحيث سمحت لرئيس الجمهورية أن يكون حزبياً، بعد أن كان ذلك ممنوعا في الدستور القديم.

قد يظن البعض أن الحزب الحاكم ـ حزب العدالة والتنمية ـ حسم أمره على ترشيح الرئيس رجب طيب اردوغان، وهذا ظن صحيح وهو الاحتمال الأقوى حتى الآن، ولكنه لم يعلن بعد، أولاً لوجود مدة زمنية طويلة نسبياً، ولكن ما تتناوله الصحف التركية هذه الأيام وما تتناوله التسريبات الاعلامية، تشير إلى وجود احتمالات اخرى، فالبعض يثير أخبارا سابقة ظهرت عام 2015 تقول بأن الرئيس التركي السابق عبدالله غول سيعلن عن تأسيس حزب سياسي جديد، وأن هناك شخصيات عديدة من مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001 سوف ينضمون معه في الحزب الجديد، وفي ذلك الوقت اعتبرها البعض انشقاقا داخل حزب العدالة والتنمية، أو مسارا آخر لقادة أوائل من حزب العدالة والتنمية، يعملون على تأسيس حزب سياسي جديد، ولكن ذلك لم يحصل في ذلك التاريخ، وعادت إلى الظهور مرة أخرى هذه الأيام، في المرحلة التي يتم فيها الاستعداد للمنافسات الرئاسية لعام 2019، وما زاد هذه التكهنات نكهة الزيارة الأخيرة لعبدالله غول للسعودية في الأسبوع الماضي، ولقاؤه الملك سلمان بن عبدالعزيز ، التي جاءت في خضم توتر العلاقات التركية السعودية، إثر الموقف التركي الرسمي الداعم للموقف القطري في الأزمة الخليجية.

هذه الزيارة أثارت موجة تكهنات بوجود تيار داخل حزب العدالة والتنمية لا يوافق على السياسة التركية الرسمية المنحازة لطرف معين أكثر من الآخر، وتفضل الموقف الحيادي بدرجة أكبر، وأن هذا التيار لا يعارض بعض السياسات الخارجية للحكومة التركية فقط، بل يعارض بقاء القيادة السياسية الحالية مهيمنة على الواجهة السياسية العليا في تركيا لفترة أكثر وأطول، سواء في منصب رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة التركية المقبلة التي سيختارها رئيس الجمهورية. 

بداية نقول بأن وجود مثل هذه التحركات السياسية ليست دليلاً على الانشقاق السلبي، فالرئيس اردوغان دعا قبل شهر تقريبا لتنشيط الساحة السياسية، برفع مستوى طموحات الأحزاب لتقديم الأفضل في برامجها السياسية، لتقدم تركيا وتحسين موقعها الداخلي والخارجي، فإذا لم تكن الأحزاب السياسية التقليدية السابقة قادرة على تلبية هذه الطموحات، فما الذي يمنع أن تخرج قيادات سياسية وحزبية جديدة من رحم حزب العدالة والتنمية أيضاً، وأن تأخذ دور الحزب السياسي الأول أو الثاني.

فحزب العدالة والتنمية لن يستطيع الإمساك بدفة السياسة التركية إلى الأبد، ومن الأفضل أن يدفع بنفسه لضخ دماء جديدة في حزبه أو في حزب سياسي جديد، سواء كان بزعامة الرئيس اردوغان او عبدالله غول أو علي باباجان أو غيرهم، وأن ينافسوا كمرشحين حزبيين على منصب الرئاسة عام 2019، فزيادة الحراك السياسي الذي أعقب زيارة غول للسعودية ليس بالضرورة أن يفسر على أنه تخطيط سياسي ضد اردوغان أو ضد حزب العدالة والتنمية، وكذلك ليس بالضرورة أن يفهم على أنه انشقاق داخل حزب العدالة والتنمية، فهناك تيار رئيسي داخل الحزب يمكن أن يوافق على وتيرة معينة من العمل السياسي للرئيس اردوغان مهما كان نوعها، لأن موقفه يرتبط بشخص رئيس الحزب ورئيس الجمهورية، وهو من وجهة نظرة محق بذلك بالنظر إلى نجاح الإنجاز السابق سياسيا واقتصاديا، ولكن قسما آخر من داخل الحزب أو من الذين أخلوا مواقعهم في السنوات الماضية طوعا أو كرها، فإن لهم رؤى سياسية وبرامج اقتصادية قد تكون أفضل وأنجح لتركيا ومستقبلها، وفي هذه الحالة ينبغي أن تتحول هذه الرؤى إلى برامج سياسية واقتصادية، وأن يحكم فيها الشعب التركي في الانتخابات المقبلة، وهذا قد لا يتيسر إلا بأن يكون الترشح للمنافسة في الانتخابات المقبلة من خلال تأسيس أحزاب جديدة تحمل البرامج السياسية والاقتصادية إلى الشعب التركي.

فإذا سارت الأمور على هذا النحو فليس بالضرورة أن يفهم أعضاء حزب العدالة والتنمية ولا أحزاب المعارضة السياسية التاريخية، أن ذلك انشقاق داخل الحزب أو ضعف في عمل الحزب، أو أن حزب العدالة والتنمية قد بلغ سن الشيخوخة، ولا بد أن ينشأ من داخله نسل جديد، فهذا الأمر ليس حصراً داخل حزب العدالة والتنمية، بل إن الأحزاب السياسية الأخرى التي وقفت في صفوف المعارضة السياسية لأكثر من عقدين ينبغي أن تخرج من أعضائها وشبابها ونسلها الجديد قيادات سياسية جديد، ذات رؤية سياسية جديدة، فالرؤى السياسية التاريخية لتلك الأحزاب، سواء كانت يسارية أو يمينية، تغريبية او قومية، قد أعطت كل ما لديها، وهذه الأحزاب التي وقفت في صفوف المعارضة السياسية الحزبية طويلاً مطالبة أن تجدد نفسها، فشخصية سياسية مثل ميرال آكشنار وهي وزيرة تركية سابقة، ولعبت دورا كبيرا داخل حزب الحركة القومية لسنوات طويلة، وذات خبرة سياسية كبيرة، تستطيع هي وغيرها ـ في نظر البعض ـ أن تسارع في تنشيط الساحة السياسية التركية في السنتين المقبلتين، فهي الآن تستعد لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2019، وطالما هي تعمل ضمن القانون والدستور التركي، وليس ما يمنع من تقدمها السياسي على الساحة السياسية التركية، فإنها هي وغيرها قد تمثل نوعا من التدافع الايجابي، سواء في تقديم البرامج السياسية والاقتصادية لتقدم تركيا، أو تقديم الحلول التي تعالج المشكلات والأزمات التي تواجه تركيا اليوم على الساحة الإقليمية والأوروبية والدولية، ومنها جعل الحياة السياسية التركية الداخلية ـ مهما توسع لون طيفها السياسي ـ علامة قوة للمجتمع السياسي التركي. 

في الأيام المقبلة سوف تحتضن ولاية «أفيون كارا حصار» الدورة الـ26 من الاجتماع الاستشاري والتقييمي لحزب «العدالة والتنمية»، وسوف يحضر هذه الاجتماعات نواب وأعضاء الحزب، وهم أمام مسؤولية تقويمية لما أنجزه الحزب في السابق، وما سوف ينجزه الحزب في المستقبل، ليس لمستقبل الحزب وقدرته على خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2019، وإنما لتقرير مسألة إشكالية ثبات الصورة السياسية في تركيا إلى أمد غير معلوم، فبقاء حزب العدالة والتنمية ورئيسه في السلطة السياسية ورئاسة الجمهورية وتولي المناصب الوزارية السيادية في المستقبل، كل ذلك يمثل تحديا بقدر ما يمثل مسؤولية، فالشباب التركي والمجتمع التركي يحتاج إلى تجديد الصورة على طريقة الدول الديمقراطية الحديثة، فأكبر الدول الديمقراطية وأكثرها تقدما في الاقتصاد والصناعة والعسكرة لا تبقي الرئاسة فيها لأكثر من ثماني سنوات أو دورتين انتخابيتين للرئيس نفسه، وخروج الرئيس من قمة السلطة السياسة التنفيذية لا يؤدي بالدولة إلى الضعف ولا التراجع، بل يجدد فيها العمل السياسي، ويعطيها الفرصة الضرورية إلى التقدم أكثر في السياسات الناجحة، والتراجع عن السياسات الخاطئة، بل ومن أكبر علامات قوة تلك الأحزاب السياسية العريقة في أمريكا مثلاً وغيرها، هي أن الحزب يقدم في كل دورة انتخابية شخصية قيادة جديدة يلتف الحزب حولها، يرشحه للانتخابات ويشاركه في إدارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية لدورة أو دورتين انتخابيتين بنجاح اكبر وأقوى، فهل تصل تركيا لهذا المستوى السياسي المرن والإيجابي والتركيز على البرامج السياسية والاقتصادية، وليس على بقاء الأشخاص فقط، فالحزب الناجح هو الذي يقدم قيادات جديدة لكل دورة انتخابية مصطحبين معهم برامجهم الانتخابية ومشاريعهم المستقبلية.

تعليقات