fbpx

تعزيز مفاهيم “الوعي المدني” في مشروع تدريبي لناشطين سوريين

لم يجذب مفهوم “المجتمع المدني” اهتمام شريحة كبيرة من السوريين على مدى عقود سبقت انطلاق الثورة السورية عام 2011، لأسباب متعلقة بتغييبٍ مقصود لأي دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان المحلية، خلال نحو نصف قرن من حكم نظام الأسد الأب والابن.

إلا أن المشهد تغيّرَ في السنوات العشر الأخيرة، مع بدء الثورة السورية، وما رافقها من انتهاكاتٍ استدعت وجود منظمات حقوقية توثق جرائم النظام بحق المدنيين، كما أن التطورات في سورية، أفرزت ناشطين في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والإعلامية والحقوقية، لتتبلور معالم مجتمع مدني فاعل غاب طيلة عقود سابقة.

ورغم عدم وجود أسس متينة للمجتمع المدني السوري، نتيجة غياب مؤسساته في الفترة السابقة لسنة 2011، إلا أن السنوات العشر الأخيرة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وفي دول اللجوء أيضاً، شهدت ولادة تجارب مؤسساتية وفردية مازالت تحث الخطى نحو لعب أدوارٍ أكثر فاعلية.

التوعية المدنية ضمن مشاريع

كل ما سبق لفت الأنظار نحو الحاجة إلى بذل مزيد من الجهود، لتدريب الناشطين السوريين والأشخاص الفاعلين في المجتمع، لأهمية فهم مبادئ المجتمع المدني وتطبيقها بالمسار الصحيح، عبر تنظيم مشاريع وتدريبات لتحقيق الهدف المنشود.

من ضمن تلك المشاريع كان مشروع “الوعي المدني”، الذي نظمته مؤسسة “البوصلة للتنمية والإبداع” أحد برامج “المنتدى السوري”، والذي يهدف بصورة عامة إلى تعزيز “مبادئ الوعي المدني” بالنسبة للأشخاص الفاعلين في المجتمع السوري، و”تطبيق مبادئ الديمقراطية والمواطنة وغيرها من المفاهيم بشكل سليم”، حسبما قال منسق البرامج في منظمة “البوصلة” سعد قلعية.

قلعية أوضح في حديثه لـ”السورية نت”، أن المشروع يستهدف القادة والمؤثرين بالمجتمع في مناطق شمال غرب سورية، إلى جانب أعضاء المنظمات المحلية والنقابات والجمعيات التطوعية وطلاب الجامعات، وتركّز المشروع مبدأياً ضمن ثلاث مناطق هي: كفر تخاريم وأريحا وكورين.

وأضاف أن المشروع مستمر منذ عام ونصف، بحيث يصل عدد المستفيدين في كل مرحلة من مراحله إلى 150 شخصاً، على أن يصل عدد المستفيدين في نهاية المشروع إلى 2890 شخصاً، مع مراعاة التنوع في الحضور بين الذكور والإناث، والنازحين والمضيفين، وطلاب الجامعات، وأصحاب الاحتياجات الخاصة.

خمسة مواضيع للتدريب

في مشروع “الوعي المدني” الذي تنظمه “البوصلة” يتم تدريب المستفيدين على خمسة مواضيع رئيسية مرتبطة بالمجتمع المدني، بحيث يتم تخصيص ثلاثة أيام تدريبية لكل موضوع، وأبرزها:

– الديمقراطية والقيم الديمقراطية ودور المجتمع المدني في التحول السياسي.

– المواطنة ورأس المال المجتمعي.

– حقوق الإنسان.

– المشاركة المجتمعية وأساس إنشاء المبادرات المدنية.

وبحسب مدير المشاريع في “البوصلة”، سعد قلعية، فإن التدريبات السابقة يتبعها جلسات متابعة مع المستفيدين لمساعدتهم على تحويل التدريب النظري إلى خبرة عملية، لتحقيق الفائدة المطلوبة، مضيفاً أن التدريبات يُشرف عليها مختصون في مجال التوعية المدنية.

ويشمل الشق الثاني من مشروع “الوعي المدني” تنظيم جلسات حوارية، يتم خلالها دعوة عدد من الأشخاص المهتمين، لفتح باب النقاش حول مواضيع هامة، أبرزها: “دور المرأة والشباب في عملية الاندماج المجتمعي، السياق التاريخي لتطور مبادئ المواطنة في الدولة المعاصرة، دور التعليم ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية في تطور ثقافة حقوق الانسان”.

كما يشمل المشروع إصدار مخرجات إعلامية، وهي عبارة عن فيديوهات رسوم متحركة، يتم خلالها شرح مصطلحات التوعية المدنية كلّ على حدة، مثل مصطلحات العدالة الانتقالية والمواطنة والانتخابات وغيرها، بهدف إزالة الغموض حولها.

إقبال وتجاوب

وسيم شامدين، المدرب في مجال فض النزاع وبناء السلم الأهلي، تحدث عن مشاركته في مشروع “الوعي المدني” مع “البوصلة”، مشيراً لوجود إقبال وتفاعل كبيرين من قبل المستفيدين من المشروع.

وأضاف في حديثه لـ”السورية نت” أن المدربين لمسوا لدى المستفيدين رغبة وحافزاً لتطوير مهاراتهم، وولعب أدوارهم في المجتمع بشكل فاعل، مشيراً إلى أن عدد المسجلين كان أكبر من العدد المطلوب.

وحسب المدرب استهدف المشروع الفئات الناشطة والتي تلعب دوراً هاماً في المجتمع لأسباب عدة، أهمها ضمان انتقال المعلومات إلى فئات أكبر في المجتمع، وعدم انحصارها بالشخص الذي تلقى التدريب.

ويهدف المشروع من وجهة نظر شامدين إلى “تكوين وعي مدني وسياسي ومجتمعي، والتعريف بالأدوات الواجب استخدامها للسير في طريق التحول الديمقراطي”.

وتابع: “نحن حالياً في مرحلة حرجة، وهي مرحلة التحول الديمقراطي، إذ لا يمكننا النجاح إذا كنا لا نمتلك أدوات الديمقراطية ولا نمتلك الوعي الخاص بها ولا نعرف دور كل فرد في المجتمع”.

من جانبها، تحدثت رانيا، وهي إحدى المتدربات في المشروع، عن أهمية ورشات كهذه، مشيرة إلى أنها حضرت التدريب ضمن قسم “المواطنة ورأس المال المجتمعي”، واصفةً التدريب بـ “الممتاز والتفاعلي”.

وقالت لـ”السورية نت” إن عنوان التدريب أثار فضولها للتعرف على معنى المواطنة الحقيقية والهوية، ورغبت بزيادة معلوماتها واكتشاف أفكار جديدة حول هذا المحور.

مفهوم المجتمع المدني وإسقاطه على الحالة السورية

تعتبر الأمم المتحدة في تعريفها للمجتمع المدني أنه القطاع الثالث الذي يقف جنباً إلى جنب مع الحكومة وقطاع الأعمال، مشيرةً إلى أنه يتكون من المنظمات غير الحكومية والأحزاب والجمعيات الخيرية والحركة الاجتماعية والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان وغيرها.

وحددت المنظمة المهام التي تقع على عاتق المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان بما يلي: حمل هموم المواطنين والرأي العام، العمل على رأب الصدع في المجتمعات التي تعاني من الصراعات، الدفاع عن الفئات التي تعاني من التمييز أو الحرمان، مناصرة ومراقبة تنفيذ معايير حقوق الإنسان، التبليغ عن أي انتهاكات تتعلق بهذا الموضوع؛ مساعدة ودعم ضحايا الانتهاكات، إطلاق حملات من أجل تطوير معايير جديدة لحقوق الإنسان، والمساهمة في توفير نظام حماية فعال على الصعيد الوطني وتقديم التدريب في هذا المجال.

وعلى اعتبار أن المجتمع المدني السوري لا يزال ناشئاً دارت حوله نقاشات ودراسات عدة في سبيل دعمه وتطويره ليصبح ضالعاً بمسؤولياته في المرحلة المقبلة.

وتشير دراسة صادرة عن “مركز المجتمع المدني والديمقراطية” عام 2018، إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المجتمع المدني في سورية هي التهديد الأمني، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، نتيجة تنامي حركات الاعتقال والتعذيب والتغييب القسري.

ويواجه المجتمع المدني السوري حسب الدراسة، مصاعب متعلقة بالاصطدام مع الجهات العسكرية وتعدد بيئات العمل المختلفة والقوى المسيطرة، وضعف تفاعل المنظمات الدولية المعنية، وعدم تفهّم بعض شرائح المجتمع السوري للدور الإيجابي الذي تلعبه المنظمات.

كما يعاني من ضعف التخصص وقلة الخبرات بهذا المجال، والخلط بين الحالة السياسية والمدنية، ويحتاج إلى سنوات عدة لتكوين شخصيته، على اعتبار أنه عمل تراكمي يتعلق بشكل أو بآخر بالتغيير وتكوين بنية مجتمعية متكيفة مع هذا التغيير.

المصدر السورية نت
قد يعجبك أيضا