fbpx

اللهاث الروسي في الفضاء السوري

لم يكن على الأرض ما يثبت هبوب عاصفة روسية على صحراء سورية المكشوفة ذات المخارج العديدة، ويبدو أنه جزء من سياق التخبط الاستراتيجي التي تخوض فيه روسيا في سورية، وعدا عن أن سورية لا توجد فيها صحارى بيضاء، بل مجرد بواد بألوان داكنة كان الرومان يسمّونها “سورية الفارغة”.

دقّ مقتل الجنرال فيتشسلاف غلادكيخ، نائب كبير المستشارين في سورية، ناقوس الخطر لدى قيادات روسيا من احتمالية تحوّل سورية إلى أفغانستان ثانية، فالاحتمال الذي لطالما بقي رهاناً لدى خصوم روسيا بدأ يتحوّل حقيقة ملموسة، إذ إن غلادكيخ هو الجنرال الرابع الذي تخسره في سورية منذ تدخلها قبل خمس سنوات، وهو العدد الذي خسرته في أفغانستان، ولكن طوال عشر سنوات، فهل دخلت روسيا مرحلة الاستنزاف التي ترعبها؟

يكشف السلوك والخطاب الروسيان، اللذان امتازا بالانفعال والتسرع، المخاوف الروسية من مأزق سوري بدأت تظهر مؤشّراته بتواتر مريب، ذلك أن استهداف الجنرال جاء في سياق عمليات عديدة طاولت عناصر وضباطا روسيين، جديدها استهداف مقر اجتماع للضباط الروس وضباط نظام الأسد في الحسكة بطائرات مسيرة، وعملية أخرى في ريف اللاذقية، فضلاً عن عمليات ضد قاعدة حميميم، وفي الغالب تخفي روسيا حجم خسائرها في هذه العمليات.

ولافتٌ أن الإعلان الروسي عن عملية “الصحراء البيضاء” جاء ملتبساً، فالعملية، حسب ما أعلن عنها المتحدث باسم قاعدة حميميم، ضد الجماعات المسلحة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية إلى حين القضاء عليها بشكل كامل؟ ومعلوم أنه ليست للقوات الأميركية ارتباطات في مناطق شرق سورية سوى مع مجموعتين: قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومجموعات صغيرة قرب التنف، وهؤلاء وأولئك تحت أعين وكالات الأنباء التي لم تذكر شيئا عن العملية. ثم إن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو الذي أعلن مسؤوليته عن العملية، ولا يوجد طرف عسكري عاقل يمكنه القيام بعملية عسكرية لأيام ضد التنظيم المذكور بوضعه الحالي، بعدما فقد هياكله ولم يعد له مناطق استقرار واضحة، ولا مواقع عسكرية ظاهرة، وإنما مجرد أشباح تائهة في الصحارى. وكان الأميركيون والأكراد، وحتى الحشد الشعبي العراقي، قد توقفوا عن قتال مسلحي “داعش” لأن ملاحقتهم في صحراء شاسعة بين العراق وسورية تتجاوز مساحتها مائة ألف كيلومتر مربع، فكيف لروسيا التي لا تملك على الأرض سوى طائرات من الجيل الخامس، وبعض المرتزقة من “فاغنر”، الدخول في معركةٍ كهذه؟

الحقيقة التي لا تريد روسيا رؤيتها، أو الإقرار بها، أنها تقف عاجزة أمام استراتيجية اصطياد ضباطها ومستشاريها في سورية، وأنها باتت أمام إعادة إنتاج مأساتها في أفغانستان، ولكن بطريقةٍ تناسب الأوضاع السورية، مرّة عبر تلغيم جوانب طرق الدوريات، ومرّة عبر قذيفة موجّهة أو بالطائرات المسيّرة، لكن الضحايا دائما بمنزلة صيد ثمين لأعداء روسيا، ومؤلم بشكل كبير لها.

تحاول روسيا تجاوز وقائعها المؤلمة في سورية، باختراع سرديات ومعارك لا يوجد على الأرض ما يؤيدها، فكيف يمكن لعقل أن يصدّق الأرقام التي تصدرها قاعدة حميميم عن حجم إنجازات القوات الروسية في عملية “الصحراء البيضاء”، والتي أدت إلى “تصفية 327 مسلحا وتدمير 134 ملجأ و17 نقطة مراقبة وسبعة مخازن عتاد وخمسة مخازن تحت الأرض للأسلحة والذخيرة”. هذه معطيات لخصم كلاسيكي له هياكل واضحة ومعسكرات مستقرّة، وهذا ما لا ينطبق على “داعش” في هذه المرحلة، والذي بات خلايا صغيرة منتشرة في مناطق شاسعة، وتستخدم وسائل لوجستية بدائية، وتسلك طرقات ومعابر لا يعرفها سوى أبناء تلك البوادي، ولا تستطيع وسائل الاستطلاع والرصد الحديثة كشفها.

ويبدو أن الوعود الأميركية بتحويل سورية إلى مستنقع لروسيا بدأت تتحقّق على الأرض، فالمتابع للسياسات الروسية سيكتشف على الفور حجم تخبّط روسيا في مجمل المناطق السورية، من الشمال إلى الشرق والجنوب، إذ لا تفعل أكثر من مراكمة الخصوم لها، وانتظار تفجّر برميل البارود السوري في وجهها. غير أن ذلك يعكس حجم التباينات في التقديرات داخل المطبخ السياسي الروسي، فلم يعد خافياً وجود انقسامات وتيارات متباينة حول استراتيجية التعامل مع الأوضاع السورية، ما بين طرفٍ يصرّ على استمرار السياسة التي بدأتها روسيا، والقائمة على فرض رؤاها وتصوراتها للحل على جميع اللاعبيين الداخليين والخارجيين، باعتبار أن سورية تشكّل مختبراً للصعود الروسي في النظام العالمي، وبين فريق يدعو إلى اتباع نهج أكثر واقعية، يأخذ بالاعتبار توازنات القوى القائمة في سورية، ويذهب إلى صياغة تفاهماتٍ على هذا الأساس، مع أن الكفة تميل لصالح الفريق الأول الذي تشكّل القوى العسكرية والأجهزة الأمنية نواته الأساسية.

ما تتحدّث به البروباغندا الروسية ليس له مطابق على الأرض السورية، بل هو مجرّد أحلام قادة عسكريين وسياسيين واستخباراتيين لم يعرفوا النجاح يوماً إلا عبر قتلهم المدنيين بأسلحة توصف بأنها غبية. لذلك هم يسيرون، بأعين مفتوحة، صوب كارثة متنقلة من الصحراء في الشرق إلى الجبال في الشمال والسهول في الجنوب، تجرّهم إليها أياد أميركية.

المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا