يونيو ساخن

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/6/2015
القدس العربي
المؤلف: 

لا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا الشهر سيكون حاسماً لكل قضايا المنطقة وفوضاها، فالشوك الذي تم زرعه ببطء وعلى مدى سنوات يحتاج وقتاً أطول ليتعافى. لكن رغم ذلك فلا شك أن شهر يونيو سيشكّل منعطفاً مهماً للأحداث في المنطقة، من خلال عدة نقاط أحاول المرور عليها بسرعة في هذا المقال.

أولاً، سيكون هذا الشهر مهماً لمصر التي وصل فيها التصعيد مداه بإعلانات الإعدام التي طالت العشرات من قيادات الإخوان وغيرهم من رموز ثورة يناير. هذا الأمر سيجعل الخيارات محدودة أمام الجميع، فإما تجاهل الضغوط وتنفيذ الأحكام ثم الهروب إلى الأمام، بمزيد من حملات الاعتقال وأحكام الإعدام وقوانين منع التظاهر والاحتجاج، وإما إلغاؤها مقابل تعهد ما أو صفقة أو اتفاق سياسي. في المعسكر المقابل فإن تنفيذ هذه الأحكام، وهو أمر غير مستبعد على فكرة، قد يقود إلى اليأس والقنوط والتسليم، وهو ما يتمناه كثيرون، لكنه قد يقود أيضاً لمزيد من التصعيد وإلى تبني استراتيجية جديدة قد تزيد من حالة الاحتباس السياسي الحالية.

ثانياً، شهر يونيو هو شهر استكمال التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، حتى الآن لا يمكن معرفة صمود هذا الاتفاق وذلك في ظل التشدد الإيراني ووضع عراقيل أمام المفتشين، مقابل المطالبة بفك الحظر الاقتصادي بشكل كامل وإلغاء كافة العقوبات الدولية.
نجاح الاتفاق النووي يعني مزيداً من القوة الاقتصادية لطهران، كما يعني، بالضرورة، مزيداً من تدخلاتها الإقليمية، لكن، بالمقابل، فإن علاقة وفاق مع الغرب ربما تقود لإيران أكثر اعتدالاً واحتراماً لجيرانها، كما قد تقود لمقاربة مختلفة لحل الأزمة السورية.

ثالثاً، هذا الشهر هو شهر الانتخابات البرلمانية التركية التي تستمد أهميتها من حرص حزب أردوغان «العدالة والتنمية»، على تحويل النظام التركي إلى نظام رئاسي بعد أن كان برلمانياً. هذا التحول الذي لن يحدث إلا في حال الوصول لأغلبية برلمانية، سيقود إلى تقوية منصب الرئيس، ما سيجعله قادراً على اتخاذ قرارات صعبة بشكل سريع ومن دون الرجوع إلى بيروقراطية البرلمان، أي سيتاح له تنفيذ برنامجه بلا عرقلة. الأمر الذي سيؤثر بشكل إيجابي على الثورة السورية وعلى غيرها من الملفات الخارجية. دون ذلك عقبات كثيرة منها خشية المعارضة من تقوية نفوذ الرئيس واحتكاره الصلاحيات، وهو ما سيجعلها تحاول التوحد من أجل صد هذه المحاولات.

للتذكير فإن من سنّ تقييد صلاحيات الرئيس كان الانقلابي التركي كنعان أفريم الذي أراد أن يقلّل من أهمية منصب الرئيس في سبيل تقوية المؤسسة العسكرية.
رابعاً، من خلال تصاعد العمليات الثورية في سوريا وتوحد فصائل المعارضة المسلحة ضمن جيش واحد يسيطر الآن على أريحا وإدلب وغيرها من المناطق الاستراتيجية، يمكن القول إن الثوار الذين حددوا مصير بلادهم من دون انتظار دعم خارجي، هم في طريقهم الآن لتنحية بشار الأسد ونظامه الذي يتهاوى. في لحظة النصر هذه سيحاول الدبلوماسيون الوصول إلى صيغة توافقية تمنع وصول متشددين إلى السلطة هناك، كما سيحاول غيرهم إبقاء شكل من أشكال «الأسد» أو أسد بنسخة مختلفة، سيذكّر الأمريكيين بوقوفهم إلى جانب الثورة (رغم إعلانهم سابقاً بأن الأسد جزء من الحل) وبأنهم قد دعموا المعارضة من خلال برنامج التسليح الذي أشرفوا عليه. هناك حديث عن تحالف قطري تركي سعودي من أجل إنهاء حقبة الأسد للأبد، لكن الرهان يبقى على الثوار وعلى السوريين الذين قدموا تضحيات كثيرة وما زالوا يقدمون.
المعركة لن تكون سهلة خاصة أن جهات مختلفة قد استثمرت الكثير في سبيل بقــــاء الأسد ومجمــــوعته لما يحققه لها من فوائد إقتصادية أو مذهبية أو أمنية، مما يعني أن الخيار ليس بيد النظام السوري أصلاً حتى لو فكّر في الاستسلام.

هذا الشهر سيشهد ربما اجتماعات للمعارضة السورية واقتراحاً جديداً بتنحي الأسد وبقاء أركان نظامه، لكن الكرة ستظل كما قلت بيد الثوار على الأرض.
خامساً، وهو ما يتعلق بالداخل الإيراني، فقد لاحظ متابعون وجود حملة لإزالة لافتات العداء لأمريكا التقليدية من شوارع طهران في الأيام الماضية، وهو ما يعني أن إيران مستعدة فعلاً لتغيير خطابها وأولوياتها في حال نجحت مساعي التقارب مع الغرب. لكن ما يعنينا هنا هو أن النخبة السياسية الإيرانية تعمل حالياً بذكاء من أجل امتصاص الغضب الشعبي القديم وأثر الدعاية المتطاولة عبر السنين، وضخ أيديولوجية جديدة اسمها العداء للتكفيريين، وهو التعبير الفضفاض الذي يضم غالب أهل السنة أحياناً. الاستمرار في هذا بفعالية، أي عملية التفريغ وإعادة الشحن، مرتبط بالاتفاق النووي ومآلاته (النقطة الثانية) وعلى كل حال فإن أمام ملالي إيران مهمة صعبة نحو إقناع الشعب في الداخل بتغير خطابهم من جهة وإقناع الآخرين في الخارج بأنها شريك جيد، وربما أفضل من غيرها، لمحاربة «الإرهاب» من جهة أخرى.

سادساً، بالنسبة للسعودية، فإن الوضع هناك يسير نحو الإصلاح بشكل أسرع مما توقعه جميع المحللين، حيث صارت المملكة بخيارات أكثر انفتاحاً وإيجابية، وهي تتعاون مع قطر وتركيا في الملف السوري، ناسية تلك الخلافات الصغيرة التي كانت تعرقل العمل المشترك، وهو ما لن يمنع تعاونها مع هذه الأطراف، أو غيرها، في سبيل تحقيق أهداف أخرى. يتوقع مراقبون أن يحمل هذا الشهر مفاجآت جديدة وتحركات تؤكد حرص المملكة على لعب دور قيادي في المنطقة بالتعاون مع أشقائها بما يضمن استقرار المجموع وبما يحقق استفادة قصوى من دروس الماضي القريب التي من أهمها ضرورة عدم التعويل على الوعود الأمريكية وحدها لضمان الأمن. الخلاصة هي أن هذا الشهر سيكون، في الغالب، أسخن مما نتوقع، والله أعلم..!

تعليقات