fbpx

اختبارات الأسد

تروّج روسيا، في لقاءاتها فعالياتٍ سوريةً محسوبة على المعارضة، فكرة أنها تنتصر لسورية الدولة وليس لسورية الأسد، وهو ما يفتح لها بعض أبواب المعارضة على مصراعيها تحت الفكرة نفسها أن “الشمس تشرق من موسكو”. وفي المقابل، يمكن أن يُفهم من ذلك أنه إعادة فرز للمعارضة وتصنيفها، قد يزيد من خلط الأوراق، ويوسّع دائرة الخلافات بين أطياف المعارضة، ويُحرج الجهة المعنية بالتفاوض في جنيف تحت مسمّى هيئة التفاوض (مقرّها الرياض)، فلا تعود الجهة الوحيدة على طاولة المفاوضات، خصوصاً في ظل النزاعات الداخلية فيها، بعد انتخاباتها أخيراً على منصب الرئاسة، وحول تبعياتها الدولية والإقليمية وانقساماتها.

عملت موسكو على تعطيل كل القرارات الدولية الملزمة للنظام السوري على وقف القتال والبدء بالمفاوضات، من خلال استخدامها أكثر من 17 مرة حق النقض في مجلس الأمن، وبرّرت كل أعمال النظام لعرقلة مفاوضات الجولات التسع في جنيف من عام 2013 حتى 2019، ثم منحته شهادة البراءة من تعطيل اللجنة الدستورية وحرفها عن غاية تشكيلها التي أعلن عنها في 23 أيلول/ سبتمبر 2019. وهي تعود اليوم، من خلال هذه الحوارات النوعية، إلى نقطة البداية التي كان يجب أن تنطلق منها منذ بداية تدخلها المعلن في سورية قبل نحو خمس سنوات، باعتبارها من الدول الكبرى المعنية بإحلال الأمن والسلام الدوليين من جهة، وبحكم طول يدها داخل سورية قبل الثورة وبعدها، على أنها الضامن لوقف إطلاق النار بين الجانبين السوري والإسرائيلي من جهة ثانية، ما مكّنها من التدخل المباشر والعسكري في سورية، وأطلق يدها في التصرّف في الملف السوري، والتفاوض عليه مقابل ملفاتها الدولية العالقة.

ولكن التعاطي مع هذه اللقاءات، على أهمية الرسالة التي توجهها موسكو إلى أطراف عديدة في آن، النظام والمعارضة (هيئة التفاوض) والمجتمع الدولي، والأهم إلى السوريين في الداخل، فإنه في الضرورة لا يعني التخلي الكامل عن النظام الحالي، على الرغم من أن بين ثنايا اللقاءات ما يؤكّد إعادة محاولات روسيا تمرير مشروعها السابق في إقرار دستور سوري جديد، يغير شكل سورية الحالي، بنية ونظاماً، بما يتقاطع، في عمومياته، مع الرغبة الأميركية والغربية التي تم ترويجها سابقاً من خلال ما سميت “اللاورقة”، في اعتماد نظام لامركزي يسمح للمناطق بتنمية محلية ومتوازنة، ويحقق نوعاً من الاستقلالية الإدارية.

ربما تكون هذه الحوارات المتأخرة درساً أو ردّاً على بعض الرسائل “الغبية” التي مرّرها النظام عبر أزلامه، فهي تعني أنه لم يعد اللاعب الوحيد في ملعبها، وأن خيارات الحل لم تعد محصورةً بإعادة تأهيله دولياً ومحلياً، وأن سورية الجديدة لن تصيغها مراسيم تغيير الوزراء والمحافظين وبعض القرارات الترقيعية التي يهلل لها النظام السوري، حيث تضع روسيا أمام ناظريها ما يعنيه قانون قيصر الأميركي، وحجم الإرباكات التي قد تصل حتى الاقتصاد الروسي، ما يُلزمها بتسريع متطلبات إبطاله، والتي هي ليست إلا ترجمةً تنفيذيةً لإجراءات الثقة بقرار مجلس الأمن 2254 من فك الحصار على المدن والمناطق السورية، وإطلاق سراح المعتقلين، وإنهاء القصف على المدن، وتأمين عودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم، وحماية المنشآت الصحية والخدمية، والالتزام باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ومجمل هذه الشروط يعني ضرورة التزام رئيس النظام، بشار الأسد، بالعملية السياسية وفق القرار الدولي الذي لم يأخذ صفة الإلزام في التطبيق بسبب الحماية الروسية للنظام السوري.

من جهة ثانية، تعتقد روسيا أن من شأن هيمنة تركيا على وفد المعارضة أن يربك خططها في عملية التفاوض مع تركيا، ويرجّح كفة المطالب التركية في الإبقاء على هيمنتها في إدلب والشمال السوري، لذلك فإن تعدّد منصّات المعارضة الخارجة عن هيمنة القرار التركي، ومحاورتها حول الحل السياسي بهذه الجدّية، يهدد مصالح تركيا وما يتبعها من منصات معارضة. ولهذا فإن الحديث عن تجمعات سورية برعاية روسية على نمط “سوتشي 2018” ربما يتم التحضير له بإشراك أطياف معارضة أكثر قبولاً من المشاركين في الحوار السوري السابق في سوتشي.

وفي المقابل، فإن التفويض الأميركي لروسيا بالملف السوري يمنحها مساحة الحركة لإعادة صياغة توافقاتٍ دولية حول الحل السياسي في سورية، بما يضمن لها علاقات أفضل غربياً، وتمكّن أكبر في ملف الإعمار الذي تسعى إلى أن يكون قيد التنفيذ مع النصف الثاني من عام 2021. ولهذا، يعود الحديث عن دولة لا مركزية برلمانية إلى الواجهة، وهو مقترح أوروبي يقارب ما بين متطلبات الكرد السوريين من جهة، ويرعى مصالح تركيا ويخفف من وطأة مخاوفها بإبقاء مناطق سيطرتها تحت حكم مناطقي الغالبية فيه لمريديها من جهة مقابلة، ما يجعلها تبتعد عن التنسيق مع الجانب الإيراني، لضمان وحدة الصف الروسي التركي، لتنفيذ المطلب الأميركي، إخراج إيران من سورية.

ويمنح الانقلاب الروسي في خطة العمل الحالية (تحول من اعتماد القوة العسكرية إلى اللجوء إلى المفاوضات) المعارضة المحسوبة على “التسويات” (درعا مثلاً) فرصاً بالتساوي في إدارة مناطق سيطرتها، وتشكيل قوتها العسكرية الموازية لقوة النظام في شقّها الإيراني. وفي طبيعة الحال، للأسد من ذلك كله، تحت الغطاء المذهبي، نصيبه، بما لا يبقيه خارج معادلة الحل، على الرغم من أن اللقاء الذي جرى في جنيف مع شخصيات من الطائفة العلوية هو تلويح بالعصا للأسد بأنه قد لا يكون هو الخيار الأخير.

تمثل اللقاءات الروسية مع مكونات مختلفة من المعارضة السورية نوعاً من اختبارات قوة التحمّل للأسد، وهي تمرين عملي على معنى تغيير سلوك النظام الذي طالبت به الإدارة الأميركية، فإن نجح في تجاوزه منحته فرصة المشاركة في مستقبل سورية، وإن استمر في اجترار حلوله المكرّرة، فإن تفاصيل الفساد الذي ارتكبه ونظامه ستكون إحدى أهم أدوات انتزاع مؤيديه منه، وهي الرسالة التي أرادها الرئيس الروسي، بوتين، عبر إعلامه أن تكون موجّهة إلى سوريي الداخل من المؤيدين الأكثر تضرّراً من سياسة “الأسد أو نحرق البلد”.

المصدر العربي.الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا