التضخم السوري الجامح

درس فيلين كاجان (1956) سبعا من ثماني ظواهر للتضخم المفرط حدثت بين عامي 1920 و1946، وعرّف حينذاك التضخم المفرط بأنه يبدأ في الشهر الذي يتجاوز فيه التضخم 50٪ (شهريًا)، ويبدو أن أول تضخم مسجل قريب من تعريف كاجان للتضخم المفرط هو التضخم المرتبط بالثورة الفرنسية، حيث كان هناك خمسة أشهر على الأقل في 1795-1796 تجاوز فيها التضخم 50 في المئة.

التضخم الجامح رافق معظم الثورات في العالم فقد وصل التضخم أثناء الثورة الأميركية ما بين عامي 1777 و 1780 إلى 2701 بالمئة، ووصل التضخم الجامح أثناء الثورة الفرنسية وخاصة ما بين عامي 1790 و1796 إلى أكثر من 26 ألف بالمئة، وكذلك وصل التضخم أثناء الثورة المكسيكية إلى أكثر من 10 آلاف بالمئة عام 1916، كما وصلت نسبة التضخم في نيكارغوا عام 1991 إلى 11 مليار بالمئة، وأنغولا 62 ألف والكونغو 69 ألف بالمئة ويبدو أن الثورة السورية ليست استثناءا حيث تسبب تأخر النظام السوري بالاستجابة لمطالبها واستخدام الآلة العسكرية والاستعانة بجيوش الدول لإنهاك الجسد الاقتصادي السوري المتعب أصلاً قبل عام 2011 الأمر الذي استدعى انفلات الأسعار من عقالها، وبدء مشوار التضخم الجامح وهبوط المستوى المعيشي للمواطن السوري، وللأسف الدخول في مرحلة مخيفة من الجوع والفقر لم يسبق لها مثيل في تاريخ سوريا المعاصر.

كذلك رافق التضخم الجامح معظم الدول التي دخلت في عمليات التحول الاقتصادي خاصة دول الاتحاد السوفييتي السابق، حيث وصلت إلى 34 ألف بالمئة في أرمينيا عام 1994، وجورجيا 76 ألف بالمئة، والواقع الأسوأ كان أوكرانيا حيث وصل التضخم إلى 1.8 مليون بالمئة، وصربيا 156 مليون بالمئة عام 1994.

هنالك كثير من الطرق لقياس التضخم ولكن من الصعب بالنسبة للواقع السوري قياس تضخم الأسعار في بلد مقسم إلى ثلاثة مناطق نفوذ تختلف فيها أسعار المواد والخدمات، ولها موارد محلية خاصة بها تبعاً للقوى العسكرية النافذة لا علاقة للواحدة منها بالأخرى، وفي الجغرافيا السورية أكثر من سلطة وعشرات آلاف الجنود الأجنبية، والدولة بلا سيادة وقد خرجت عدة محافظات خارج سيطرة النظام السوري ولا تشمل التقارير الرسمية الإحصائية تلك المناطق أريافاً ومدناً، فضلاً عن مهنية ومصداقية الإحصائيات الرسمية، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الحالة الأمنية ما بين عامي 2011 و 2021، وكيف يمكن تصديق أرقام رسمية مثلاً عام 2013 يوم كان النظام السوري لا يملك أن يصل لأكثر من ثلثي الأرض السورية؟ فمن أين له الإحصائيات الدقيقية؟ وكيف لنا أن نصدق أرقام التضخم الرسمية في سوريا والنظام لا يملك أجهزة إحصائية رسمية في إدلب أو دير الزور أو الرقة؟ فضلاً عن شمول الإحصائيات مناطق نبع السلام ودرع الفرات، وصعوبة الوصول لكل المناطق، والتكتم على الأرقام الحقيقية لأغراض إعلامية ودعائية بحجة الصمود و”الشموخ”!

ربما مراقبة سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار يصلح للاستئناس به حيث يعكس حالة مخففة من معدلات التضخم الذي تجاوزت الخمسين بالمئة سنوياً منذ عام 2011، حتى وصل تقريباً إلى 6700 بالمئة ما بين عامي 2011 و2021، وهو رقم التضخم الجامح الذي وصلت إليه الكونغو الديمقراطية عام 1992 والذي استمر 12 شهراً.

واقع الأمر أن استمرار تضخم بمعدل 50 بالمئة كل عام يعني أن سعر الليرة السورية عام 2025 سيصل إلى 14500 ليرة للدولار الواحد، وعندها سيصل التضخم ما بين 2011 و2025 إلى 29 ألف بالمئة!

إن الإتاوات بأسماء رسوم وضرائب تفرض مرة باسم رسوم دخول ومرة باسم تجديد جواز سفر، ومرة إصدار عشرات القوانين من أجل استملاك عقارات المهجرين واللاجئين، هي أشبه بمكوس القرون الوسطى التي تزيد من فقر الفقراء، وتجمد أي نشاط اقتصادي، إضافة إلى “المرسوم القاتل” مرسوم رقم 3 الذي صدر في يناير عام 2020 والذي يمنع تداول غير الليرة السورية تحت طائلة السجن لسبع سنوات مع “الأشغال الشاقة” أصاب ما تبقى من نشاط اقتصادي في مقتل، وهو بمنزلة إطلاق النظام الرصاص على رجله والانتحار البطيء ويحسب “عباقرته” أنهم يحسنون صنعاً! وهو بذلك ضيّق الخناق على تحويلات العاملين السوريين إلى أهلهم في الداخل والتي تتراوح سنوياً ما بين 1.5 و2 مليار دولار.

زاد الطين بلة صراع مع منظومة رامي مخلوف التي تحوي أكثر من مئة من “واجهات” رجال الأعمال ما بين “الشام القابضة” و”دمشق القابضة” فضلاً عن تغلغله في الأجهزة الأمنية والعسكرية، والذي اضطر تلك الثلة من “رجال الأعمال” إلى تخفيف أو إيقاف نشاطهم الاقتصادي المحدود لأنهم لم يعودوا يأمنوا على أنفسهم بعد أن طال الصراع رأس المنظومة، مما ساهم في انشقاق شاقولي في منظومة فساد عمرها خمسين عاماً وتوسعت شقوقها المالية والعائلية وحتى نالت انشقاقات داخل الطائفة الواحدة وتحريض رامي مخلوف الذي ظهر بمظهر الشيخ الحكيم المؤمن الذي يدعو طائفته للوقوف إلى جانبه في “محنته”.

لا يوجد ما يدعو إلى التفاؤل فيما يخص الشأن الاقتصادي طالما الأزمة السياسية مستمرة، وطالما البوصلة تابعة لمشاريع طائفية عابرة للوطنية، فسوريا خسرت أكثر من 500 مليار دولار إلى الآن بعد أن خسرت 17 مليار دولار احتياطي نقدي تم إنفاقه بكل رعونة على العسكرة ودعم ليرة سورية لا يوجد ما يدعمها من سلع وخدمات، فضلاً عن خسارتها النفط الذي كان يساهم بدعم ثلث ناتج الدخل القومي، فضلاً عن سد حاجة السوريين الـ23 مليون بينما هو الآن لا يستطيع سد حاجات الوقود لـ 12 مليون يعيشون في مناطق النفوذ الروسي، وكذلك خسارة 72 بالمئة من قمح سوريا و52 بالمئة من قطن سوريا الواقع تحت النفوذ الأميركي.

كلّ ما سبق سيكون نتيجته رزوح أكثر من 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، وتصنيف سوريا كأفسد دولة في العالم، ويزيد من غرق الاقتصاد السوري  هو التصريحات الدعائية الإيرانية في دعم الاقتصاد السوري من مثل التصريحات السخيفة الخاصة بإنشاء خط شحن بحري بين مينائي بندر عباس واللاذقية والذي معناه إن استطاعت تلك السفن تجاوز موانع المقاطعة فإن معناها احتمال أن يكون مرفأ اللاذقية عرضة للقصف بتهمة نقل السلاح للحرس الثوري الإيراني وميليشياته في سوريا وعندها – لا قدر الله- ستخسر سوريا مرفأ اللاذقية أيضاً ويكون هذا “التعاون” وبالاً على سوريا،  كما كانت وبالاً على العراق من قبل، وعلى كل فإن وعود الدعم على مدى عشر سنين وعقد أفشل مؤتمر لـ “عودة اللاجئين”  لم تزد سوريا إلا مزيداً من الضنك، وشح الماء والكهرباء والقمح والوقود وانخفاض متوسط دخل الفرد من 300 دولار إلى أقل من عشرين دولارا شهرياً.

إن هذا “الدعم الدولي” الهائل من حلفاء النظام أوصل النظام إلى مرحلة مؤسفة حيث أصدر النظام مرسوم تشريعي رقم 23 لعام 2019 بزيادة الرواتب عشرين ألف ليرة أي 6 دولارات (3300 ليرة= دولار واحد 21 فبراير 2021)، ويرفع “المرسوم” المخجل راتب نائب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ليصل إلى 233 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 70 دولارا! ووزراء الحكومة 200 ألف أي 60 دولارا! ورواتب المحافظين 153 ألف ليرة أي 46 دولارا! فما بالك الموظف العادي حيث راتبه يتراوح ما بين 10 -25 دولارا!

كيف سيستطيع النظام أن يمنع الوزير ورئيس مجلس الوزراء والمحافظين بعدم اللجوء للنهب وسرقة الخزينة واستغلال نفوذهم إذا كانت رواتبهم تتراوح ما بين 46-70 دولارا شهرياً بمعنى لا يمكن لأحدهم صرف أكثر من دولارين يومياً! بمعنى أن الوزراء والمحافظين هم تحت عتبة الفقر 1.90 دولارا يومياً حسب البنك الدولي! وهؤلاء “منوط” بهم رفع راية “الصمود” أمام “المخططات الإمبريالية” من خلال حملات “ليرتنا عزتنا”! و “زكاتك خفض أسعارك”!

واقع البنك المركزي السوري أنه فقد دوره بشكل كبير، ولم يعد أكثر من فرع أمن يملك محل صرافة كبير يحتكر سوق الصرافة، ويفرض أسعاره بقوة الأمن والبطش وإغلاق محال الصرافة، ويزج الصرافين في السجون بحجة “ضبط” سعر الصرف، كما أن إحدى مهامه طباعة عملة لا قيمة لها بفئات 5000 و 10 آلاف والمتوقع السنة القادمة طباعة ورقة العشرين ألف استجابةً للتضخم السوري الجامح، دون أي خطوة استراتيجية حقيقية للخروج من هذا المأزق السياسي والاقتصادي، بل تفضيل العقلية الأمنية والعسكرية وتكريس روح “تحدي” الشعب السوري “للتآمر الكوني”، و”الصمود” فارغ المحتوى الذي لا يجلب سوى الشقاء للشعب السوري في تغريبته الداخلية والخارجية.


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا