fbpx

تفكيك “اللواء الثامن”.. نظريتان حول الدور الروسي

تتزايد المؤشرات والمعطيات الميدانية التي تدعم فرضيةً راجت عبر عدة مصادر إعلامية، في الآونة الأخيرة، ومفادها، وجود قرار روسي – أسدي، بتفكيك اللواء الثامن الناشط في درعا، وإلحاق عناصره بجيش النظام أو بأحد أجهزته الأمنية. وفيما تبدو تلك الفرضية في طريقها للتحقق، تزداد الحاجة لإعادة قراءة تصوّر موسكو لدورها المستقبلي في سوريا، على ضوء مساعيها السابقة والمستمرة، لإعادة هيكلة جيش النظام وتدعيمه.

ورغم أن المعطيات المتوفرة عن التفكيك المرتقب لـ “اللواء الثامن”، ما تزال بحدود التسريبات الإعلامية، إلا أن عدة مؤشرات على الأرض، ناهيك عن مسار التطورات بدرعا، خلال الأشهر الأربعة الفائتة، تدعم هذه الفرضية بقوة. أبرز تلك المؤشرات، وصول “قطار التسويات” الأمنية التي يصرّ عليها النظام، إلى حدود “بصرى الشام”، المعقل الرئيس للواء الثامن، الذي يقوده أحمد العودة، القائد السابق لفصيل لواء “شباب السنة” المعارض، والذي أصبح بعد اتفاق التسوية عام 2018، تابعاً للفيلق الخامس، المدعوم بشكل مباشر من روسيا.

المؤشر الآخر، يتعلق بتلقي عناصر اللواء رواتبهم بالليرة السورية، مؤخراً. فيما كانوا يتلقون رواتبهم سابقاً بالدولار الأميركي، وبمبالغ تقدر بـ 200 دولار وسطياً، كل شهر.

كانت روسيا قد أوقفت دفع رواتب مقاتلي “اللواء الثامن”، منذ نحو ستة أشهر. وجاء ذلك بعد أن رفض مقاتلو اللواء الاستمرار في التورط بمعارك البادية السورية ضد خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية”، جراء الخسائر الكبيرة التي تعرّض لها اللواء هناك.

لكن، عدم انصياع اللواء الثامن لأوامر موسكو، لا يكفي لتبرير تغيّر موقف هذه الأخيرة من أحد أبرز الفصائل المسلحة التي احتُسبت عليها، منذ أكثر من ثلاث سنوات. ويرجع هذا التغيّر في الموقف الروسي –إن كان تغيّراً بالفعل- إلى أسباب أعمق من حادثة عدم الانصياع المشار إليها.

وبالفعل، حاول عدة مراقبوين، تفكيك القراءة الروسية لدور “اللواء الثامن”، في ضوء الأنباء عن العمل على حلّه. ويمكن ملاحظة اتجاهٍ غالبٍ على آراء المراقبين، يميل إلى نظرية مفادها، أن دور “اللواء الثامن” قد انتهى، وأنه كان مجرد أداة تكتيكية، استغلتها موسكو، بصورة مرحلية، لتحقيق غايات تصب في صالح نظام الأسد.

لكن في الوقت نفسه، يمكن أن نجد آراء أقل انتشاراً، تميل إلى نظرية ثانية أقل رواجاً، تفيد بأن روسيا فشلت في حسم عملية إعادة تأهيل “الجيش السوري”، لصالحها، وقررت الخضوع لإرادة رأس النظام، بشار الأسد، في تعزيز تماسك “الجيش”، تحت سلطته.

وبهذا الصدد، قد يكون من المفيد الاستفادة من 4 أوراق بحثية نشرها مركز كارنيغي في آذار/مارس عام 2020، في ملفٍ حمل عنوان “الآفاق الروسية حيال الإصلاحات العسكرية السورية”. استند الملف إلى آراء خبراء روس، تحدثوا عن تصور حكومتهم لمستقبل مهمة تعزيز “الجيش السوري”. فيما قدّم، يزيد صايغ، الباحث الرئيسي في مركز كارنيغي ببيروت، قراءة مميزة، ومختلفة عن قراءات الخبراء الروس، الذين دعموا النظرية الأولى، المشار إليها أعلاه.

هذه النظرية، أوجزتها أقلام إعلامية، مؤخراً، بكلمات معبّرة، إذ قالت إن أحمد العودة قائد “اللواء الثامن”، ومن معه، وقعوا في الفخ الروسي. فموسكو الآن بصدد الانتقال إلى المرحلة الثانية من مساعيها لترتيب الوضع في درعا، عبر فرض سيطرة النظام، بصورة مطلقة، على المحافظة.

ووفق هذه النظرية، استخدمت روسيا “اللواء الثامن” المكوّن بصورة رئيسية من أبناء محافظة درعا، بغاية احتواء حملة السلاح من رافضي اتفاق التسوية مع النظام عام 2018، وكوسيط يستطيع أن يقنع الأهالي، بالقبول بطلبات النظام، تدريجياً، وذلك بغاية إعادة السيطرة للنظام بشكل كامل على المحافظة. وهو الأمر الذي يحدث اليوم بصورة جليّة.

وكما أشرنا آنفاً، تصب قراءات الخبراء الروس في الاتجاه نفسه الذي استعرضناه في الفقرتين السابقتين. إذ يقول أنطون لافروف، وهو محلل خبير في الصراعات العسكرية التي تشارك فيها روسيا، إن الهدف النهائي لهذه الأخيرة، هو خلق “جيش سوري” مكتفٍ ذاتياً، بصورة توفّر استراتيجية خروج للروس.

ويضيف بعبارات جليّة ومباشرة، إن “الجيش السوري” يجب أن يكون كافياً لقمع الانتفاضات المحلية والحفاظ على سلامة البلاد، دون أن يشكّل خطراً على الجيران، وفي مقدمتهم، إسرائيل وتركيا.

أما أليكسي كليبنيكوف، الخبير بشؤون الشرق الأوسط في المجلس الروسي للشؤون الدولية، فيقول إن غاية روسيا في سوريا، هي إعادة تأسيس احتكار “الدولة السورية” لاستخدام القوة. ويضيف أيضاً، أنه يوجد منطق مهم وراء حافز موسكو لإصلاح “الجيش”، وهو “أن تكون دمشق أقوى وأكثر استقلالية”.

وبذلك نجد أن الخبراء الروس، كانوا قد تحدثوا، وبشكل جلّي، قبل نحو سنة ونيف، من بدء مساعي “تفكيك” اللواء الثامن، عن أن الميليشيات غير المنضبطة داخل “الجيش”، الخاضع لسيطرة النظام، مباشرةً، هي مجرد أداة مؤقتة، في نظر صُنّاع القرار بموسكو، الأمر الذي يدفعنا إلى خلاصة مفادها، تطابق رؤية موسكو لدورها في إعادة تأهيل “الجيش السوري”، مع مصالح رأس النظام، بشار الأسد، وبصورة شبه كاملة.

لكن نظرية ثانية، تقدم قراءة أخرى، قد تكون أبرز الأقلام التي فصّلتها بشكل مثير للاهتمام، هو الباحث يزيد صايغ، الذي يعتقد بأن موسكو كانت تريد إعادة تأهيل “الجيش السوري” بصورة تتيح تأسيسه من جديد، ليكون مؤسسة هرمية منضبطة وفق تراتبية القيادة الرسمية. لكن نظام الأسد قاوم ذلك عبر شبكاته غير الرسمية التي تخترق “الجيش” من أعلى إلى أسفل. فالنظام كان يخشى أن تؤدي استراتيجية روسيا إلى جعل “الجيش” مؤسسة قادرة على الانقلاب ضده.

وبعد فشل المحاولات الروسية في تحقيق اختراق نوعي لصالحها، داخل تركيبة “الجيش”، الخاضع لسيطرة رأس النظام، وشقيقه، قررت الإذعان للمعادلات التي حكمت هذا “الجيش”، على مدار عقود. فمعادلات القوة والتحكم داخل “الجيش”، تأسست على يدي حافظ الأسد، وفق مبدأ تقدّم الولاء على الرتبة العسكرية، بحيث كان عميد موالٍ وموثوق في “الجيش”، أقوى فعلياً من “لواء”. وقد تمكن مؤسس النظام، الأسد الأب، من ترسيخ تلك المعادلات، بصورة تضمن استقرار السيطرة لصالحه، ولصالح عائلته، داخل “الجيش”، على المدى البعيد. وتمكن بشار الأسد من الحفاظ على تلك المعادلات، وفق الحسابات التي أورثها لها، والده.

لكن، لماذا فشلت روسيا في فرض إرادتها داخل “الجيش السوري”؟ يكمن الجواب في أن إحداث تغيرات نوعية في معادلات القيادة والتحكم داخل “الجيش”، تتطلب إقحام موارد روسية أكبر في المشهد السوري. أي أن على روسيا أن تنخرط عسكرياً، بصورة أكبر، وهذه المرة في اتجاه آخر غير استهداف المعارضة. وهو أمر قد يهدد بصدام بينها وبين النظام، وداعمه الإيراني، وقد يجعل تورطها العسكري في سوريا، أكثر تعقيداً، وأعلى تكلفة. ولأن روسيا لا تريد رفع تكلفة انخراطها في الشأن السوري، بصورة أكبر مما هي عليه الآن، قررت الإذعان لإرادة رأس النظام، وشقيقه. وقبلت مثلاً، بنشاط الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، التشبيحي (الإتاوات)، عبر الحواجز.

وهكذا قررت روسيا، انتهاج سياسة انتهازية، لا ترفع من تكلفة انخراطها في المشهد السوري. هذا الأمر، خدم مصلحة رأس النظام، وشقيقه، بصورة كبيرة، وأتاح لـ بشار تحديداً، استعادة الكثير من أوراق التحكم والقيادة داخل “الجيش”. ويأتي التفكيك المرتقب لـ “اللواء الثامن”، كخطوة جديدة في هذا السياق.

وفي نهاية المطاف، سواء كانت النظرية الأولى، هي الأدق، أم الثانية، فإن النتيجة واحدة، وهي أن نظام الأسد يزداد قوة واستقلالية عن الفاعل الروسي، بخلاف القراءات الشائعة عن سيطرة موسكو على صنع القرار بدمشق. فركيزة القوة الرئيسية لنظام الأسد، هي الجيش، والأجهزة الأمنية المُحتسبة عليه فعلياً. وهذه الركيزة ما تزال مضمونة لصالح عائلة الأسد، بنسبة كبيرة.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا