مليارات الدولارات دفعتها إيران لدعم الأسد.. كيف ستستردها؟

علي خامنئي وضباط إيرانيون
الخميس 01 مارس / آذار 2018

توشك الحرب في سوريا أن تدخل عامها السابع. ومنذ بداية الحرب عام 2011 مدت إيران نظام الأسد بالسلاح. وأدى ذلك الأمر إلى فرض الاتحاد الأوروبي الحظر على عدد من أعضاء الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع للحرس، بسبب توفير المعدات لنظام الأسد ودعم إيران لقمع المتظاهرين في سوريا.

الدعم الإيراني أخذ نطاقاً أوسع بعد أن تفاقمت الحرب وتحول ما تسميه طهران بالدعم الاستشاري إلى دعم مالي واقتصادي. وفضلاً عن الأبعاد السياسية لدعم إيران لبشار الأسد حيث يتساءل الايرانيون عن التدخل الإيراني الواسع في سوريا وما التكلفة المالية لهذه الحرب؟.

وخلال الاحتجاجات التي جرت عام 2018 في المدن الإيرانية كانت هناك هتافات ضد الإنفاق في سوريا من قبل المحتجين.

إن الاقتصاد الإيراني قياساً إلى الدول النامية لا يعتبر اقتصاداً شفافاً، كما أن معرفة كلفة إرسال القوات أو المساعدات التسليحية صعبة جداً ومستحيلة في بعض الأحيان بسبب انعدام المعلومات الكافية، ومع ذلك صدرت في الأعوام الأخيرة تقديرات عن حجم المساعدات المالية الإيرانية لسوريا.

تقديرات الأمم المتحدة

كشفت المتحدثة باسم المبعوث الدولي إلى سوريا "ستافان دي مستورا"، "جيسي شاهين"، أن تقدير الأمم المتحدة أن متوسط إنفاق إيران في سوريا يعادل 6 مليارات دولار سنوياً، وعلى سبيل المقارنة هذا يعني أن إيران ساعدت النظام بما يعادل نصف ميزانية دعم الأسعار في الداخل سنوياً، وإذا كانت إيران أنفقت هذا الرقم بشكل منتظم خلال ستة أعوام من الحرب السورية هذا يعني أنها دفعت 36 مليار دولار، وهذا يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية الدفاعية السنوية لإيران.

ومن بين التقديرات الأخرى لكلفة الدور الإيراني في سوريا تقدير الباحث في الشأن السوري د. نديم شحادة الذي قدر ما تحملته إيران بلغ خلال سنة 2012  و2013 ما بين14  إلى 15 مليار دولار بعد أن فقدت حكومة الأسد جميع إيراداتها.

وقال شحادة إن تقديره مبني على الأدلة التي تؤكد دخول العديد من المجموعات الممولة من قبل الحرس الثوري الإيراني من بينها مجموعات من العراق وأفغانستان.

تقديرات إسرائيل

قال "غابي ايزنكوت"، رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، تزامناً مع احتجاجات الإيرانيين في شهر يناير/كانون الثاني 2018، إن طهران أنفقت منذ عام 2012 المليارات في سوريا. وأضاف: "في الوقت الراهن هناك ألفا عنصر من القوات الإيرانية وعشرة آلاف من جنسيات أخرى وثمانية آلاف من قوات حزب الله اللبناني في سوريا".

وقدّرت وزارة الدفاع الإسرائيلية في الخريف الماضي أن إيران تدفع 800 مليون دولار سنوياً لحزب الله و70 مليون دولار لحركة حماس والمجموعات الأخرى في قطاع غزة.

وفيما يتعلق بتكاليف القوات التي أرسلتها إيران لسوريا، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً العام الماضي نقلاً عن أحد الأفغان الذين أرسلتهم إيران إلى سوريا وقاتل هناك تحت راية لواء "فاطميون" الأفغاني، أن الراتب الشهري للشخص الواحد في هذا اللواء يبلغ 800 دولار شهرياً.

وإذا فرضنا أن تعداد هذه القوات وفق التقديرات الإسرائيلية يبلغ عشرة آلاف عنصر فإن الكلفة السنوية لرواتبهم فقط قد تصل إلى 100 مليون دولار.

وخلال المفاوضات حول الملف النووي الإيراني كان موضوع تحرير الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأجنبية حاضراً بقوة وكان يطرح دائماً سؤال: هل هذه الأموال ستصل إلى بشار الأسد؟.

وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" ترى أن التقديرات التي تتحدث عن وجود عشرات أو مئات المليارات من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج بعيدة عن الواقع.

وقال "أوباما" في مقابلة تلفزيونية له إن خطر إيران ليس في امتلاكها المال وأن الميزانية الدفاعية السنوية لإيران تبلغ 15 مليار دولار في حين تصل الميزانية الدفاعية لدول الخليج مجتمعة إلى 150 مليار دولار. ووصف وزير الخزانة الأمريكي آنذاك المبلغ الذي تصرفه إيران في سوريا بأنه لا يذكر.

الدعم الأوضح

قدر صندوق النقد الدولي مجموع مساعدات إيران في لنظام الأسد في إطار خطوط الائتمان بخمسة مليارات 870 مليون دولار.

وأعلنت مؤسسة تطوير التجارة الإيرانية في اكتوبر/تشرين الأول الماضي عن فتح خط ائتمان خاص للصادرات إلى العراق وسوريا، لكنها لم تكشف عن تفاصيل السقف النهائي له. وأشارت بعض المصادر السورية إلى أن سقف الاعتمادات الايرانية تصل إلى 6 مليارات و600 مليون دولار، وهذا قريب من الرقم المذكور أعلاه.

وخط الائتمان هو عقد بين مؤسسة مالية وأحد زبائنها وبلغة أبسط هو تحديد سقف لسلفة مالية بعيدة أو قصيرة الأمد، مثلاً خط ائتمان بمليار دولار من إيران إلى سوريا يعني أن النظام يستطيع الشراء من إيران سلعاً بقيمة مليار دولار كحد أقصى، أو تستقرضه نقداً وفق شروط العقد لكنها في المقابل عليها أن تدفع الأرباح وفق العقد أو سداد المبلغ كاملاً في الموعد المحدد. ولم تكشف طهران عن تفاصيل العقد المبرم مع النظام.

أما الرئيس السابق للبنك المركزي الإيراني إبراهيم مظهري فتساءل في مقابلة له العام الماضي ما إذا كانت علاقات إيران مع دول العالم الثالث صدقه أم استثمار؟ وقال إن بعض الحكومات قامت بالإلتفاف على البرلمان من أجل مساعدة دول خارجية من خلال فتح خطوط ائتمان.

تجارة مع بلد منكوب

صرح مسؤولون إيرانيون أن ما يقرب من 6 مليارات دولار على شكل اعتمادات مالية تم تخصيصها لنظام الأسد هي للتجارة، لكن ليس واضحاً كم صرف منها حتى الآن مع أن زيادة الاعتمادات إلى ثلاثة أضعاف يدل على زيادة الحاجة إلى اعتمادات أكبر.

ومع أن هذه الاعتمادات خصصت خلال الفترة من الأعوام من 2012 وحتى 2015، نستطيع حساب حجم التجارة بين البلدين خلال تلك الفترة والتوصل إلى تقدير حجم التجارة الرسمية بين البلدين.

بلغت قيمة السلع الإيرانية التي تم تصديرها إلى سوريا منذ عام 2012 حتى الشهر الثامن عام 2017 مليار و313 مليون دولار. أما واردات إيران من سوريا خلال الفترة نفسها فلم تتجاوز 91 مليون دولار مما يعني أن الميزان التجاري بين الطرفين يميل لصالح إيران الى حد كبير. وإذا افترضنا أن سوريا قد غطت قيمة بعض وارداتها من إيران عبر تصدير سلع سورية إليها، يعد الباقي ديناً على سوريا.

ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي لن تتمكن سوريا من سداد ديونها خلال الأعوام المقبلة. ومن خلال إلقاء نظرة على السلع المتبادلة بين البلدين خلال هذه الأعوام يظهر أن معدل الكيلو غرام الواحد للسلع المصدرة من إيران يعادل ضعف الوزن المشابه المصدر من سوريا لإيران.

وتظهر قائمة السلع أيضاً أن معظم واردات إيران من سوريا هي زيت الزيتون، والبذور الزيتية والتوابل، وفي المقابل تستورد سوريا من إيران المعدات الطبية والصناعية، والفولاذ والحديد ومواد البناء.

وقال محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران، العام الماضي خلال مؤتمر للإغاثة الإنسانية في سوريا عقد في لندن، إن قيمة المساعدات الإنسانية التي قدمتها إيران منذ بداية الحرب تقارب 2.8 مليار دولار وقال إنها أنفقت على شكل مساعدات في مجال الأدوية والمعدات الطبية، والأغذية وغيرها.

وتكمن أهمية هذا الرقم أنه يعد من المساعدات الضئيلة التي وصلت إلى النظام مباشرة، ولأن إيران تعتبر المعارضة السورية مجموعة إرهابيين.

مركز إعمار العتبات المقدس

كما هو واضح من اسمه هذا المركز معني بالأماكن المقدسة لدى الشيعة وتم تأسيسه في العراق لكن اتسع نشاطه ليشمل سوريا. ويقول القائمون عليه إن المركز لا يتلقى أي تمويل حكومي ومصدر أمواله المساعدات المقدمة من أفراد وبعض الشركات الخاصة، بينما يقول معارضو النظام إن الحكومة هي التي تمول المركز بشكل واضح. وانتهى المركز مؤخرا من إعمار مقام السيدة زينب قرب دمشق.

ويعمل المركز حالياً على بناء فندق مقابل المقام ويقال إنه بعد الانتهاء منه سيسلم إلى مؤسسة الرضا (آستان قدس رضوی) وتعمل بلدية مدينة مشهد الإيرانية على إنشاء حديقة قرب المقام. ولم يعلن الصندوق عن حجم إنفاقه في سوريا.

كانت سوريا تملك قبل الحرب اقتصاداً صغيراً يعتمد على تصدير النفط إلى حد بعيد وهي دولة محدودة الموارد أصلاً. وبلغت قيمة صادراتها من النفط ومشتقاته السنوية ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار وكانت تمثل أكبر مصدر لإيرادات خزينة الدولة، ومعظم هذه الصادرات كانت متجهة إلى دول الاتحاد الأوروبي . ومع بدء الحرب فرض الاتحاد الأوروبي حظراً عليها.

ويقدر صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد السوري بنسبة 60 في المئة خلال الفترة من 2012 إلى 2015. وتعرضت المنشآت النفطية لتدمير واسع.

ووفقاً لتقدير صندوق النقد الدولي ارتفع حجم الدين الداخلي في سوريا بشدة وبلغ ضعف إجمالي الناتج المحلي، بينما وصلت القروض الخارجية إلى 60 في المئة من إجمالي الناتج الداخلي وبهذه الأرقام لم يعد هناك مال لتسديد الديون الخارجية.

كيف تسترد إيران ديونها؟

لا يعرف حجم الديون السورية لإيران لكن المؤكد أنها مدينة لإيران حسب أحاديث المسؤولين الايرانيين. ويؤكد هؤلاء المسؤولون أن الوجود الإيراني في سوريا ودعم الأسد كانت سياسة صائبة واستراتيجية، فضلاً عن الفرص الاقتصادية التي ستكون في متناول إيران في سوريا مستقبلاً.

لم تكن إيران شريكاً اقتصادياً كبيراً لسوريا قبل الحرب وكانت تأتي بعد تركيا وأوروبا؛ والصين وروسيا. لكن يفهم من كلام المسؤولين الإيرانيين أنهم يعولون على السوق السورية لتصريف السلع الإيرانية، رغم أنهم صرحوا في أكثر من مناسبة بأن السلع الإيرانية ليس لها سوق في سوريا، وعلى العكس التجارة مع تركيا لا تزال مزدهرة بسبب هروب غالبية الصناعيين والشركات السورية إلى تركيا خلال سنوات الحرب.

وقال يحي رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى للثورة في إيران آية الله علي خامنئي مؤخراً إن سوريا مستعدة لسداد ديونها لإيران من مواردها النفطية والغازية والفوسفات. لكن وكالة بلومبيرج ذكرت أن هناك إقبالا من الشركات الصينية للتجارة مع سوريا، ومع ذلك نجحت إيران في الحصول على رخصة إقامة شبكة للهاتف النقال في سوريا ولم تتضح حتى الآن تفاصيل هذا العقد.

أعلنت الأمم المتحدة أن سوريا بحاجة إلى 250 ـ 300  مليار دولار لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وهذا يبلغ عشرة أضعاف إجمالي الناتج الوطني لسوريا ما يظهر حاجتها للاستثمار الأجنبي.

أصدقاء سوريا قليلون وجميع الدول الغربية الثرية وحلفاؤهم في الخليج يعارضون بشار الأسد وليست هناك نية لمساعدة نظامه. أما حليفتاه إيران وروسيا فلا تستطيعان القيام باستثمار واسع في بلد آخر وكل منهما منهمك في مشاكله الاقتصادية الداخلية، وتبقى الصين الحليفة الوحيدة لبشار الأسد لكنها لا تمتلك الموارد المالية لإعادة إعمار سوريا. واستثماراتها الخارجية في الآونة الأخيرة تظهر أنها غير مستعدة للاستثمار في مناطق خطرة محدودة الربح.

اقرأ أيضاً: أحوال صعبة ومشاهد مروعة يروها ناشطون في الغوطة

المصدر: 
بي بي سي ـ السورية نت

تعليقات