fbpx

انكشاف أميركا أمام جائحتي ترامب وكورونا

لم تُعَرِّ جائحة فيروس كورونا المتجدد الخلل الذي تعاني منه البنيتان، الصحية والصناعية، الأميركيتان فحسب، بل إنها كشفت عن ثغراتٍ، كذلك، في الهيكلين، القانوني والدستوري، للولايات المتحدة، وهو ما يضعها أمام احتمالات فوضى سياسية، وإن لم يعن ذلك أنها حتمية. يُضاعف القلق من هذه الثغرات وجود شخص على رأس قمة الهرم السياسي، والحديث هنا عن الرئيس دونالد ترامب، والذي أثبت، في أكثر من ثلاث سنوات، أنه لا، ولن يتردّد في محاولة تطويع القوانين ونصوص الدستور لصالحه، بل وخرقها، متى أمكنه ذلك. وبما أن الحزب الجمهوري يبدو في وضع المستسلم أمام غرائز الرجل السلطوية، فإن هذا يعني أن نظام “الضوابط والتوازنات” (Checks and Balances)، والقائم على الفصل بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، والهادف إلى منع واحدةٍ منها من التغول على الأخريين، قد لا يكون فعالاً بما فيه الكفاية كما توسّل “الآباء المؤسسون”.
الحزب الجمهوري اليوم شبه مملوك لترامب، وبما أنه يسيطر على مجلس الشيوخ، وهو أحد مجلسي الكونغرس (السلطة التشريعية)، فإن هذا يضعف قدرتها على التصدّي لتغول السلطة التنفيذية، فمجلس النواب غير قادر وحده على الحدِّ بشكل مطلق من نوازع تسلط الرئيس. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تعطي سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ الجمهوريين اليدَ العليا في تعيين قضاة المحكمة العليا، والقضاة الفدراليين، وهو ما يخلخل أكثر مبدأ توازن السلطات، ذلك أنهم لن يعينوا إلا قضاة يمينيين متطرّفين منحازين لهم، وهذا هو الحاصل.
مناسبة هذا الحديث عاصفتان سياسيتان أثارهما ترامب أخيرا، وثالثة قد تكون لها تداعيات كارثية على الولايات المتحدة، إن حاول العبث بها وإطلاق شرارتها، مستغلاً الحجْر الذي فرضه فيروس كورونا. الأولى، زعم ترامب، في الأيام الماضية، امتلاكه “السلطة الكاملة” لإرغام الولايات الأميركية على الخضوع لقراراته، في ما يتعلق بإجراءات مواجهة الجائحة لناحية فتح اقتصاد ولاياتهم، وتخفيف سياسة التباعد الاجتماعي، على الرغم من مخاطر ذلك الصحية. وقد رفض كثيرون من حكام الولايات والخبراء الدستوريين زعم ترامب هذا، على أساس أن التعديل الدستوري العاشر ينص على أن: “السلطات غير المفوضة للولايات المتحدة (أي الحكومة الفيدرالية) بموجب الدستور، ولا يحظرها على الولايات، محفوظة للولايات، أو للشعب”.
العاصفة السياسية الثانية كانت تهديده، الأربعاء الماضي، بفض جلسات الكونغرس، ليتمكّن من تعبئة شواغر في إدارته، من دون الاضطرار لنيل مصادقة مجلس الشيوخ. اللافت هنا أن الشواغر التي اشتكى ترامب من تعطيل الأقلية الديمقراطية مرشحيه لها لا تمتّ بصلة لأزمة التعامل مع الجائحة، إذ إنه حدّدها في قضاة فيدراليين، ومسؤول في وزارة الزراعة، ومدير جديد لإذاعة “صوت أميركا”. أبعد من ذلك، أن مجلس الشيوخ تحت سيطرة حزبه، لا الديمقراطيين. والمشكلة الحقيقية أن الرئيس لم يقدّم مرشحين لكثير من تلك الشواغر. وبالتالي، السؤال الحقيقي سيتعلق بغرض ترامب من طرح سيناريو فض جلسات الكونغرس؟
الإجابة السريعة أن ترامب يبحث عن مشاجب، داخلية، كما الديمقراطيين، وخارجية، كما منظمة الصحة العالمية والصين، يعلق عليها فشل إدارته في التصدّي لجائحة كورونا، وهو الأمر الذي جعل من الولايات المتحدة بؤرته عالمياً اليوم. وعلى الرغم من أن الدستور الأميركي، في الفقرة الثالثة من المادة الثانية، يعطي للرئيس الحق “في ظروف استثنائية أن يدعو كلا المجلسين (النواب والشيوخ)، أو أياً منهما، إلى الانعقاد، وفي حال حدوث خلافٍ بينهما بالنسبة إلى موعد فض الجلسات، فله أن يفضّها إلى الموعد الذي يراه ملائماً”، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة. من ناحية، فإن “الظروف الاستثنائية” لا تخضع لمزاجية أو حسابات سياسية. وكان واضحا أن مشكلة ترامب تتعلق بمرشحين لشواغر معينة في إدارته لا تؤثر ولا تتأثر بالجائحة. كما أنه لم يسبق لرئيسٍ قبله أن مارس تلك الصلاحية، بما في ذلك خلال الحرب الأهلية أو الحروب الخارجية والكوارث. ومن ناحية ثانية، هذه الصلاحية مرهونة بحدوث خلافٍ بين مجلسي الكونغرس على موعد فض الجلسات. وتاريخياً، طوّر كل مجلس من المجلسين آلية تعرف بـ”الجلسات الشكلية” (Pro Forma Session)، لمنع أي رئيسٍ من القيام بتعيينات في مواقع حساسة خلال عطل الكونغرس، فضلاً عن منع أيٍّ من المجلسين من استغلال عطلة الآخر. وليست هذه الآلية حكراً على حزب دون آخر، إذ إن كلا الحزبين يستخدمانها.
أما العاصفة السياسية الثالثة التي يخشى كثيرون أن يشعلها ترامب، وهي الأخطر، فهي محاولة تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية بذريعة الجائحة، وخشية استفحال العدوى بين الناس. صحيحٌ أن ترامب لم يتحدث في الموضوع، إلا أن محسوبين على معسكره لمّحوا إليه. دستورياً وقانونياً، لا يمكن لترامب فعل ذلك، غير أن ثمَّة ألاعيب قد يحاول الجمهوريون اللجوء إليها. قانونياً، ينص القانون الفيدرالي على أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ينبغي أن تجري: “يوم الثلاثاء بعد أول يوم اثنين في نوفمبر/ تشرين الثاني”. ولا يمكن تغيير هذا القانون من دون موافقة الكونغرس بمجلسيه، وبعد ذلك يوقع عليه الرئيس ليصبح ساري المفعول. ومعلوم أن الديمقراطيين يسيطرون على مجلس النواب الحالي. وحتى إن وافق الكونغرس على تأجيل موعد الانتخابات الرئاسية، ووقع الرئيس على ذلك، فإن سلطة القانون محدودة بالتعديل العشرين من الدستور، والذي ينص في فقرته الأولى: “مدة ولاية كل من الرئيس ونائب الرئيس تنتهي ظهر يوم العشرين من يناير / كانون الثاني” كل أربع سنوات. وبهذا، فإنه في ذلك اليوم من العام المقبل، إن لم تكن جرت انتخابات رئاسية، فإن ترامب ومايك بينس لن يكونا رئيساً ونائب رئيس، وحينها يوكل لمجلس النواب انتخاب رئيس من أعضائه. وتعديل الدستور عملية معقدة جداً، وقد تكون أقرب إلى المهمة المستحيلة، خصوصاً، ضمن السياق الحالي.
إلا أنه ضمن الحيل التي قد يسعى الجمهوريون إلى اللجوء إليها محاولة تفعيل بند في الفقرة الأولى من المادة الثانية في الدستور تنص على حق كل ولاية في تعيين مندوبيها إلى “الكلية الانتخابية” (Electoral College)، عبر مجالسها التشريعية، لا عبر التصويت العام. وبما أن الجمهوريين يسيطرون على حوالي 30 هيئة تشريعية في 30 ولاية أميركية، من أصل 50، فإن هذا سيكون في صالح ترامب. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فبعض الولايات التي يسيطر الجمهوريون على هيئاتها التشريعية يوجد على رأسها حاكم ديمقراطي، فضلا عن أن قوانين 49 ولاية تنص على أن اختيار المندوبين للكلية الانتخابية لا يكون إلا عبر انتخابات عامة، وهو المعمول به اليوم في الخمسين ولاية أميركية. بمعنى أننا أمام عملية قانونية معقدة، وأزمة دستورية تلوح في الأفق، في حال قرّر الجمهوريون السير في هذا الطريق. الأخطر أن الولايات المتحدة تعبر، في أمر كهذا، إلى المجهول، خصوصاً إذا وقفت المحكمة العليا، بأغلبيتها المحافظة مع الجمهوريين في حال حدث ذلك.
باختصار، إذا كانت الولايات المتحدة ستتعلم شيئاً من رئاسة ترامب وجائحة كورونا المستجد، فهو أنها ليست دولةً عصيةً على اختطاف شخص أو حزب أو تيار لها، وأن كثيراً من هيكليها، القانوني والدستوري، بحاجة إلى إعادة تحديث وتطوير. المشكلة أن ذلك لن يكون أمرا هينا في ظل الانقسام والشرخين الإيديولوجي والمجتمعي اللذين تعيشهما البلاد في العقود الأخيرة.
.. لا يعني ما سبق أن أميركا تعدم مؤسسات عريقة وكوابح قوية لمنع حدوث الانزلاق، بقدر ما يعني أنها ليست معصومة منه.
المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا