fbpx

ثبات سعر صرف الليرة السورية.. استقرار وهمي أم أمني؟

بكل تأكيد لدينا خطة، ولو لم يكن لدينا لكنا اليوم في مكان آخر منذ عام 2012، وهذه الخطة خطة غير تقليدية”، بهذه الكلمات تحدث رئيس النظام بشار الأسد، عن محاولة حكومته ضبط سعر صرف الليرة السورية، بعدما وصلت إلى مستويات قياسية، خلال الأسابيع الماضية، لكنه لم يكشف عنها كونها “جزء من الحرب”، بحسب تعبيره.

الأسد، وفي خطابه أمام أعضاء مجلس الشعب في 12 أغسطس/ آب الحالي، تحدث عن عوامل تؤثر في سعر صرف الليرة، ملقيًا اللوم، بشكل ضمني، على المواطنين الذين يهرعون لشراء الدولار، بعدما فقدوا الثقة في عملتهم، عقب تجاوزها عتبة ثلاثة آلاف ليرة سورية في يونيو /حزيران الماضي.

و”لأن ما يحصل مع سورية بعيد عن القواعد المالية وبعيد عن كل القواعد العلمية”، بحسب ما قاله الأسد، تطرح إشارات استفهام  حول سبب تحسن قيمة الليرة السورية، وتراجع سعر الصرف وثباته، عند حدود 2100 ليرة على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، بعد أن قفز لأكثر من ذلك بكثير منتصف يونيو/حزيران الماضي.

وتأتي هذه التساؤلات، على الرغم من أن العوامل التي أسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في انخفاض قيمة الليرة سابقًا، وخاصة فرض عقوبات اقتصادية على النظام بموجب قانون “قيصر”، ما زالت قائمة.

عوامل مستمرة.. سعر الصرف تحسن

بعد استقرار سعر الصرف، خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، بين حدود 1000 و1200 ليرة للدولار الواحد، بدأ السعر منذ مايو/ أيار الماضي، بالارتفاع بشكل ملحوظ وسريع، ليصل إلى أعلى مستوى له في تاريخ العملة، في 8 يونيو/ حزيران، عندما بلغ 3175 ليرة، بحسب موقع “الليرة اليوم” المتخصص بأسعار العملات الأجنبية.

وجاء الصعود المتسارع لسعر الصرف، متأثراً بجملة من العوامل، تحدث عنها الأسد في خطابه، أبرزها “تراجع الوضع الاقتصادي للدول المجاورة، وهناك علاقة مباشرة بيننا وبين اقتصاديات الدول المجاورة فلا بد أن نتأثر”، في إشارة إلى الأزمة التي ضربت المصارف اللبنانية.

إضافة إلى “الهلع الشعبي” الذي اعتبره العامل الوحيد، قائلاً إن “العوامل لم تتغير، سعر الصرف كان يخضع للمضاربة من الخارج بحكم الحرب ومن الداخل بحكم الجشع، فإذاً لم تكن هناك تغيرات طارئة والاقتصاد نفسه والتصدير المحدود كان هو نفسه، فإذاً العامل الوحيد كان هو الهلع الشعبي”.

كما تأثرت الليرة السورية بالتصريحات الأمريكية حول فرض عقوبات اقتصادية، وقرب تنفيذ قانون “قيصر”، الذي بدأ تطبيقه بشكل رسمي في 17 يونيو/ حزيران.

لكن كل العوامل السابقة ما زالت قائمة، فالأزمة اللبنانية مستمرة وزاد عليها “كارثة” تفجير مرفأ بيروت، والعقوبات الأمريكية على شخصيات وكيانات مرتبطة بنظام الأسد، زادت حدتها عبر ثلاثة حزم، أخرها كان الخميس الماضي.

إضافة إلى أن الاقتصاد السوري ما زال يعيش في حال استنزاف وتدهور، وزاد عليه أزمة فيروس “كورونا”، وما رافقها من إغلاق الحدود مع لبنان والأردن، الأمر الذي أدى إلى وقف التصدير.

ورغم استمرار هذه العوامل، إلا أن سعر الصرف تحسن، وانخفض إلى حدود 2100 ليرة منذ أسبوعين، ما طرح تساؤلات هل هو استقرار وهمي أم بفعل قبضة أمنية لحكومة النظام؟

الباحث الاقتصادي، مناف قومان، رفض استخدام مصطلح “استقرار الليرة” أو “تحسن الليرة”، لأن استقرار وتحسن قيمة العملة مرتبط بالمؤشرات الاقتصادية الموجودة على الأرض، وهي الصناعة والزراعة والسياحة والصادرات، إضافة إلى الاحتياط الأجنبي الموجود بالبنك المركزي.

وأوضح قومان، في حديث لـ”السورية. نت”، أن هذه القطاعات الاقتصادية ما زالت متدهورة بشكل أو بآخر، والاقتصاد السوري مستنزف ومتدهور، لذلك لا يمكن القول بأن الليرة مستقرة أو طرأ تحسن عليها، فالليرة لا تعبر بشكل حقيقي عن التدهور الكامل بالاقتصاد السوري.

عوامل غير اقتصادية تتحكم بالليرة

وفي ظل ذلك لابد من البحث عن عوامل أخرى غير اقتصادية، أسهمت في تحسن العملة السورية، حسب قومان، الذي يرى بأن من يتحكم بزمام الليرة أو من يحكمها ليست مؤشرات اقتصادية، بقدر ما هي سياسية كحصول النظام على نقد أجنبي من “حزب الله” اللبناني عبر التهريب، أو وصول ناقلات نفط إيرانية إلى الموانئ السورية.

إضافة إلى القبضة الأمنية المشددة من خلال حملات أمنية على المضاربين في السوق السوداء، وحصر تحويل الحوالات الخارجية عن طريق المصارف، كما أن سورية أصبحت بلداً مغلقاً ومنعزلة عن العالم في ظل عدم وجود تجارة خارجية، بسبب خوف الدول من تبعيات قانون “قيصر”.

واعتبر قومان أن هذا يساعد النظام بالتحكم في السوق، الذي قد يتأثر بأي مبلغ يتم طرحه في السوق، فالنظام قادر على السيطرة على سعر الصرف من خلال الأموال التي حصل عليها وطرحها.

أما الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، الدكتور كرم شعار، فقد اعتبر أن المشكلة الأساسية في انهيار سعر الصرف، هي أن ما كان يستلمه النظام من القطع الأجنبي أقل مما يدفعه، فالنظام لم يتوقف للحظة عن استلام القطع الأجنبي أو الدفع به، وبالتالي المشكلة مشكلة تدفقات نقدية وليس مخزون نقدي.

كما اعتبر الشعار في حديثه لـ”السورية. نت” أنه “كلما زاد المبلغ المنفق من الدولارات عن المبلغ المستلم، كلما انهار سعر الصرف لضعف قدرة البنك المركزي على التدخل في السوق لحماية الليرة السورية”، معتبراً أن ما حدث مؤخراً من تثبيت لسعر الصرف، يوحي أن ما يَردُ للنظام من القطع الأجنبي قد ازداد، مؤكداً أنه يستحيل معرفة السبب الحقيقي وراء الزيادة بسبب شح المعلومات.

وتوقع أن يكون مصدر القطع الأجنبي من بعض المبالغ المجمدة في القطاع المصرفي اللبناني، حيث تسمح بعض البنوك اللبنانية بمنح بعض المبالغ المودعة مقابل اقتطاع جزء منها، خاصة وأن هناك حديث حول وجود نحو  40 مليار دولار من الودائع السورية في البنوك اللبنانية.

أما المصدر الثاني، فقد يكون زيادة في الدعم المالي الإيراني، في ظل حديث بأن إيران أنفقت ما لا يقل عن 30 مليار دولار خلال سنوات الحرب الماضية، إضافة إلى تحسن حوالات الخارج بسبب سوء الوضع الداخلي وفترة الأعياد.

سحب السيولة

وإضافة إلى ما سبق، يرى محللون اقتصادييون، أن لتحركات حكومة النظام الاقتصادية، أثراً قد يكون من العوامل التي لعبت دوراً في تثبيت سعر الصرف.

التحرك الأول كان من خلال سحب السيولة النقدية من السوق عبر طرح سندات خزينة، وهو ما أكد عليه قومان، بأن “الاجراءات التي أخذها المركزي بعد طرح سندات حزينة ساهمت بامتصاص سيولة من السوق”، ما أثر في تحسن سعر الصرف.

وطرحت وزارة المالية في حكومة الأسد سندات الخزينة مرتين، الأولى كانت في فبراير/ شباط الماضي وبلغ إجمالي حجم السندات المطروحة من قبل المصارف 148.5 مليار ليرة سوري، والثانية كانت منتصف الشهر الحالي، وبلغ حجمها 150 مليار ليرة سورية.

وسندات الخزينة هي قروض تصدرها الدولة ومؤسساتها للاكتتاب العام، وتحصل الحكومة قيمتها من الأفراد أو الهيئات، ويكون هدفها إما إحداث تنمية اقتصادية أو تمويل مشاريع أو رفد خزينة الدولة بالأموال، وسحب السيولة من السوق والتحكم بالعرض والطلب للعملة.

أما التحرك الثاني، فيتمثل في توجه نظام الأسد لرجال الأعمال الموالين له، من أجل الحصول على القطع الأجنبي، وهددهم بالسيطرة على عقاراتهم وممتلكاتهم في حال لم يدعموا الليرة السورية.

وحسب ما ذكرت وكالة “رويترز” في تحقيق لها، الأسبوع الماضي، فإن محافظ البنك المركزي السوري، حازم قرفول، جمع بعضاً من أغنى أغنياء سورية أواخر العام الماضي، في اجتماع مغلق في فندق شيراتون دمشق، وعرض لهم قائمة بالعقارات والأصول الأخرى التي يملكونها والصفقات المربحة التي أبرموها. ولمح إلى إمكانية مصادرة ثرواتهم إذا لم يقدموا مساهمة كبيرة لخزانة الدولة.

وفي ظل ما تعانيه الليرة السورية من تذبذب في قيمتها، تبقى أسعار المواد الغذائية في ارتفاع مستمر، الأمر الذي انعكس سلباً على الواقع المعيشي للمواطنين وارتفاع نسبة الفقر إلى أكثر من 90% بحسب تقارير أممية.

المصدر السورية. نت
قد يعجبك أيضا