fbpx

حصاد التدخل الروسي في سوريا بعد 5 سنوات

قبل عام 2015، كانت روسيا لاعباً غير ذي أهمية إلى حد كبير في الشرق الأوسط، حيث كانت تفتقر إلى الوسائل أو المصداقية لممارسة تأثير ذي مغزى على غيرها من الدول، ناهيك عن المنطقة ككل.

ورغم ذلك، تغير كل شيء عندما تدخّل الكرملين عسكرياً في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015 في عملية زعم حينذاك أنها تهدف إلى «مكافحة الإرهاب». بدأ التدخل الروسي بالتنسيق الوثيق مع إيران بدعوة صريحة من دمشق في وقت كان فيه نظام بشار الأسد على حافة الانهيار الداخلي. وفي غضون عام، قلبت روسيا مجرى الأزمة السورية، وخلقت ظروفاً أصبح فيها الإجهاد الغربي الذي كان خفياً في البداية واضحاً بشكل متزايد.

منذ ذلك الحين، تزايدت مصداقية روسيا ونفوذها في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ. وعلى الرغم من أن موسكو لا تزال أبعد من أن تكون منافساً أو نظيراً للولايات المتحدة، فإن سلوكها العدواني وردودها السريعة والاتساق بين كلماتها وسياستها قد وفرت لها نفوذاً أكبر مما كان يمكن أن تولده قدراتها الواقعية. بصراحة، تمكنت روسيا من تحقيق الكثير في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة «بثمن بخس».

ففي خلال اندفاع روسيا الأخير في المنطقة، كان المبدأ المعلن الذي يشكل أساس الكثير من سياستها في الشرق الأوسط هو مبدأ مناهضة التدخل وعدم التدخل. وعلى الرغم من أن هذه الكلمات تبدو جديرة بالثناء، فإنها غطاء لهدف جيوسياسي أكثر خبثاً هو تحدي التفوق الأميركي وتقويضه، وتأسيس حلف من الحلفاء والشركاء الذين من المرجح أن يثقوا ويعملوا مع موسكو على حساب واشنطن. فعلى الرغم من أن روسيا، شأن الكثير من الدول الأخرى، عارضت أو تشككت في تدخلات أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، فقد كان اهتمامها بقضايا مثل سيادة الدولة القومية مرتبطاً بشكل مباشر بعدم ثقتها ومعارضتها العدوانية للسياسة الأميركية والنفوذ الإقليمي.

وعلى الرغم من وصف تدخلها في سوريا بأنه مدفوع بالرغبة في محاربة الإرهاب، فإن المرحلة الأولى من العمليات الروسية في أواخر عام 2015 ركزت على مهاجمة المعارضة السورية الرئيسية، المدعومة في ذلك الوقت بتحالف من الدول بقيادة الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، فإن الجماعات الإرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» لم تتأثر كثيراً بالضربات الروسية، وبالتالي تكشفت الدوافع الحقيقية لروسيا ليراها الجميع. في الأشهر والسنوات التي تلت ذلك، استمرت معارضة روسيا الحاسمة للسياسة الأميركية في دفع عملية صنع القرار، سواء في منع المساعدات الإنسانية عن الملايين المحتاجين أو في تشجيع الغارات التركية سواء داخل أو تجاه الأراضي المناطق التي تحميها الولايات المتحدة أو في نقض الكثير من قرارات مجلس الأمن الدولي.

على الرغم من أن الشكل العام لسياسة روسيا في سوريا قد تعرضت للانتقاد من قبل الكثيرين، فإن تأثير تلك السياسة كان واضحاً بشكل كبير. لقد اجتمع الاتساق الدبلوماسي القوي والعمل العسكري الوحشي الذي لا يرحم والجرعة الكبيرة من الخداع مع المعلومات المضللة، لتساهم تلك العناصر مجتمعة في هزيمة خصوم روسيا الكثيرين وترهيبهم، بل والتغلب عليهم. ففي غضون عام من تدخلها في سوريا، كان وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري يسعى للتوصل إلى حل وسط مع نظيره سيرغي لافروف، وبعد ستة أشهر، كان المسؤولون الأميركيون يستعدون لتأييد اقتراح روسيا «لخفض التصعيد»، وهي استراتيجية يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها غطاء لتقسيم وقهر جماعات المعارضة السورية.

منذ ذلك الحين، وصل التدخل الغربي في أزمة المعارضة والنظام إلى حده الأدنى، وهو ما جرى تجاوزه في تحالف آستانة الثلاثي: الروسي – التركي – الإيراني.

وكما تُتهم روسيا بالتدخل في السياسة الداخلية لأميركا وسياسة الكثير من الحلفاء الأوروبيين، فإن وعيها بالاتجاهات السياسية المحلية الغربية سيكشف بوضوح عن فرصة ثمينة لاستغلال الإعياء المتزايد الناجم عن التدخلات الطويلة الأمد والمعقدة في الخارج.

وسواء نظرت إلى عرض روسيا مكافآت مالية لـ«طالبان» لقتل أفراد أميركيين في أفغانستان أو نشر مقاتلي «فاغنر» في ليبيا لدعم جيش خليفة حفتر الوطني الليبي، فإن هدف روسيا هو الدخول لملء الفراغ المتزايد لتحدي السياسة الغربية وخلق مستنقعات تستنزف الموارد الغربية وتقوض السياسة الخارجية الغربية، وتوفر فرصاً يمكن لروسيا الاستفادة منها.

مع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة للتدخل الروسي في سوريا، أصبح لدى الكرملين الكثير للاحتفال به. يمكن القول الآن، إن روسيا هي صانع القرار الرئيسي والوسيط في سوريا، وقد عززت علاقاتها بشكل كبير مع إيران وتركيا وإسرائيل ومصر والكثير من دول الخليج.

قضت صناعة الأسلحة الروسية سنوات عدة في اختبار أنظمة أسلحة جديدة في سوريا، وكثير منها يجري تسويقه بنشاط في جميع أنحاء المنطقة. منذ عام 2017، لم تفعل إدارة ترمب شيئاً يذكر للرد بشكل هادف على روسيا، ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة بعد ثلاثة أشهر فقط، لا يزال من الصعب التنبؤ بمستقبل هذه الديناميكية.

ورغم ذلك، وفي حين أن روسيا ربما تكون قد حققت بعض المكاسب البارزة على المدى القصير منذ تدخلها في سوريا، فإن النصر الاستراتيجي لا يزال بعيداً في الأفق. في واقع الأمر، قد تصبح المستنقعات ذاتها التي سعت روسيا إلى زج الغرب إليها حقيقة واقعة بالنسبة لها في سوريا وليبيا، حيث يبدو أن النجاحات الأولية تفسح المجال لمواقف معقدة ومستعصية على نحو متزايد.

ففي ليبيا، أدى التصعيد التركي في الدفاع عن حكومة الوفاق الوطني إلى إضعاف كل مكاسب حفتر؛ مما أدى بالأزمة إلى طريق مسدود مكلفة للجيش الوطني الليبي.

وفي سوريا، ربما جرى إنقاذ الأسد من هزيمة محتملة، لكن الوسائل التي تم بها تأمين بقائه في السلطة تركت سوريا مجرد جثة ذات اقتصاد مشلول وحكومة منبوذة عالمياً في أحسن الأحوال.

إن مسببات عدم الاستقرار الآن في تزايد في جميع أنحاء سوريا، حيث يستمر نظام الأسد في إفساد كل مبادرة سياسية، بما في ذلك تلك التي تدعمها روسيا نفسها. فمع عدم وجود ضوء في نهاية الأنفاق الليبية أو السورية، قد تكون «التدخلات الروسية المناهضة للتدخل» معقدة ومكلفة مثل التدخلات التي قادتها الولايات المتحدة والتي عارضتها روسيا بشدة في الماضي.

المصدر الشرق.الأوسط


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا