حلب تحت الوصاية الدولية.. خطة ممكنة أم أضغاث أحلام؟

ما إنْ يهدأ حنين الحلبيين النازحين والمهجرين لجنتهم التي أخرجوا منها، حتى يوقده من جديد حديث آخر عن استعادة حلب، ورغم أن الأمر لا يتجاوز، منذ نهاية العام ٢٠١٦، تاريخ سقوط حلب بيد النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، الأحلام والتمنيات والأوهام السياسية، إلا أن الحديث عن حلب رغم كل ذلك يستقطب اهتمام الجميع ويحقق تفاعلاً كبيراً.

آخر ما استجد على هذا الصعيد هو إعلان الحكومة التركية عن تشكيل آلية من ثلاث جهات رسمية من أجل تأسيس “نموذج حلب” في الشمال الخاضع لنفوذ أنقرة، من أجل تشجيع عودة اللاجئين إليها، بعد تأمين موارد ومشاريع وبنى تحتية صناعية وزراعية.

ولو أن الأمر توقف عند هذه النقطة لكان نقاش الخطة منطقياً، إذ إنه وبالنهاية يمكن لتركيا أن تنجز مثل هذا المشروع بعد إقناع شركائها في مسار أستانا أو مسار موسكو الرباعي بأهميته وفائدته للجميع، أما وقد تزامن مع مقال لمستشار الرئيس التركي السابق ياسين أقطاي، طالب فيه بوضع حلب تحت الوصاية الدولية تمهيداً لإعادة ملايين اللاجئين، فهنا يصبح الحديث أقرب للأحلام منه إلى الواقع، على الأقل في ضوء الظروف الجيوسياسية القائمة.

من المؤكد أن حلب الحاضرة الجيوسياسية، تحظى باهتمام تركي تاريخي، ولعل هذا ما جعل حتى أكثر المتشائمين يتوقع ألا تتخلى تركيا عن حلب قبل أن تستعيدها الميليشيات الإيرانية لصالح النظام.

لكن تركيا لم تكتف بالقبول بفرض النظام وحلفائه الأمر الواقع، وإخراج قوى الثورة المتحالفة معها من المدينة، بل وعلى مدار السنوات السبع التي تلت احتلال تلك الميليشيات لأقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وثاني أكبر مدينة في الدولة العثمانية بعد إسطنبول، والعاصمة الاقتصادية والتجارية لسوريا، لم تقدم أي رؤية حول حلب، علماً أن نصف اللاجئين السوريين المقيمين على الأراضي التركية هم من أبناء حلب وسكانها، ما يعني تخفيفاً كبيراً من أعداد السوريين لديها لو تحقق أي حل يبدأ من حلب، لكن لا شيء حتى الآن يتجاوز مشروع المناطق الصناعية في الشمال الخاضع لنفوذ أنقرة.

أما ما يتم تسريبه عما هو أبعد من ذلك الآن فمجرد حلم، ونقول حلم لأن أي صفقة تتعلق بحلب، كل حلب، من الصعب تحقيقها إلا بترتيبات مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة على الأرض، ولكن هذه الصفقة لا تبدو واردة لأن هناك عقبات ومعوقات كبيرة جداً سياسية وعسكرية وأمنية وحتى اجتماعية من أهمها:

أولاً- القواعد العملياتية السياسية والعسكرية والميدانية غير متوفرة، وفكرة وضع حلب تحت الحماية الدولية ليست ممكنة.

ثانياً- لربما ما تقوم به تركيا من مباحثات مع الجانبين الروسي ونظام الأسد يهدف لضم حلب لخريطة طريق بغية إيجاد فرص عمل لمئات الآلاف من اللاجئين من أجل إغرائهم على العودة الطوعية، ولكن كيف لهؤلاء أن يعودوا لأحيائهم وبلداتهم بوجود من قتل واعتقل أولادهم ودمر بيوتهم وهجرهم منها، من أجهزة مخابرات الأسد وجيشه وشبيحته، وعشرات الآلاف من عناصر الميليشيات الطائفية التابعة لإيران التي تحتل بيوتهم.

ثالثاً- الواقع الجيوسياسي لا يسمح بتحقيق هذا الطرح لأن كل القوى الدولية الفاعلة على الأرض السورية أكثر قوة ونفوذاً من تركيا، وكل تلك القوى ليس لديها الرغبة في تنفيذ مثل هذه الفكرة أو حتى قبولها أصلاً لأنها لا تصب إلا في صالح تركيا من حيث المبدأ.

رابعاً- في ظل سيطرة الميليشيات الطائفية والشبيحة على أحياء حلب وفقدان أي وجود حقيقي للدولة على أرض الواقع، من الذي سيجرؤ على المغامرة بحياته وماله ويعود إلى حلب من دون وجود بيئة آمنة حقيقية برعاية أممية، يأمن فيها على نفسه وأسرته وأهله وتجارته ومصانعه.

خامساً- طرح السيد ياسين أقطاي بوضع حلب تحت الوصاية الدولية يتطلب وجودا عسكريا دوليا محايدا، فمن من الدول يمكن أن تغامر بإرسال قواتها كرمى لعيون تركيا، أم إن تركيا من ستقوم بهذه المهمة، وهي التي تعلم خطورتها ولا تريد الانزلاق أكثر في مستنقع الوحل السوري الذي لا يخفي البعض رغبته في توريطها به أكثر، أم أنها ستوكل المهمة لفصائل أثبتت عدم نجاعتها، وبدأ بعضها يتعرض لعقوبات دولية نتيجة تجاوزاتها وفسادها، وهي أصلاً غير موثوقة أو مقبولة من جمهور الثورة.

سادساً- يبقى للعامل المحلي دور لا يمكن إسقاطه من الحسابات، فهناك بين فصائل الثورة من لا يزال يتمسك بتطبيق القرارات الدولية وإسقاط نظام الأسد على أساس الحل السلمي الشامل، ولذلك فإنها ترفض التفاهمات التركية مع النظام برعاية روسية، وهو ما لا يزعج تركيا أو يجعلها تعادي هذه الفصائل التابع بعضها للجيش الوطني، عكس ما يعتقد الكثيرون، وقد شاهدنا تمسك تلك الفصائل بنقاط رباطها على الطريق الدولي حلب- غازي عينتاب، وعدم تسليمها لفصائل أخرى تمهيداً لفتحه كتنفيذ لتفاهمات أستانا.

سابعاً- موقف زعيم هيئة تحرير الشام الذي سيعيق تنفيذ أي تفاهمات بخصوص المنطقة من دون أن يكون الوكيل الحصري المعتمد لتنفيذها، ودون ذلك سيكون عامل إعاقة كما حصل في عرقلة تنفيذ المنطقة العازلة التي تم التفاهم عليها بين الرئيسين الروسي والتركي في خريف عام 2018 في سوتشي.

ثامناً- نظام الأسد بالإضافة إلى أنه غير مهتم أصلاً بعودة اللاجئين، يطالب في كل مناسبة بخروج القوات التركية كشرط مسبق للتطبيع بين البلدين، أو قبول رأس النظام لقاء الرئيس التركي، وهذا ما ورد على لسان الأسد ووزير دفاعه قبل أيام، فكيف يمكن أن يفاوض على حلب؟

ثمة ما يمكن الإشارة إليه وهو أن الحديث الدائم عن حلب في الأوساط السياسية التركية غالباً ما يجري عبر القنوات غير الرسمية، ومن ثم يتم تسريب الحديث لتتداوله القنوات الرسمية، ما يعني أن ثمة استثمارات سياسية أخرى لموضوع مدينة حلب، ربما لامتدادات وجدانية ونفسية لمدينة حلب لدى قطاع كبير من السوريين والأتراك على حدّ سواء، ولكن هذه المكانة ذات المدلولات الرمزية لمدينة حلب لم تجد حرصاً كبيراً من الحكومة التركية للحفاظ عليها.

الحديث عن عودة حلب أشبه بالمسار الماراثوني لجولات أستانا العشرين، واللجنة الدستورية وجولاتها الثمانية، ما هو إلا أضغاث أحلام من الصعوبة بمكان تحقيقها قبل إنجاز الحل السياسي وفق القرارات الدولية، وتحقيق البيئة الآمنة وإعادة الأعمار بمشاركة دولية.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا