روسيا تخوض الحرب… أميركا تريد احتواء الجميع

مسار بعيد المدى من التداعيات والتبعات للغزو الروسي لأوكرانيا. لا يمكن قراءة واستشراف النتائج الجيوستراتيجية التي ستنتج عن هذا الاجتياح، ولكن أثره سيكون بالغاً بالتأكيد أولاً على روسيا وأوكرانيا، ثانياً على أوروبا، وثالثاً على النظام العالمي، ورابعاً على منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالصراعات السياسية والاستراتيجية على إيقاع الصراع المفتوح حول الانتماء إلى أي من المحاور. مع الأيام الأولى لبدء الاجتياح، تحمّس كثر على طرفي نقيض. فمن يؤيد موسكو سارع إلى الإعلان عن الانتصار الساحق وإسقاط كييف في ساعات قليلة، ولكن ذلك لم يحصل. فيما المعارضون لروسيا والذين يتعاطفون مع أوكرانيا سارعوا إلى خطّ حروف الإيمان بالمقاومة الملحمية التي قدّمها الأوكران دفاعاً عن بلدهم في مواجهة القوات الروسية.

كلا القراءتين نتجتا عن حماسة وتسّرع، بينما النتيجة هي ضربة قاسمة لأوكرانيا، على الرغم من الصمود، من الذهاب إلى خيار المقاومة الشعبية والتي قد تطول وتتطور إلى حرب استنزاف. بينما روسيا وبحال طالت الحرب فستكون أمام مآزق متعددة وحالات التظاهر التي شهدتها بعض المدن الروسية اعتراضاً على الحرب، بالإضافة إلى التظاهرات التي شهدتها دول متعددة كانت سابقاً في الاتحاد السوفييتي ستتعاظم كنوع من الدخول في صراع إرادات مع روسيا. سعى بوتين في البداية إلى الاعتراف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك لتبرير دخوله العسكري، ووجه نداءات إلى الجيش الأوكراني بضرورة القيام بانقلاب عسكري واستلام السلطة وذلك لتجنب حرب الاستنزاف.

في المقابل لوح الغرب بإنتاج المقاومة المسلحة والتحول إلى حرب العصابات، مع تحميل روسيا مسؤولية الدمار الذي يحصل مقابل استدراجها إلى ضربات متنقلة قد يتلقاها الجيش الروسي. وبالتالي عدم الحسم العسكري سريعاً، وهو الذي سينعكس سلباً على الواقع الروسي، خصوصاً في الانعكاسات المالية والاقتصادية، بنتيجة العقوبات التي يتم فرضها على روسيا، وهي عقوبات لو كانت قد فرضت منذ اجتياح جورجيا، أو ضم القرم، أو التدخل في سوريا، لما كان بوتين قد توسع طموحه وتنامى حلمه في ضرب أوروبا من خلال إعادة إحياء الحروب فيها، ما سيكون له نتائج كارثية على أوروبا ككل وعلى الاتحاد الأوروبي.

وفي ذلك، يحقق الأميركيون جملة من الأهداف، أولها إغراق روسيا في وحول هذا الصراع، ونسب لها تهمة إعادة إحياء الحروب في أوروبا، في المقابل، إضعاف أوروبا أكثر، اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، فأميركا في كل إداراتها لا تريد أوروبا قوية، وعندما تم الاتفاق على إنشاء الاتحاد الأوروبي، وكان السعي لإنشاء قوة اقتصادية كبرى، كان الرد الأميركي في زيادة نسبة هذه الدول في ميزانياتها بالحلف الأطلسي، وكذلك بالنسبة إلى الأسواق المفتوحة والتي نجح فيها الأميركيون بغزو الأسواق. حالياً يتكرر السيناريو على وقع الاجتياح الروسي لأوكرانيا، بعدما كانت أميركا قد هددت مراراً بأنها لا تريد الاستمرار بتمويل الناتو، وبعد مواقف صريحة وعلنية للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بأنه لا حاجة لاستمرار هذا الحلف.

إنه صراع يعيد تركيب النظام العالمي، تعتبر أميركا أن روسيا هي خطر وجودي، لذلك لا بد من الاستمرار في إشغالها في ساحات متعددة، وإعطائها أدواراً مختلفة في أماكن متعددة كنوع من إرضاء الطموح الكبير. المشكلة الأساسية تبدأ في الدرع الصاروخية، والمشكلة الثانية هي الجمهوريات الإسلامية، والتي قد تتحرك فيما بعد كنوع من تفكيك روسيا أو خلق مشاكل فيها بحال استمر مسار السعي إلى تصغير الكيانات. والمشكلة الثالثة هي الصراع الاقتصادي. وهنا لا يمكن إغفال وجود سياسة أميركية ينصح بها هنري كيسنجر بأنه لا يمكن احتواء روسيا والصين معاً. هذه كلها حاضرة في وقائع الصراع الروسي الأوكراني وخلفياته، والموقف الغربي منه ولا سيما الأميركي.

لن تتوقف حدود وتداعيات الصراع عند الخريطة الأوروبية. إنما سيكون انعكاسها قائماً عل  إيران والاتفاق النووي، فبالنسبة إلى روسيا فلو كان الاتفاق النووي قد أنجز قبل العملية العسكرية لكانت واشنطن ستتفرغ لموسكو، أما إبقاؤه معلقاً فيبقي واشنطن منشغلة بملفات متعددة، وهذا قد يطيل أمد التفاوض بينما تجد طهران نفسها في موقع حرج غير قادرة على الخروج من العباءة الروسية ولا تريد تبني السياسة الروسية الواضحة كي لا تخسر الاتفاق. الصين كذلك الأمر وهي تسعى إلى لعب دور الوساطة إلى جانب تركيا وأذربيجان، وبحال نجحت أنقرة في تكريس دورها التوسطي سيؤدي ذلك إلى المزيد من النفوذ التركي في قلب أوروبا هذه المرة. هذه الوقائع كلها سيكون لها انعكاس في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الساحة السورية تحديداً التي لا بد من مراقبة وقائعها ويومياتها، حيث هناك دوريات مشتركة أميركية روسية، وروسية تركية، وهناك خطوط تماس عسكرية بين هذه الأطراف. لذلك لا يمكن للمعركة الروسية الأوكرانية أن تكون اختصاراً للحرب الكاملة، وليست ضربة عسكرية في سبيل فرض شروط تسوية سياسية التي وإن حصلت فسيكون لها ما يتبعها من معارك لاحقاً. كل الوقائع تشير إلى أن هذا النوع من الحروب الجيوستراتيجية قد بدأت للتو.

المصدر syria.tv


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا