fbpx

حصاد 2019: انهيار “داعش” وتداعي النظام و”غرق موسكو بالوحل”

طهران.. انهيار مشروع التوسع على أعتاب 2020

أصدر “المرصد الاستراتيجي”، تقريراً شاملاً عن التطورات التي شهدها الملف السوري، خلال عام 2019، لخص فيه تداعيات قرار الانسحاب الأمريكي من سورية، وانهيار تنظيم “الدولة الإسلامية”، وشن تركيا عملية “نبع السلام”، وتوسع القصف الإسرائيلي على الميليشيات الإيرانية، وفشل اللجنة الدستورية، وعجز روسيا في تحويل مكاسبها العسكرية إلى نجاحات سياسية، وتدهور اقتصاد نظام الأسد، كما توقع بتراجع الدور الإيراني بسورية.

أولاً: واشنطن.. أزمة في القيادة وغموض في الرؤية

وقال التقرير، إن “الأروقة السياسية في واشنطن، شهدت صراعاً مُحتدماً، بيت البيض الأبيض والمؤسسات التشريعية والأمنية،  في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي، سحب القوات من سورية”. ودار نقاشٌ كبير في واشنطن، عن مصير النفوذ الأمريكي، في ظل قرارات ترامب المتهورة، وتعامله المضطرب مع الملف السوري، وخاصة أن كبار الضباط العسكريين وزرائه الوزراء في واشنطن، إلى المكوث لفترة كافية تضمن عدم عودة “تنظيم الدولة” ومنع انتشار النفوذ الإيراني.

ثانياً: تل أبيب..توسيع نطاق القصف الإقليمي

وقال التقرير، إن تل أبيب استغلت حالة الارتباك التي سادت المنطقة، عقب تراجع الموقف الأمريكي، لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري، حيث أجرت مباحثات مع دول عربية للمساهمة في توفير الحماية الأمنية لممرات الملاحة البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر. وذلك من خلال تقديم المعلومات الأمنية والمساعدة الاستخبارية، كما وسعت دائرة عملياتها، لتشمل مواقع إيرانية في سورية والعراق ولبنان.

ويأتي ذلك، وفق خطة تصعيد وضعها نائب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، لدى تعيينه في يناير 2019، وتضمنت استهداف عشرات المواقع العسكرية الإيرانية و”حزب الله” بسورية، وخاصة في ريف دمشق وحمص، وتدمير مواقع عسكرية للميليشيات الإيرانية.

ثالثاً: موسكو.. الغرق في الوحل السوري

يرى التقرير أن خطة بوتين لترتيب وضع شمال سورية، واستكمال عودة كامل الأراضي السورية إلى حكم بشار الأسد، تواجه عقبات يصعب التغلب عليها، منها منع القوات الأمريكية قوات النظام من السيطرة على حقول النفط في المنطقة الشرقية.

وبذلك دفعت تلك التطورات بوتين لتبني خطة بديلة، تتضمن العمل على إبرام مصالحة بين نظام الأسد و”قسد”، عبر تقديم ضمانات روسية، من أجل التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، والإصرار على عودة جميع الأراضي السورية للنظام، ومنع طهران في الوقت نفسه من اتخاذ الساحة السورية وسيلة للتصعيد مع تل أبيب.

ودفـع ذلك بوتين إلى إقـرار إستراتيجية جديدة في سورية، في مـارس 2019، تتضمن حلحلة الاستعصاء الدبلوماسي من خلال تغيير شركائه في الملف السوري، حيث وجه دعوة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة موسكو، واتفق معه على تشكيل فريق مشترك للتنسيق حول سورية.

وعلى الرغم من نجاح التدخل الروسي في منع سقوط النظام السوري؛ إلا أن السياسة الروسية تعاني من معضلة تحويل مكاسبها العسكرية إلى نجاحات سياسية، حيث تحاول -عبثًا- التوصل إلى تسوية  سياسية تحافظ على مصالحها.

رابعاً: أنقرة..حملة عسكرية ضخمة وإنجازات محدودة

اعتبر التقرير أن أنقرة، استفادت من قرار الانسحاب الأمريكي في ديسمبر 2018، حيث شرعت في التخطيط لشن حملة، واسعة النطاق ضد قوات “قسد”، التي كانت تفكر بالاندماج مع قوات الأسد بعد إتمام الانسحاب الأمريكي.

وبعد مفاوضات حثيثة مع واشنطن وموسكو؛ أعلن أردوغــان في 9 أكتوبر 2019 بدء عملية “نبع السلام”، شمال سورية وإبعاد “وحدات حماية الشعب”، عن الشريط الحدودي، ومنع إنشاء ممر إرهابي عبر الحدود.

إلا إنه بعد تعليق “نبع السلام”، تبين أن العملية التركية لم تكن تسير في إطار فجائي؛ بل سبقها قيام “الإدارة الذاتية” التابعة لقوات “قسد” بسحب قواتها وتدمير تحصيناتها وردم الخنادق، وإزالة سواترها الترابية، من مدينة رأس العين وتل أبيض على الحدود السورية-التركية، بناء على تعليمات من واشنطن نهاية شهر أغسطس الماضي، وهما البلدتان اللتان تقدمت باتجاههما القوات التركية تحديدًا في 9 أكتوبر، فيما قدمت كل من واشنطن وموسكو الغطاء اللازم لإتمام العملية، حيث قامتا في10 أكتوبر بإفشال مقترح إدانة عملية “نبع السلام” تقدمت به خمس دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن.

وتزامنت العملية التركية مع تقدم ميداني للقوات الخاصة الروسية وعناصر النظام لملء الفراغ الناتج عن انسحاب القوات الأمريكية، ما اضطر القوات التركية لوقف مدفعيتها في تلك المناطق، والاكتفاء بتحقيق هدف جزئي يتمثل في إخراج “قسد” في المناطق الحدودية، وإنهاء طموحها بإنشاء منطقة “حكم ذاتي”، بينما تمكنت موسكو من إعادة الجزء الأكبر من المنطقة إلى سيطرة النظام.

ونجح ترامب، من خلال تلك المناورة، في تجنب الصدام مع قوة حليفة لبلده في الناتو من جهة، ودفع  “قسد”،  للتفاوض على شروط أكثر عقلانية مع دمشق، وبعد تعنت قادتها في مفاوضاتهم

مع النظام، باتوا مستعدين للتخلي عن طموحاتهم الانفصالية، والقبول بمؤسسات حكم محلي متواضعة، تخضع للحكومة المركزية في دمشق، فيما تخلت تركيا عن فكرة إنشاء منطقة عازلة، وقبلت بتعهدات واشنطن وموسكو بمنع ظهور كيان خاضع لسيطرة “وحدات حماية الشعب” في سورية.

 خامساً: “داعش”.. انهيار الدولة وبقاء التنظيم

تلقى تنظيم “داعش” ضربتين قاسيتين تمثلتا في؛ إنهاء دولته بعد معركة “الباغوز” في مارس 2019، واستسلام عدد كبير من مقاتليه الألمان، والفرنسيين، والبريطانيين، والسويديين، والأتراك، والكنديين والأذربيجانيين، والكازاخستانيين، والروس وغيرهم، بالإضافة إلى إعلان مقتل البغدادي في أكتوبر 2019.

إلا أن تلك التطورات لم تضع نهاية للتنظيم، الذي استمر في العمل من خلال تبني استراتيجية بديلة، تتضمن تحويل مشروع الدولة إلى “فكرة”، دون “أرض”، وفتح مجال العمليات العسكرية النوعية في سورية والعراق، وعمليات “الذئاب المنفردة”،  في مختلف العواصم الغربية.

حيث راهن قادة التنظيم على إمكانية توظيف الفراغ الناتج عن انسحاب القوات الأمريكية، إلى إعادة تجميع بقايا مقاتليهم، وإنشاء قواعد ارتكاز جغرافية جديدة، محتفظين بخلايا نشطة في عدد من المحافظات، وبجيب كبير في داخل الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور، حيث تمتعوا بحرية الحركة والتخفي بين المدنيين، ما فسر بدوره استسلام عدد كبير من الجهاديين الأجانب، إذ إنهم لا يستطيعون الذوبان في النسيج القبلي في هذه المنطقة مثل العراقيين والسوريين.

ويسود الاعتقاد أن عناصر التنظيم سيعودون للخروج والاستعراض العالمي بصورة أكبر، عام 2020، خاصة وأنهم يتمتعون بمصادر دعم، تضمن لهم الاستمرار وإعادة التشكيل، وأن يستمروا في شن حروب العصابات، إذ لا يزال التنظيم يحتفظ بنحو 81 ألف مقاتل في سوري والعرق،  حسب التقرير، بما في ذلك 3 آلاف أجنبي، منظمين وفقًا لمبدأ “الخلايا النائمة” والمستقلة، ولدى قادته نحو 300 مليون يورو، يخفونها في مخابئ آمنة بالعراق وسورية.

سادساً: إدلب.. رهينة تنظيم القاعدة

يذهب التقرير إلى فكرة أن القيادة العامة لتنظيم “القاعدة”، تعمل على رص صفوفها وتوحيد القوى الرئيسة التابعة لها، عبر تعزيز تحالفاتها في غرفتي “الفتح المبين” و”وحرض المؤمنين”، مكررة بذلك نموذج “جيش الفتح”، الذي حققت المعارضة عبره، أبرز انتصاراتها عام 2015، وسيطرت من خلالها على كامل محافظة إدلب، وهددت النظام في حماة واللاذقية، إلى أن جاء التدخل الروسي الذي أنقذ النظام وقلب الطاولة عليها.

ولتحقيق تلك الأهداف؛ أعادت القيادة العليا لـ”القاعدة”،  تنشيط جهودها لتوحيد الجماعات المناهضة للأسد، ضمن قوة عسكرية موحدة شمال غربي البالد، وذلك في أعقاب سيطرة النظام على مدينة “خان شيخون” الاستراتيجية، في 22 أغسطس، بدعم من القوات الخاصة الروسية.

كما تتمثل الاستراتيجية الجديدة لتنظيم “القاعدة”، في محاولة توحيد الحركات “السلفية الجهادية”، مستفيداً من سعي الفصائل لمضاعفة عمليات التجنيد.

سابعاً: دمشق.. تداعي سلطة بشار الأسد

يسلط التقرير الضوء على حالة التذمر غير مسبوق، من قبل الموالين للنظام، ومناشدة بشار الأسد لإنقاذ الموقف الاقتصادي والأمني المتردي في سائر المحافظات، في ظل ضائقة اقتصادية خانقة، وتكدس الطوابير على المواد الأساسية والتدفئة كالغاز والمازوت، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانخفاض الليرة، وتفشي البطالة والجريمة، ومظاهر الاحتكار والمحسوبية، فضلاً عن انعدام الأمن، وانتشار الحواجز، وهيمنة الميلشيات الأجنبية والقوات الرديفة.

وبحلول الربع الأخير من عام 2019؛ تلاشت جميع الآمال التي عقدها النظام على فك العزلة الدولية، وتحسين الوضع الاقتصادي، حيث قدمت تقديرات البنك الدولي ومنظمة الشفافية العالمية، أرقاماً مفزعة حول مستوى الفساد وسوء والإدارة، واحتقان الفئات الشبابية في المناطق الخاضعة للنظام، بالتزامن مع فشل جهود الإصلاح ومشاريع التنمية، واستمرار الأعمال القتالية.

ففي يوليو 2019؛ قـدر مكتب الأمـم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وجود نحو 7,11 مليون سوري بحاجة للإغاثة والحماية، من أصل 18 مليون مدني موجودين في الداخل السوري، وقدر وجود 6,5 مليون لاجئ في الخارج، ونحو 9,6 مليون نازح في الداخل، وتسرب نحو 1,2 مليون طفل سوري من المدارس، وتعرض 3,1 مليون طفل آخر لخطر التسرب منها، وتدهور قطاعات التعليم والزراعة والتجارة وفرص العمل، والرعاية الصحية.

ورجحت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، احتمالات اندلاع المزيد من العنف والتطرف، واستمرار فقد سورية للحكم الفاعل والصادق، والرغبة في إعادة بناء الدولة، حيث صُنفت سورية في قاع قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، إذ احتلت المركز 178 من 180. وتزامن التراجع الاقتصادي الهائل مع تضاؤل فرص الحصول على معونات اقتصادية دولية، خاصة أن النظام لم يعد يملك مصداقية في استخدام المساعدات بما يعود بالنفع على المواطنين.

وعكس انهيار الليرة السورية؛ الوضع السياسي والاقتصادي الهش في البلد، حيث فشلت القرارات الارتجالية للحكومة، في وقف تدهور قيمتها، ما تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وجعل نحو 90 %من السكان تحت خط الفقر، فيما تظهر تصنيفات البنك الدولي أن سوريا تقبع في المرتبة 179 من أصل 190 ُ من حيث التنمية، وتحذر وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية من تفشي البطالة التي بلغت نسبة 50 % ما جعل سورية في المرتبة 217 من بين 218 دولة تم تنصيفها، وهو ثاني أعلى مستوى للبطالة في العالم.

ثامناً: اللجنة الدستورية.. تغطية على إخفاقات المجتمع الدولي

يؤكد التقرير، أن الاجتماع الرابع عشر من مسار “آستانة”، في 10 ديسمبر 2019، في العاصمة الكازاخية، لم يحظ بأي اهتمام إعلامي يذكر، إذ لم تكن هنالك أية توقعات بإمكانية حلحلة الملفات الأساسية كإطلاق سراح المعتقلين أو إجراءات بناء الثقة، أو عودة اللاجئين، أو تقديم المساعدات الإنسانية للسوريين المنكوبين، جراء العمليات الإجرامية التي يقوم بها الروس والإيرانيون.

وكانت موسكو قد نجحت في فرض مشروع الإصلاح الدستوري،  بديلاً عن الطرح الذي قدمه بيان جنيف1، وقرار مجلس الأمن 2254، والذي نص على تأسيس “هيئة حكم انتقالي”، حيث اندفعت الوساطة الأممية للقبول بالطرح الروسي، وأرسل الأمين العام أنطونيو غويترش خطابًا إلى رئيس مجلس الأمن  في 26 سبتمبر 2019، أرفق فيه ملحقاً  تحدث عن إمكانية قيام اللجنة الدستورية، بمراجعة دستور 2012 “وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد”، وفي ذلك إلزام للمعارضة بقبول مرجعية دستور 2012 في المفاوضات، وبمنح بشار الأسد القدرة على تعطيل العملية برمتها، والاستفادة من عدم تحديد فترة إنجاز محددة، ومن قدرته على إطالة أمد المفاوضات بهدف الإبقاء على دستور 2012 نافذًا لفترة قد تمتد لسنوات.

وفي مقابل استمرار النظام في تعنته؛ يتذرع المتحدثون باسم المعارضة عن عدم توفر البديل للحل السياسي، دون إدراك أن العملية الدستورية لا توفر البديل الفعلي، وذلك لما تكتنفه من غموض حول ترتيبات العملية التفاوضية، وتعليق مصير ملايين المعتقلين واللاجئين والنازحين ريثما يتم الانتهاء، من حسم جدليات الصياغة النصية للدستور، ودون الأخذ في الاعتبار أن استمرار الصراع المسلح أثناء عملية صياغة الدستور، سيؤدي حتماً إلى عرقلة الترتيبات الدائمة ومحاولات التوافق عليها.

ويستمر تراجع موقف هيئة التفاوض التي فقدت موقعها المركزي في العملية التفاوضية لصالح لجنة دستورية تم تلفيقها من 150 شخصاً، تختارهم الدول الفاعلة، دون أي اعتبار وطني، وتسود القناعة لدى السوريين بأن أية صياغة بديلة لدستور 2012، لا يمكن أن تنهي معاناة السوريين أو أن تحقق العملية الانتقالية المنشودة، بل ستبقى حبراً على ورق، ما دامت قوى الأمن والجيش غير مستعدة للقبول بمرجعيتها، أو غير راغبة بتنفيذها على أرض الواقع.

وقد أثبتت جميع محاولات الإصلاح الدستوري في الدول التي تشهد صراعات داخلية، فشلها في فرض عملية تسوية سياسية، وذلك لأن المؤسسات الأمنية والعسكرية، لا تمتلك ثقافة الالتزام بالمرجعية النصية أو احترام الإرادة الشعبية.

تاسعاً: طهران.. انهيار مشروع التوسع الفارسي على أعتاب 2020

تودع طهران وبغداد وبيروت العام 2019 ً بحركات احتجاجات لم تشهد المنطقة لها مثيلاً منذ اندلاع أحداث “الربيع العربي” عام 2011، فيما تعاني دمشق من أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها منذ بداية الأحداث.

ويراقب بشار الأسد بقلق بالغ، تصاعد لهيب الاحتجاجات الشعبية الإيرانية التي تضع على رأس مطالبها؛ وقف تزويد دمشق بالمحروقات الإيرانية وتمويل الميلشيات الأجنبية في سورية، والانكفاء نحو الداخل، بدلاً من إذكاء الصراعات في دول الجوار.

ويتساءل مستشارو القيادة  في إيران، عن مدى قـدرة ملالي إيـران، على التضحية بأمنهم الداخلي والاستمرار في تزويد نظام بشار المتداعي بالمحروقات، وتحمل وطأة الحراك الشعبي المناهض لهم في المدن الإيرانية،  نتيجة قرار حكومة روحاني رفع أسعار المحروقات بنسبة 200.%

المصدر السورية نت
قد يعجبك أيضا