إسرائيل لا تريد إيران في الساحل السوري

على صعيد واسع، ثمة معادلة واضحة يتم تداولها، أشارت إليها تقارير ودراسات متعددة، فإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والغرب، ستكون منطقة الشرق الأوسط أمام حرب مشتعلة. يدعم أصحاب هذه النظرية وجهات نظرهم بالنظر إلى عدد من الدول العربية ودول الخليج التي تحاول ترتيب العلاقة مع إيران لتجنّب أي تصعيد. لم تعد مقومات المعركة منحصرة بطهران، والتي وصلت إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 بالمئة، وهو ما تسعى إلى تكريسه في حال توصلت إلى اتفاق مع واشنطن. هنا لا بد من إلقاء نظرة شاملة ودقيقة على ما يجري بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في أوكرانيا. ولا بد من إلقاء نظرة على التطورات بين الصين وتايوان.

بين إيران وواشنطن كل التصريحات والقواعد السياسية التي يحتكم إليها الطرفان مشهودة سابقاً وأصبحت متكررة إلى حدّ بعيد حتى إنها وصلت إلى حدود الملل، بناء على تصريحات جامدة والجميع يحفظها عن ظهر قلب، بأن واشنطن تركز على التفاوض الدبلوماسي مع إيران ولا تجد نفسها منعدمة الخيارات الأخرى ولكنها تصر على الدبلوماسية. في حين المسؤولون الإيرانيون يكررون مواقفهم أيضاً والتي تنقسم إلى قسمين، الأول هو رفض الإملاءات ورفض تقديم التنازلات واشتراط رفع العقوبات كمقدمة للاتفاق، أما القسم الثاني يتعلق بقادة الحرس الثوري الذين يهددون بتسوية إسرائيل بالأرض في حال قررت القيام بأي اعتداء.

هذا التصريح الأخير، يتوقف عنده كثير من المحلليين السياسيين والعسكريين بنوع من السخرية، هؤلاء الذين يعرفون أن طهران تنتهج مسلك التفاوض على حافة الهاوية، لا يمكن لمسؤوليها إطلاق مثل هذه التصريحات التصعيدية والمهددة إلا بعدما تكون إيران قد تأكدت من تحقيق خروقات سياسية أساسية في مسار المفاوضات وبالتالي أصبح وضع التفاوض أقرب إلى الاتفاق أو أن طريقه معبدة. لأنه لو كانت الأجواء سلبية جداً والمخاطر الأمنية والعسكرية جدية فإيران تلجأ إلى التراجع خطوة إلى الوراء في مثل هذه الحالات.

بين روسيا والولايات المتحدة على خلفية الصراع الأوكراني، لا يبدو المشهد متكرراً، فما يجري يختلف جذرياً عن الغزو الروسي لجورجيا في العام 2008، أهمية جورجيا بالنسبة إلى موسكو معنوية أكثر منها استراتيجية مقارنة مع أوكرانيا، فجورجيا موطن ستالين. أما أوكرانيا فهي نافذة روسيا أو الاتحاد السوفييتي سابقاً إلى البحر وإلى أوروبا، وهي المعبر الأساسي للغاز الروسي. كل الحشود العسكرية والتصريحات التصعيدية لا تعني بالضرورة استعداد الطرفين للذهاب إلى حرب، الموقف قد يكون مشابهاً لأزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي.

يبقى الوضع الأخطر هو الصراع الصيني الأميركي، لا سيما في ضوء التحشيدات والتوترات في تايوان، والذي تعتبره الصين معركتها الوجودية، ولا يمكنها التفريط بالقبول بأي نزعة استقلالية للإقليم. هذا الصراع هو الذي يدفع واشنطن إلى استعجال الوصول إلى اتفاق مع كل من روسيا وإيران لأنه يريدهما إلى جانبه في معركته بمواجهة الصين. وحتماً لكل هذه التطورات انعكاسات في منطقة الشرق الأوسط، والتي يمكن قراءتها انطلاقاً من التصعيد الإسرائيلي الواضح ضد إيران وممارسة مزيدٍ من الضغوط في سبيل إقناع الأميركيين بتنفيذ ضربة عسكرية ضد طهران، وهو ما تستخدمه واشنطن كعنصر من عناصر التفاوض والضغط على الإيرانيين.

على وقع هذه التطورات، وسعت إسرائيل الأسبوع الماضي من نطاق عملياتها العسكرية في سوريا، وقد استهدفت أحد العنابر في مرفأ اللاذقية والخاضع لسيطرة الإيرانيين، لا يمكن لإسرائيل تنفيذ مثل هذه الضربة في منطقة تعتبر خاضعة لسيطرة روسية كاملة من دون موافقة موسكو، أهمية هذه الضربة وأبعادها أنها تستهدف الوجود الإيراني في الساحل السوري، ما يعني أنه ممنوع على إيران أن تكون موجودة هناك، وثانياً أنه ممنوع على إيران التمتع بأي منفذ بحري على البحر الأبيض المتوسط، وثالثاً أن هذه الضربة تأتي كاستكمال لضربة إسرائيلية حصلت سابقاً قبل أشهر لأحد أكبر وأبرز المواقع الإيرانية في صافيتا. مثل هذه الضربات ستكون مستمرة في المرحلة المقبلة سواء تم التوصل إلى اتفاق نووي أم بقيت المفاوضات متعثرة. فبعد الوصول إلى الاتفاق سيكون التفاوض بالنار على ترسيم مناطق النفوذ.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا