هل تنجح التحالفات الدولية ضد عقوبات أمريكا؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/8/2018
القدس العربي

منذ وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، والعالم يشهد اضطرابا كبيراً في العلاقات الدولية، فمنذ أن بدأ تنفيذ شعاراته الانتخابية أخذ العالم يدرك يوما بعد يوم أنه جاد بتنفيذ كل ما وعد به في تلك الشعارات، ومنها: جعل أمريكا أولاً، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية التي تعارض المصالح الأمريكية، وعلى رأسها الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية المناخ ومنظمة التجارة العالمية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإلزام الدول الأوروبية بدفع التزامات مالية أكبر لميزانية حلف الناتو العسكرية، وفرض رسوم جمركية أعلى على البضائع المستوردة من الصين وكندا وأوروبا وغيرها.
والغريب أن ترامب يرى أن العالم كان يستغل أمريكا في العقود الماضية، وأن أمريكا كان تدفع أموالا للعالم بلا فائدة ولا مصلحة لها، وكأن العالم كان يستهبل امريكا، بحسب تصريحات ترامب نفسه.

هذه السياسة الأمريكية القائمة على العقوبات ضد الآخرين، فرضت على العديد من دول العالم أن تتحد وتتفاوض لاتخاذ إجراءات وسياسات وتحالفات ضد العقوبات الأمريكية عليها، منفردة أو مجتمعة، فدول العالم وهي تتأثر منفردة إلا أنها تخسر مجتمعة أولاً، وترى أن السياسة الأمريكية الجديدة ينبغي التعاون لمواجهتها ثانياً، لأنها لا تخص دولة واحدة، فتركيا، وحسب تصريحات متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ترى أن «تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، بخصوص الوضع الاقتصادي لتركيا، بمثابة اعتراف بأن الإدارة الأمريكية حوّلت شريكا لها في حلف شمال الأطلسي «ناتو» إلى هدف استراتيجي في حربها الاقتصادية. وأن المسألة لا تقتصر على تركيا فحسب، بل إن الإدارة الأمريكية أقدمت على فعل الشيء نفسه مع كل من المكسيك وكندا وكوبا والصين وروسيا وإيران والاتحاد الأوروبي وألمانيا وبلدان أخرى». وترى «أن استخدام الإدارة الأمريكية لأدوات مثل التجارة والضرائب والعقوبات، يظهر أنها عازمة على البدء بحرب تجارية عالمية، إلا أن هذا النهج يتعارض مع قواعد السوق الحرة، كما أن القرارات الضريبية تخالف قواعد منظمة التجارة العالمية».

هذا التشخيص الرسمي التركي لأزمة العقوبات الأمريكية ضد تركيا ودول العالم، يقوم من وجهة نظر تركية أيضاً، على «أن المشكلة التي تشهدها العلاقات التركية الأمريكية هي جزء من المشاكل التي تعيشها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع العالم»، أي أن المشكلة ما كانت لتصل لهذا الحد لو كان في البيت الأبيض غير الرئيس ترامب، فقضية القس الأمريكي ما كانت لتأخذ هذه الأهمية، لولا أن ترامب يريد أصوات رعايا الكنيسة الإنجيلية الصهيونية ـ التي ينتمي لها القس ـ في الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولذلك لم تتخذ تركيا قراراً بالدخول في هذه الحرب الاقتصادية لا مع أمريكا ولا غيرها، فقال قالن، «إن تركيا لا تنوي البدء بحرب اقتصادية مع أحد، إلا أنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه الهجوم على اقتصادها وقضائها». وهذا يعني أن تركيا سوف تؤيد وتشارك الدول التي تتأثر بالعقوبات الأمريكية في تحالفات أو اتفاقيات دولية، ومن أهمها الانضمام إلى منظمات دولية اقتصادية مثل، اتفاقيات الاتحاد الأوروبي السابقة، والاتفاقيات التي تدعو لها ألمانيا وفرنسا وتركيا، لوضع سياسة مالية موحدة تواجه العقوبات الأمريكية الأخيرة على تركيا، التي تؤثر مباشرة على الاقتصاد الألماني والفرنسي، ومعه الاقتصاد الأوروبي.

القضية الأولى التي دفعت الاتحاد الأوروبي ليفكر بمواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية، هو انسحاب أمريكا المنفرد من الاتفاق النووي مع ايران الموقع في يوليو/ تموز 2015، الذي فاوضت عليه خمس دول كبرى غير أمريكا وهي، روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا الدول الأعضاء دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا، فانسحاب امريكا بشكل منفرد يضرب مصالح الدول الست الأخرى، التي فاوضت على مصالحها أيضاً، ولذلك تسعى هذه الدول إلى معارضة الانسحاب الأمريكي المنفرد أولاً، وتطالب بعدم إلزام نفسها بما يترتب على الانسحاب الأمريكي من خسائر على اقتصادها الخاص ثانياً، وترفض الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران، التي سوف تؤثر على اقتصادها كثيراً.

من هذه المواقف الأوروبية دعوة وزير خارجة ألمانيا هايكو ماس، حيث يقول: إن أوروبا بحاجة إلى نظم مدفوعات مستقلة عن الولايات المتحدة، للمحافظة على الاتفاق المبرم مع الدول الكبرى»، وقد كتب ماس أنه «من المهم استراتيجيا أن نبلغ واشنطن بوضوح أننا نريد أن نعمل معا، لكننا لن نسمح لكم بالمساس بمصالحنا، بدون مشاورتنا». كما تعهدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني في الشهرين الماضيين، «بإيجاد آليات تكفل تواصل التعاون مع إيران، من خلال العلاقات التجارية والاقتصادية والمالية ومجالات الاستثمار والنقل، والسماح لطهران بتصدير الغاز والبترول».

ولا شك أن الصين وروسيا وتركيا ترحب بهذه الدعوات لإيجاد تحالفات اقتصادية دولية جديدة تواجه العقوبات الأمريكية، أو تقاوم، ما يحلو للبعض تسميته الحرب الاقتصادية الجديدة، فقد تكون هذه التحالفات الدولية هي السلاح الأقوى في إفشال العقوبات الأمريكية على العالم.
قد لا يكون موضوع القس الأمريكي برانسون مقنعا للبعض، كسبب رئيس في الخلافات الأمريكية مع تركيا، ولكن هناك تصريحات علنية من كبار المسؤولين الأمريكيين، مثل وزير الخارجية الأمريكية بومبيو، ورئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي بولتون، يصرحون فيها لوكالات أنباء عالمية بأن موضوع القس هو سبب العقوبات الأمريكية على تركيا، وتصريح بولتون الأخير لوكالة رويترز يوم 23 أغسطس/ آب الجاري يقول فيه: «إن الأزمة التي تمر بها الليرة التركية تنتهي بإطلاق سراح القس الأمريكي، أندرو برانسون الذي يحاكم في تركيا بتهم تتعلق بالإرهاب والتجسس»، بينما ترى آراء في السياسة التركية أن الموضوع أكبر من ذلك، وأن له صلة بالسياسة الخارجية التركية في المنطقة، وبالأخص في سوريا والعراق ومع إيران أيضاً، وربما مع روسيا ومشاريع التسلح منها أيضاً، ولذا وجد من الآراء السياسية التركية أنه لا بد من إخراج قضية القس الأمريكي من أسباب الاختلاف التركي الأمريكي، بأن يتم إصدار الحكم على القس فوراً، ثم التفاوض بين وزارتي العدل التركية والأمريكية على إتمام محكوميته في أمريكا، مقابل إطلاق سراح سجناء أتراك في أمريكا لإتمام محكوميتهم في السجون التركية مقابل ذلك، في حالة إدانته بمخالفة القانون التركي، وبحسب الاتفاقيات ذات الشأن بين الدولتين أو في القانون الدولي، وعدم مواصلة الدولتين سياسة العقوبات المتبادلة.

إن سياسة العقوبات المتبادلة تدل على رغبة الحكومات السياسية على استثمار مثل هذه القضايا لتحقيق مكاسب أخرى، بينما تكون الآثار السلبية على المواطنين والشركات في كلا الدولتين، فهناك نسبة تبلغ 90% من الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين يرون أن العقوبات الأمريكية على الدول الأخرى، بما فيها تركيا، تضر بالاقتصاد الأمريكي وبمصالح الشركات الأمريكية، فهذه الشركات ترفض سياسة العقوبات التي ينتهجها ترامب، لأنها تتضرر بعقوبات ترامب على الآخرين، وتتضرر بعقوبات الدول الأخرى على أمريكا أيضاً، فلا مصالح للشعوب والشركات التجارية بسياسة العقوبات إطلاقاً، والشركات الأمريكية ترفض عروض ترامب لتعويضها، وتطالبه الالتزام بحرية التجارة العالمية، وتطالب بسياسة الاحتكام إلى قوانين السوق العالمية الحرة. 

فإذا لم تكن قضية القس برانسون هي السبب المباشر للعقوبات الأمريكية على تركيا، التي أدت بشكل مباشر إلى انخفاض سعر الليرة التركية، فإن الخيار الآخر الذي تعمل عليه بعض الدول الكبرى اليوم هو تشكيل تحالفات دولية كبرى، تستطيع الدول من خلاله التحرر من ربط عملتها المحلية والتجارية بالدولار الأمريكي، وهذا وإن كان يحمل أحد الحلول الدولية ولكنه ليس سهلاً، وبالأخص بالنسبة لتركيا على وجه الخصوص، فهو يحمل في طياته مغامرات خطيرة، قد لا تكون تركيا مؤهلة في مرحلتها الحالية على خوضه ولا قيادته، بل عليها أن تترك ذلك الأمر لدول أخرى مثل الدول الأربع دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا لتزعم ذلك.

إن مؤسسات اتخاذ القرار الأمريكي بدأت تدرك خطورة سياسات ترامب على امريكا، ولكنها لا تملك إزاحته من الرئاسة إلا بطرق قانونية وشرعية ومشرفة لأمريكا، ومواصلة التحقيق بقضية الفساد والتجسس والتدخل الروسي في الانتخابات الأخيرة، هي إحدى المداخل لذلك المسار، كما أن الرئيس الأمريكي ترامب يدرك خطورة ما أقدم عليه خارجياً، ولكنه عنيد ولا يعمل للتراجع عن اخطائه، ولكنه يدرك خطورة ذلك داخلياً أكثر، فتورطه في عمليات فساد في عملية الانتخابات الرئاسية السابقة جعلته يحذر من إزاحته عن الرئاسة عن طريق محاكمته، فهو الآن يدعي بأن إزاحته من الرئاسة سيؤدي إلى إفلاس الشركات المالية، وهذا التصريح يحمل اعترافاً مبطناً، أي ان الرئيس ترامب بدأ يعترف بارتكابه مخالفات قانونية، ويحذر من إسقاطه لأسباب مالية وليس قانونية، وفي هذه الحالة، أي في حالة إدانة ترامب بالفساد وارتكاب جرائم وإزاحته عن الرئاسة، فقد يظن البعض أن العالم سوف يتنفس الصعداء، وسوف ترتاح الشركات الأمريكية قبل غيرها من سياسة العقوبات الهوجاء، كما ان تركيا سوف تجد نفسها تقترب من حل مشاكلها مع أمريكا بشكل أسرع واكثر أماناً، لأن حل المشاكل بينهما سوف تجد طريقها عبر القنوات الدبلوماسية وليس عبر طريق العقوبات ولا التهديد، وهو ما يأمله الشعب التركي.

تعليقات