القضية السورية

اتجاهات العلاقات التركية الأميركية ما بعد الانقلاب الفاشل

التوتر الأميركي - التركي ليس وليد المحاولة الانقلابية، بل هو حصيلة سنوات من الخلافات بين الطرفين، أبرزها التعامل مع الملف السوري. ففي حين حصرت الولايات المتحدة استراتيجيتها في سورية بمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، على أساس أنه يُمثل التهديد الأبرز لأمن الإقليم والعالم، مع غضّ الطرف عن ممارسات النظام السوري التي لا تقل سوءًا وتهديدًا لأمن الإقليم والعالم، ظلت تركيا تعدّ هذا النظام أصل المشكلة. وترى تركيا أنه بسبب السياسة الأميركية في سورية، عاد الملف الكردي إلى التفجّر بعد فشل عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، كما غدت مدنها عرضةً لهجمات تنظيم الدولة، في حين توترت علاقاتها مع روسيا بعد إسقاطها إحدى مقاتلاتها أواخر السنة الماضية. وزاد من استياء تركيا شعورها بتخلي الولايات المتحدة و"الناتو" عنها، وتزايد مراهنة الولايات المتحدة على القوى الكردية المسلحة في سورية وتقديم الدعم لها. وفضلًا عن ذلك، جاء الموقف الأميركي الملتبس من المحاولة الانقلابية الفاشلة ليجعل التوتر في العلاقة بين الطرفين يبلغ ذروته.

القضية السورية وأزمة المسارات السياسية الإقليمية والدولية

لم يعد ثمة شك في أن سورية أصبحت لدول مثل تركيا والسعودية إحدى أهم ساحات تجلي التوازن الإقليمي، وواحدة من أبرز معايير قياس الموقف الأميركي في المشرق. وتبدو مراوحات واشنطن بين عدم الوضوح في الموقف من سورية، تارة، والتراجع عن مواقف مسبقة، تارة أخرى، سببًا إضافيًّا في عدم الاطمئنان للحليف الأميركي. وربما يمكن القول: إن حلفاء واشنطن في المشرق ارتكبوا خطأً كبيرًا عندما وافقوا على التورط في الحرب ضد تنظيم الدولة، بدون أن يحصلوا على موقف أميركي أكثر وضوحًا والتزامًا في سورية. وإلى أن تُسلَّم مقاليد البيت الأبيض لإدارة جديدة، واتضاح ما إن كانت مقاربة إدارة أوباما لشؤون الشرق الأوسط مرحلية أو استراتيجية، فالأرجح أن عدم الاطمئنان هذا سيتعمق. السؤال الأهم في هذا السياق هو ما إن كانت دول مثل تركيا والسعودية، والدول الأخرى الصديقة لهما في الإقليم، ستستطيع إقامة تحالف إقليمي يحمي مصالحهما، بغضِّ النظر عن الموقف الأميركي؟

 

تركيا: الحليف الوظيفي في الناتو

في ظل الضغوط الإعلامية والنفسية الممارسة مؤخراً من قبل الغرب في ضوء موقفها من التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة" ومن المعركة الأخيرة في كوباني التي تم الحشد لها بشكل كبير ومبالغ به بالنظر إلى الوضع المأساوي في سوريا بأكملها حسب الموقف التركي، جاءت ردود أفعال تركيا عن الفائدة المرجوة لعضوية تركيا في الناتو، فيتساءل تامر كوركماز، على سبيل المثال، في صحيفة يني شفق المقربة من الحكومة: "يجب أن يتساءل المرء ماذا أعطى الناتو لتركيا منذ عام 1952؛ بالنسبة إلى تركيا يعني الناتو: الانقلابات العسكرية، وتحذيرات الجيش للحكومات، والأزمات الاقتصادية، والاستقطاب الاجتماعي، والصراع الداخلي، والاستفزازات وعدم الاستقرار، والاستغلال والقهر والقتل خارج نطاق القانون والإرهاب المنظم". فالأولوية في الناتو –كما يرى بعض الأتراك- أُعطيت غالباً للقضايا الأمنية الغربية مع تجاهل تلك المتعلقة بتركيا.

Subscribe to RSS - القضية السورية