fbpx

افتتاح المدارس أو إغلاقها.. تخبط تثيره الجائحة في العملية التعليمية السورية

منذ نحو ثمانية أشهر، تشهد العملية التعليمية تخبطاً في المحافظات والمدن السورية، على اختلاف الجهات المسيطرة عليها، في ظل انتشار فيروس “كورونا” وما خلّفه من تبعات، ألقت بظلالها على مختلف قطاعات ونواحي الحياة، ليس فقط في سورية بل في معظم دول العالم.

وعلى اعتبار أن الحالة السورية باتت استثنائية فيما يتعلق بقطاعي التعليم والصحة، أُثيرت خلال الآونة الأخيرة، تحفظات واختلافات في وجهات النظر، بين مؤيد لفتح المدارس والجامعات والمعاهد، وبين مطالب بإغلاقها للمسارعة في احتواء الانتشار الكبير للفيروس على الأراضي السورية، لتظهر هنا قرارات متخبطة من الجهات الثلاث التي تدير العملية التعليمة في سورية.

وفيما يراهن الكثيرون على أن توقف التعليم في سورية قد يحمل أضرار مستقبلية تفوق آثار الجائحة، تبقى المعضلة الأساسية هي ضعف البنية التحتية التعليمية والصحية، وعجزها عن منع انتشار فيروس “كورونا” بين الطلاب والكوادر التدريسية، ومن ثم انتقاله إلى البيئة الخارجية.

مستشهداً بأرقام.. النظام يُصر على افتتاحها

تسير العملية التعليمية في مناطق سيطرة النظام بشكل طبيعي، رغم  الانتشار الكبير لفيروس “كورونا” في تلك المناطق وعجز المنظومة الطبية عن احتوائه، وسط تكتم على الأرقام الحقيقية للمصابين.

إذ ترى حكومة النظام أن افتتاح المدارس والجامعات لم يُسهم “كما يُشاع” بانتشار الفيروس، معبرة عن إصرارها على استكمال التعليم بصورة طبيعية.

مديرة الصحة المدرسية في وزارة التربية التابعة للنظام، هتون الطواشي، أعلنت عن عدد إصابات “كورونا” بين الطلاب والكوادر التدريسية منذ بدء العام الدراسي الجاري، في سبتمبر/ أيلول الماضي، مشيرة إلى أن الإصابات بين الطلاب  بلغت 600 إصابة، في حين بلغت الإصابات بين الكوادر التدريسية نحو 800 إصابة.

وأشارت الطواشي في حديث لصحيفة “الوطن” المحلية، منتصف الشهر الجاري، إلى وجود حالة وفاة واحدة بين الطلاب جراء الإصابة بـ “كورونا”، وتعود لطالبة صف تاسع من محافظة ريف دمشق، كانت بالأساس مصابة بربو وضعف مناعة، على حد قولها.

في حين بلغت حالات الوفيات بين الكوادر التدريسية والتربوية والإدارية 8 حالات، بينها 4 معلمين في حمص و3 في حلب ومدرس في اللاذقية إلى جانب مستخدمة واحدة في دمشق، كما توفي طبيبان من الصحة المدرسية جراء الإصابة بـ “كورونا”، بحسب الطواشي.

ومع ذلك، اعتبرت الطواشي أن الأرقام “غير خطيرة” بالنظر إلى مجمل عدد الطلاب في مناطق سيطرة النظام، إذ يبلغ عددهم نحو 4 ملايين طالب وطالبة في مختلف المراحل الدراسية، حسب الأرقام الرسمية.

إلى جانب ذلك، اعتبر وزير التربية في حكومة النظام، دارم الطباع، أن التعليم “كالطعام والشراب والتنفس”، مضيفاً إلى أنه لا توجد ضرورة لإيقاف المدارس في الفترة الحالية، على اعتبار أن عطلة رأس السنة ستبدأ وتليها بفترة قصيرة العطلة الانتصافية.

وأشار الطباع في حديث لإذاعة “شام اف ام” الموالية، الاثنين الماضي، أن “إيقاف التعليم يسبب كوارث كبيرة منها الجهل والتخلف، والتي تعتبر أكبر من كارثة انتشار الوباء، ولازلنا نعاني من آثار إيقاف الدوام الذي كان مع بداية تفشي الجائحة في سورية بسبب صعوبة تعويض الفاقد التعليمي الكبير لدى الطلاب”.

وتجدر الإشارة إلى عدم قدرة حكومة النظام على العمل بنظام التعليم عن بُعد، نظراً لغياب المقومات الأساسية من كهرباء وانترنت وأجهزة ذكية وغيرها من متطلبات، وبالتالي فإن إغلاق المدراس سيؤدي إلى توقف العملية التعليمية.

وبلغت إصابات “كورونا” في مناطق سيطرة النظام 10.571 حالة، توفي منها 641 حسب أرقام وزارة صحة النظام، فيما يدور الحديث عن إصابات تفوق المعلن عنها بكثير، على اعتبار أن الكثير من المصابين لم يُبلغوا عن إصاباتهم ولم يتم تسجيلها لدى مديريات الصحة.

إغلاق “مؤقت” في مناطق “المؤقتة”

بالانتقال إلى الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام، وبالتحديد مناطق ريف حلب التي تديرها “الحكومة المؤقتة”، توقفت العملية التعليمية مع بدء الحديث عن الموجة الثانية من فيروس “كورونا”، وظهور سلالة جديدة من الفيروس سريعة الانتشار.

إذ أصدرت وزارة التربية والتعليم في “الحكومة المؤقتة” قراراً، الأسبوع الماضي، قالت فيه إنه نتيجة لانتشار الوباء بشكل كبير ودعماً للجهود الرامية للحد من انتشاره يُحوّل التعليم من الفيزيائي، إلى نظام التعليم عن بعد في جميع المدارس والمعاهد والجامعات العامة والخاصة.

ودخل القرار حيز التنفيذ في 19 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، على أن يستمر الإغلاق حتى 15 يناير/ كانون الثاني المقبل.

مدير البرامج الصحية في وزارة الصحة بـ”الحكومة المؤقتة”، الدكتور رامي كلزي، اعتبر أن سياسة إغلاق المدارس ناجعة في مكافحة الفيروس لاعتبارات عدة متعلقة بمنع احتكاك الأطفال مع بعضهم البعض ومع الكادر التدريسي والإداري من جهة، وكذلك منع احتكاك الكادر التدريسي والإداري مع بعضهم البعض.

وأضاف كلزي في حديث لموقع “السورية نت” أن الخطورة الأكبر لافتتاح المدارس تتمثل بوجود أشخاص مسنين أو أصحاب أمراض مزمنة بين عوائل الطلاب والكوادر التدريسية، ما يُسهم بنقل العدوى لهم بصورة أكبر ويعرضهم لخطر فقدان الحياة.

وبحسب الكلزي، فإن استئناف العملية التعليمية بدوام فيزيائي يتطلب صرامة عالية في التدابير الوقائية، مضيفاً “على الجميع من تلاميذ و كادر تدريسي وإداري ارتداء الكمامة طوال الوقت، كما يجب أن تكون المقاعد الدراسية متباعدة مع تقليل عدد الطلاب في الصف إلى النصف، ومنع الاحتكاك في أوقات الاستراحة بين الحصص الدراسية، ومنع دخول الأهالي إلى المدارس إلا للضرورة القصوى”.

يُشار إلى أن مناطق الشمال السوري تفتقد لمقومات منظومة طبية، قادرة على الاستجابة للأوبئة والأمراض، نتيجة نقص الدعم المقدم لها، والتخريب الذي أصابها بقصف النظام وحلفائه خلال السنوات والأشهر الماضية، ما أدى إلى خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة.

في إدلب.. التوعية “أفضل” من الإغلاق

كغيرها من المناطق السورية، شهدت محافظة إدلب الخاضعة لإدارة “حكومة الإنقاذ” تخبطاً في قرارات التعليم، تمثلت بالإغلاق المؤقت للمدارس والتوجه نحو التعليم عن البعد خلال الموسم الدراسي الماضي، ثم إعادة افتتاحها مجدداً في سبتمبر/ أيلول الماضي.

مشرف مجمع تربية إدلب، عبد الله العبسي، أوضح في حديث لـ “السورية نت” أن مديرية تربية إدلب عملت خلال الفترة الماضية على تشديد إجراءات التباعد بين الطلاب وتوزيع الكمامات، إلى جانب تعقيم المدارس باستمرار، بالتعاون مع “الدفاع المدني” والمنظمات المحلية.

واعتبر العبسي أن إغلاق المدارس لن يأتي بنتيجة في وقت تشهد فيه الأسواق والمطاعم والمرافق العامة ازدحاماً كبيراً، مضيفاً: “الأفضل نشر التوعية وثقافة الوقاية من الفيروس في المجتمع من خلال ندوات اجتماعية وإجراء زيارات للمنازل تقوم بها فرق مختصة”.

وعن نظام التعليم عن بعد، اعتبر مشرف مجمع تربية إدلب، عبد الله العبسي، أن هذا النظام لا يعطي 5% مما يحتاجه الطالب، في ظل عدم توفر الإمكانيات من انترنت وأجهزة ذكية وكوادر متدربة.

ورغم الإعلان عن إجراءات احترازية في معظم مناطق الشمال السوري، وتكثيف حملات التوعية لخطر الفيروس المستجد، لا تزال أسواق وشوارع تلك المناطق تشهد ازدحاماً كبيراً، وسط غياب مظاهر الالتزام بالإجراءات الوقائية، وارتفاع نبرة الأصوات المحذرة من عدم جاهزية القطاع الطبي لتحمل أعباء عدد أكبر من الإصابات.

وبلغت إصابات “كورونا” في عموم الشمال السوري 19760 حالة، توفي منها 293، حسب الأرقام الرسمية.

ما مدى نقل أطفال المدارس للفيروس؟

يرى البعض أن المدارس تعتبر أحد أبرز بؤر انتشار فيروس “كورونا”، لاعتبارات متعلقة بصعوبة ضبط الأطفال وتطبيقهم للإجراءات الوقائية، إلى جانب الكثافة الطلابية في معظم المدراس السورية، نتيجة لارتفاع عدد الطلاب وخروج الكثير من المدراس عن الخدمة بسبب العمليات العسكرية.

وعلى الرغم من أن أعراض فيروس “كورونا” لم تطال الأطفال ممن هم دون 18 عاماً، حسب تأكيدات طبية عالمية، إلا أن ما هو مؤكد هو قدرة الأطفال على نقل الفيروس بصورة كبيرة، ما قد يجعلهم مصدر “خطر” حقيقي كونهم يحملون الفيروس وينقلوه للمحيطين بهم دون أعراض.

وتعليقاً على ذلك، قال مدير البرامج الصحية في وزارة الصحة بـ”الحكومة المؤقتة”، الدكتور رامي كلزي، لموقع “السورية نت” إن الدراسات تشير إلى أن انتقال الفيروس بين الأطفال لا يختلف عن انتقاله بين الكبار، لكن الفرق الجوهري هو أن الأطفال في معظم الأحيان يكونوا “لا عرضيين” أو تظهر عليهم أعراض خفيفة.

ومع ذلك، دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى إبقاء المدارس مفتوحة حول العالم والحرص على تلقي الأطفال التعليم اللازم في ظل انتشار فيروس “كورونا” مع اتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة.

وحذرت المنظمة، في بيان لها مطلع الشهر الجاري، من تسرب الأطفال من التعليم نتيجة إغلاق المدارس، خاصة في المناطق التي تشهد نزاعات والمناطق التي يعيش فيها أطفال لاجئون.

ويبلغ عدد الطلاب حول العالم 1.6 مليار طالب، حسب إحصائيات منظمة “يونسكو” التابعة للأمم المتحدة، التي أشارت في بيان لها في سبتمبر/ أيلول الماضي، أن 433 مليون طالب فقط قادرين على العودة إلى المدارس، موزعين في 155 دولة، وذلك بسبب إجراءات مكافحة فيروس “كورونا”.

المصدر السورية نت
قد يعجبك أيضا