fbpx

حدود التنافس التركي الروسي في سورية

تتعرّض العلاقات التركية – الروسية لاختبار كبير هذه الأيام، قد يكون الأصعب ربما منذ أزمة الطائرة الروسية التي أسقطتها تركيا على الحدود مع سورية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أي بعد نحو ستة أسابيع على التدخل العسكري الروسي في سورية. منذ ذلك الوقت، طرأ تحول كبير على العلاقات بين موسكو وأنقرة، وعلى موقف تركيا من الصراع في سورية، وأهدافها فيه. وقد مالت تركيا التي تعرّضت لضغوط سياسية واقتصادية روسية كبيرة، في لحظة تخلي الغرب عنها، إلى التسليم بعد ذلك لموسكو باعتبارها صاحبة اليد العليا في سورية، بعد أن كان صراعها فيها يتسم بشيءٍ من الندّية، مع خصم إقليمي من وزنها تقريبا (إيران)، وأخذت تنحو منحىً براغماتياً تخلت فيه عن طموحاتها الأولية بإنشاء نظام قريب منها في دمشق. وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، ضاق اهتمام تركيا بسورية أكثر، لينحصر في تأمين مصالحها على الحدود، وفي مقدمتها منع إنشاء كيان كردي، أو إدارة ذاتية كردية، وحجز مقعد لها على طاولة الحل السوري، من خلال نفوذها على فصائل المعارضة.
بداية التحول
المحطة الأولى التي انطلق منها قطار التحول التركي نحو روسيا بدأت بعملية “درع الفرات”، في أغسطس/ آب 2016، سمحت بموجبها روسيا لتركيا بأول عملية عسكرية كبيرة داخل الأراضي السورية، سيطرت خلالها على مثلث جرابلس – الباب – أعزاز، بمساحة تقدر بـ 2000 كم، بعد أن طردت منه كلاً من تنظيم الدولة الإسلامية، ووحدات حماية الشعب الكردية. في المقابل، ساعدت تركيا في ديسمبر/ كانون الأول 2016 في “إقناع” فصائل المعارضة بإخلاء الجزء الشرقي من مدينة حلب، ليبدأ بعدها ما سُمِّي مسار أستانا، حاولت خلاله روسيا استمالة تركيا وإثبات أن التعامل معها أجدى من التعامل مع واشنطن التي حاولت تركيا عبثاً إقناعها بإنشاء منطقة “آمنة” في الشمال السوري، والتوقف عن دعم الفصائل الكردية.
خلال عام 2017، تطورت التفاهمات التركية – الروسية التي انطلقت من أستانا، لتبلغ ذروتها في اتفاق مايو/ أيار 2017 الذي تضمن إنشاء ما سُميت حينها “مناطق خفض التصعيد”، وهي فكرة استعارتها موسكو من المبعوث الأممي، ستيفان دي مستورا، الذي اقترح تجميد الصراع بين السوريين في حلب صيف عام 2016. سعت موسكو، خلال هذه المرحلة، إلى تجميد الصراع مع المعارضة، حتى تتفرغ للسباق مع الولايات المتحدة على الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصاً في مناطق البادية والشرق. أما تركيا، فقد أدركت أنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها التي غدت أكثر تواضعاً في سورية بعد التدخل الروسي، إلا بشراكة مع موسكو. وقد تجلت أهمية هذه المقاربة لتركيا، عندما سمحت روسيا لها ثانيةً، باجتياز الحدود السورية، وتنفيذ عملية غصن الزيتون التي سيطر فيها الأتراك على منطقة عفرين، وطردوا وحدات حماية الشعب منها. في المقابل، أجهزت روسيا على مناطق التصعيد الثلاث التي جرى التوافق عليها مع أنقرة، واحدة تلو الأخرى، بدءاً من غوطة دمشق، ثم مناطق شمال حمص، وصولاً إلى درعا، وذلك بعد أن تمت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، واتضحت مناطق النفوذ الروسية والأميركية في سورية.
اعتقدت تركيا أن علاقتها مع روسيا التي كانت قد تطوّرت كثيراً في هذه الفترة على مستويات متعددة، عسكرية وأمنية واقتصادية، ستسمح لها بإنقاذ إدلب، وهي التي كانت تعنيها أساساً من بين كل مناطق خفض التصعيد. وبالفعل، جرى التوصل إلى اتفاق سوتشي في لقاء قمة جمع الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين، في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، بعد عشرة أيام فقط على فشل قمة طهران الثلاثية بشأن إدلب. تضمن الاتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق يصل إلى 15 – 20 كم، وفتح الطرق الدولية حماة – حلب واللاذقية – حلب، وإقامة نقاط مراقبة لتطبيق الاتفاق.
الأولوية لشرق الفرات
خلال هذه المرحلة، كانت موسكو مهتمةً أساساً بإخراج واشنطن من مناطق شرق الفرات، وقد أفزعها إعلان وزير الخارجية الأميركية السابق، ريكس تيلرسون، في يناير/ كانون الثاني 2018، أن بلاده تنوي الاحتفاظ بوجودها العسكري في شرق سورية، بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. كان بوتين يحتاج إلى تعاون تركيا لإقناع الرئيس ترامب بالانسحاب من مناطق شرق الفرات. وهو ما حصل. إذ قرّر ترامب، بعد مكالمة هاتفية مع أردوغان، مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2019، إخلاء أجزاء كبيرة من مناطق شرق الفرات، على الرغم من معارضة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ما سمح لتركيا بتنفيذ عمليتها العسكرية الثالثة داخل الأراضي السورية تحت مسمى “نبع السلام”، والسيطرة على شريط حدودي بطول 110 كم وعمق 30 كم بين رأس العين وتل أبيض. استفادت روسيا من الوضع الجديد القائم، وعرضت على تركيا اتفاقاً وُقِّع في سوتشي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، تعهدت موسكو بموجبه سحب وحدات حماية الشعب الكردية التي بات لها تأثير أكبر عليها الآن، بعد أن بدا وكأن الأميركيين تخلوا عنها، من كامل الشريط الحدودي السوري – التركي الواقع شرق الفرات (440 كم) وبعمق 32 كم داخل الأراضي السورية خلال 150 ساعة من توقيع الاتفاق، وسُيِّرَت دوريات مشتركة روسية – تركية لضمان التنفيذ. أرادت روسيا من الاتفاق منع تركيا من إنشاء “منطقة آمنة” في ما بقي من الشريط الحدودي، وتعزيز مواقعها شرق الفرات على حساب الأتراك والأميركيين والأكراد.
ما إن حققت روسيا أقصى فائدة ممكنة من تفاهماتها مع تركيا شرق الفرات، حتى عادت إلى التركيز على إدلب. وكانت روسيا خلال عام 2019، وخصوصاً بعد فشل الجولة الـ12 من اجتماعات أستانا أواخر إبريل/ نيسان من ذلك العام، أطلقت عملية عسكرية كبيرة ضد إدلب، بحجّة أن تركيا لم تلتزم اتفاق سوتشي، لجهة إنشاء المنطقة منزوعة السلاح وفتح الطرق الدولية. وكانت روسيا تعارض، في الأصل، إنشاء “منطقة آمنة” تركية في شرق الفرات، وتستخدم إدلب أداة ضغط على تركيا لمنعها من ذلك، فكان القصف الروسي على إدلب يتصاعد كلما اقتربت تركيا من التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن هذه المنطقة، بقصد إشغال فصائل المعارضة في إدلب، ومنع نقلها إلى شرق الفرات. لكن روسيا عادت وغيرت موقفها، إذ وجدت ضرورة في التعاون مع تركيا لإخراج الأميركيين من شرق الفرات أولاً، والتفرّغ بعدها لإنهاء الوجود التركي في إدلب، وإعادة تنظيمه في أنحاء الشمال السوري من خلال تفعيل اتفاق أضنة لعام 1998. بناءً عليه، أعربت قمة أنقرة الثلاثية (شاركت فيها روسيا وإيران) في سبتمبر/ أيلول 2019 عن تفهمها مخاوف تركيا الأمنية في شمال سورية، وأكدت احترام هدنة إدلب التي جرى التوصل إليها عشية الجولة الـ13 من اجتماعات أستانا مطلع أغسطس/ آب 2019، واتُّفق خلالها على تفاصيل إنشاء اللجنة الدستورية التي انبثقت من مؤتمر سوتشي في يناير/ كانون الثاني 2018، بعد أكثر من 18 شهراً من المفاوضات والمشاورات.
سقوط الهدنة
سقطت الهدنة بمجرد أن آتت توافقات شرق الفرات أكلها روسياً. وكانت تركيا تظن، على الأرجح، أن اهتمام روسيا بإدلب يقتصر على تنفيذ اتفاق سبتمبر 2018، القاضي بإبعاد “هيئة تحرير الشام” مسافة 15 – 20 كم في عمق إدلب، حمايةً للقواعد والمنشآت العسكرية الروسية التي كانت تُستهدَف بصواريخ وطائرات مسيّرة، والسيطرة على المناطق الواقعة على الطرق الدولية. لكن بمرور الوقت، بدأ يتضح أن الروس عازمون على سحق المعارضة بالكامل وفرض رؤيتهم للحل النهائي.
أثار الأمر غضب الأتراك، أو بدا كذلك، خصوصاً بعد أن سقط لهم قتلى في مواجهات مع قوات النظام في الأيام الأخيرة. وتخشى تركيا من أن تؤدي الحملة العسكرية الروسية على إدلب إلى حصول أزمة نزوح كبيرة باتجاه أراضيها، وفقدان قدرتها على التأثير في الشأن السوري سياسياً وميدانياً (بمعنى هزيمة مكتملة الأركان). ودفع هذا الأمر الرئيس أردوغان إلى إطلاق تهديدات غير مألوفة، ودفع تعزيزات كبيرة إلى داخل المحافظة، في ظل وجود نقاط مراقبة تركية عديدة فيها، بعضها محاصر.
تركت التهديدات التي أطلقها أردوغان لدى بعضهم انطباعاً بأن تركيا قد تكون هذه المرّة مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا، لحماية مصالحها والذود عن حلفائها في إدلب. ولكن هذه القراءة لا تبدو واقعية، كما كان حالها منذ البداية، ذلك أنها ظلت تحاول فهم العلاقات التركية – الروسية من زاوية سورية محضة، بمعزل عن تعقيدات جوانبها الأخرى، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في حين أن الروس والأتراك لا يرون في سورية إلا جزءاً من حزمة مصالح وتناقضات تحكم علاقتهم، ومفصلاً متداخلاً مع مفاصل وقضايا وصراعات إقليمية ودولية أخرى، تعنيهم بالقدر نفسه، وربما أكثر.
أبعد من سورية
في السنوات الثلاث الأخيرة، تعمقت العلاقات الروسية – التركية، من دون أن يعني ذلك تنامي الثقة بين طرفيها، وباتت مرتبطةً بشبكة متداخلة من المصالح، إلى درجةٍ يصعب معها تصور استعدادهما للتضحية بها، والدخول في مواجهةٍ بسبب إدلب. فروسيا هي اليوم شريكٌ تجاري رئيس لتركيا، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2019 نحو 30 مليار دولار، مع وجود خطط لرفعه الى مائة مليار خلال السنوات المقبلة. وتعتمد تركيا كثيراً على إمدادات الغاز الروسية (60% من احتياجاتها) وقد زاد اعتمادها أكثر عليها بسبب العقوبات الأميركية على طهران (كانت تزود تركيا بنحو 20% من احتياجاتها من الغاز). وأصبحت تركيا بلد عبور رئيساً لإمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا منذ مطلع العام الحالي (2020)، بعد افتتاح خط “السيل التركي” الذي يمرّ تحت البحر الأسود (بطول 910 كم). وتبني روسيا حالياً أول محطة توليد طاقة نووية في تركيا، بمعنى أنها باتت تسيطر على جزء كبير من قطاع الطاقة التركي بأنواعه. فوق ذلك، أصبحت تركيا تعتمد، في دفاعاتها الجوية، على منظومات صواريخ إس 400 التي ابتاعتها من روسيا العام الماضي، بعدما سحبت واشنطن بطاريات صواريخ باتريوت من تركيا عام 2016، ورفضت طلباً من أنقرة لشراء عدد منها. وفي ظل تنامي العلاقات العسكرية بين واشنطن وأثينا، وتوجّس تركيا من أن إدارة ترامب أخذت تنحاز إلى اليونان في الصراع على الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن النفط في شرق المتوسط، ستسعى تركيا، على الأرجح، إلى استمالة روسيا إليها في هذا النزاع، وقد بدا ذلك ممكناً في ضوء الاتفاق الذي توصل إليه البلدان بشأن ليبيا.
من المستبعد، لهذه الأسباب وغيرها، توقع حصول مواجهة بين البلدين في سورية، فلا تركيا ولا روسيا تريدان تكرار سيناريو إسقاط الطائرة الروسية عام 2015، وتركيا لن تفعل ذلك بالتأكيد، في ظل تنامي حالة عدم الثقة التي باتت تميّز علاقتها بواشنطن. وتوضح السنوات الماضية مدى براغماتية السياسة التركية، وقدرة الروس والأتراك على إدارة خلافاتهما في سورية، وحتى عزلها عن بقية الملفات التي تشهد تعاوناً تركياً روسياً.
في المحصلة، لا ينبغي التعويل على الموقف التركي بخصوص إدلب، لمجرد أن نبرة الصوت صارت أعلى، فالأرجح، في ظل المصالح الكبيرة التي تجمعهما، أن يتوصل الروس والأتراك إلى تفاهمات جديدة. وستكون هذه التفاهمات، كما درجت العادة، على حساب السوريين الذين دفعوا أثماناً كبيرة، وما زالوا، نتيجة تحوّل بلادهم إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مكشوف، إلى درجة بات معها استمرار هذا الصراع ضرباً من العبث المُطعَّم بالجنون. أما توقع حصول مواجهة بين الكبار في عصر انهيار الأخلاق، فليس إلا وهماً يغذيه الأمل، فهؤلاء يجيدون القتال حتى آخر قطرة من دماء الآخرين.
المصدر العربي.الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا