fbpx

بنزين اللبنانيين سيظل يتدفق في سيارات السوريين

من المستبعد أن تفلح قرارات رفع أسعار الوقود في لبنان، التي توالت ثلاث مرات خلال 10 أيام، في لجم حركة التهريب الناشطة إلى سوريا. إلا أن سوقاً منافسة في لبنان، قوامها المغتربون، قد تخفف من هذه الحركة، بشكل مؤقت، قبل أن تُؤدي، على الأرجح، إلى قفزات أخرى في الأسعار الرائجة بالسوق السوداء، في كلا البلدين.

في آخر تسعيرة لبنزين أوكتان 95، الأكثر شعبية في لبنان، حُددت الصفيحة (20 ليتراً) يوم الأربعاء بـ 71600 ليرة لبنانية. في اليوم نفسه، أصدرت حكومة النظام بسوريا تسعيرة جديدة للنوع نفسه من البنزين، ليصبح الليتر الواحد بــ 3000 ليرة سورية.

تفيد مقارنة السعر المدعوم لبنزين أوكتان 95، بين البلدين، في تصوّر الفارق الهائل في الأسعار الذي يخلق السبب في استمرار حركة التهريب. ففي لبنان، وإن اعتمدنا سعر الدولار الواحد بـ 17600 ليرة لبنانية، حسب السعر المتداول يوم الأربعاء، يكون سعر الليتر المدعوم من بنزين أوكتان 95 بـ 0.20 دولار أمريكي. بينما في سوريا، وإن اعتمدنا سعر الدولار الواحد بـ 3250 ليرة سورية، حسب السعر المتداول في اليوم نفسه، يكون سعر الليتر المدعوم من بنزين أوكتان 95 بـ 0.92 دولار أمريكي. أي أن السعر المدعوم للبنزين في سوريا، أكثر من أربعة أضعاف نظيره في لبنان.

بطبيعة الحال، لا تستقيم المقارنة إلا إذا اعتمدنا الأسعار الرائجة في السوق السوداء. ففي لبنان، تُباع صفيحة البنزين بـ 250 ألف ليرة لبنانية، وفق تقرير نشرته صحيفة “المدن”. أي أن الليتر الواحد بالاستناد إلى سعر الدولار الرائج يوم الأربعاء، يساوي 0.71 دولار أمريكي. أما في سوريا، بمدينة حلب مثلاً، يُباع ليتر البنزين بـ 4000 ليرة سورية، أي ما يعادل 1.23 دولار أمريكي. أي أن ليتر البنزين بالسوق السوداء في سوريا، أعلى بحوالي 40% مقارنة بنظيره في السوق السوداء بلبنان.

إلا أن هذا الفارق يتقلص كثيراً، مع نشاط المغتربين بلبنان، الذين رفعوا الطلب على البنزين، ورفعوا معه الأسعار. فصفيحة البنزين تُباع للمغتربين بـ 400 ألف ليرة لبنانية، أي أن الليتر يُباع بـ 1.13 دولار أمريكي، وهو رقم يقترب جداً من سعر ليتر البنزين بالسوق السوداء بسوريا. وهو ما قد يجعل نشاط تخزين وبيع البنزين، غير الشرعي، في لبنان، يتجه صوب المغتربين بالداخل اللبناني.

وهنا، قد نكون أمام نتيجة مرجحة بشدة. فإن تقلصت كميات البنزين المُهرّبة من لبنان إلى سوريا، كنتيجة لتلبية طلب المغتربين بلبنان، ستكون النتيجة ارتفاع أسعار البنزين أكثر، بالسوق السوداء السورية، بصورة تجعلها مجدداً أكثر إغراءً في حسابات الناشطين في عالم تخزين وتهريب الوقود بين البلدين. وذلك سينعكس نقصاً في معروض البنزين بلبنان، سيدفع إلى ارتفاعات جديدة في الأسعار هناك.

هي دوامة يستحيل الخروج منها، إلا إذا حُلت أسبابها. والأخيرة دوامة أكثر تعقيداً من دوامة نقص البنزين ذاتها. إذ أن العجز المالي الحكومي عن تغطية حاجة المستهلكين من هذه السلعة الحيوية، علّة متفاقمة في البلدين، جعلت سكانهما شركاء في مشاهد الطوابير الطويلة، والاشتباكات بالأيدي، أو بالأسلحة، التي تقع في بعضها.

وللتخفيف من وطأة دوامة نقص الوقود، المستشرية في كل من سوريا ولبنان، لا يمكن الرهان على ناقلات النفط الإيرانية، الآتية بالقطارة إلى سوريا مثلاً، حتى مع الحديث عن ثلاث ناقلات جديدة تتجه إلى السواحل السورية. ذلك أن أكثر من 7 ملايين برميل أرسلتهم إيران في الأشهر الثلاثة الأخيرة، إلى سوريا، لم تكن كافية لحل أزمة الطوابير فيها. لأنها تبقى أقل من الحد الأدنى لحاجة السوريين في الفترة ذاتها، والتي لا تقل عن 9 ملايين برميل. ناهيك عن أن تلك الإسعافات النفطية الإيرانية المتوجهة إلى سوريا، تبقى تحت رحمة حرب الناقلات المتجددة بين إيران وإسرائيل.

كذلك لا يمكن الرهان على محاولات الجيش اللبناني، المُعلنة، لضبط الحدود مع سوريا، والحد من انفلات حركة التهريب هناك. فقرار وقف التهريب في لبنان، يتطلب إرادة من أطراف أكبر وزناً في معادلة القوى بالداخل اللبناني، من الجيش. وهي أطراف، يُجمع معظم المراقبين بأنها مستفيدة بشدة، من حركة التهريب. ناهيك عن أنها تحظى بشركاء من الوزن ذاته، على الضفة المقابلة. دون أن ننسى الحواضن الاجتماعية الكبيرة التي تعتاش على نشاط التهريب، على ضفتي الحدود.

باختصار، فإن دوامة نقص الوقود في كلا البلدين، مرشحة للاستمرار والتفاقم من حين لآخر، وفق المواسم. وأسعار البنزين، بوصفها مؤشراً لحالة الفشل الحكومي بسوريا ولبنان، في طريقها لقفزات أخرى.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا