fbpx

علامات استفهام حول زيارة وفد فتح إلى سوريا

على نحو مفاجئ وغير معلن قام وفد رفيع من حركة فتح بزيارة العاصمة السورية دمشق الإثنين الماضي بحجة استكمال الحوار الوطني مع قادة الفصائل الفلسطينية المقيمين هناك. الزيارة بدت لافتة وأثارت علامات استفهام لعدة أسباب تتعلق بدلالات الزمان والمكان، كما بعقد فتح نفسها لقاء موسع مع الفصائل برام الله الأحد الماضي أي قبل يوم فقط من التوجه إلى دمشق.

ترأس وفد فتح أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب ورافقه عضو اللجنة روحي فتوح المقرب من الرئيس محمود عباس. والوفد نفسه كان حاور نظيره من حركة حماس في إسطنبول نهاية الشهر الماضي، حيث تم التوصل إلى تفاهمات حول إجراء الحزمة الانتخابية الكاملة التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني – برلمان المنفى – خلال ستة شهور مع الشروع الفوري في حوار ثنائي وموسع حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكيفية إعادة بناء منظمة التحرير بعد الانتخابات لتمثل الفلسطينيين كافة.

إذن أثارت الزيارة علامات استفهام عديدة حيث لم تكن مجدولة مسبقاً وأعلن عنها جبريل الرجوب الأحد، أي قبل يوم واحد من التوجه إلى دمشق فقط. وكان جرى الحديث بعد حوار إسطنبول عن عقد اجتماع آخر للأمناء العامين للفصائل أوائل تشرين أول/ أكتوبر الجاري، على أن يعقبه صدور مرسوم رئاسي بإجراء الانتخابات مع استمرار الحوار طبعاً حول كل النقاط الأخرى على جدول الأعمال بما فيها المقاومة الشعبية والبرنامج السياسي التوافقي الذي يكرّس الشراكة ويتيح إدارة أنجع للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

في تبرير الزيارة قيل إنها تهدف أساساً إلى لقاء قادة الفصائل الشعبية والديموقراطية والقيادة العامة والصاعقة والجهاد الإسلامي. وهنا ثمة علامة استفهام كبيرة لأن فتح عقدت الأحد الماضي لقاء موسع بمدينة رام الله مع الفصائل الفلسطينية حول نفس النقاط، وكان بالإمكان دعوة الجبهتين الشعبية والديموقراطية حيث يقيم قادة بارزون منهما في المدينة ويشاركون عادة في اجتماعات القيادة الفلسطينية التي تعقد هناك برئاسة محمود عباس، وبالتالي لا يمكن

تصور أن يسافر الرجوب ووفد فتح إلى دمشق من أجل لقاء قادة القيادة العامة والصاعقة، وحتى الجهاد الإسلامي التي لم تعد فصيلاً مركزياً ومؤثراً في الساحة الفلسطينية رغم صخب الحشد الشعبي الإعلامي الإيراني الداعم لها، مع التحاقها شبه التام بإيران وسياساتها في المنطقة.

أعتقد أن مجرد التفكير بإشراك القيادة العامة والصاعقة في الحوارات الوطنية إشكالي بحد ذاته، كونهم لا يتمتعون بأي حضور جماهيري حقيقي أو تأثير سياسي جدي لا في الداخل ولا في الخارج، وانخراطهم مع نظام بشار الأسد في حربه الإجرامية ضد الشعب السوري ينزع بالتأكيد الصفة الوطنية الفلسطينية عنهم وحتى مع التأييد السياسي “الخاطىء والمدان” لبعض الفصائل الفلسطينية للنظام، إلا أن المشاركة في جرائم الحرب أمر لا يمكن تبريره أو قبوله، خاصة مع الحديث الفتحاوي عن القرار المستقل والأجندة الوطنية الخالصة لمواجهة التحديات الراهنة ومن الناحية الأخلاقية والسياسية وحتى الواقعية لا مكان بالتأكيد للقيادة العامة والصاعقة في تلك المواجهة.

إلى ذلك بدا لافتاً أن اللقاء مع الجهاد الإسلامي عقد في بيروت وليس في دمشق ما يعنى أن اللقاءات مع بقية الفصائل كان يمكن أن تجري أيضاً في العاصمة اللبنانية ما يوصلنا إلى حقيقة أن الهدف الحقيقي لعباس وفتح تمثل بزيارة دمشق لا لقاء الفصائل كما زعموا.

وهذا ينقلنا بالطبع إلى سؤال منطقي آخر عن الأسباب الحقيقية لحرص الرئيس عباس على إرسال وفد فتحاوي رفيع إلى دمشق في هذا الوقت بالذات.

فيما يتعلق بالزمان بدت الزيارة بمثابة ردّ على حوار إسطنبول بين فتح وحماس، حيث سعى الرئيس عباس للقول إن حوار إسطنبول لا يعني انضمامه إلى “المحور التركي” أو قطيعة مع الدول العربية التي تخوض معركة سياسية وإعلامية مع تركيا.

وهنا ثمة رسالة صريحة من عباس للأنظمة العربية الأربعة السعودي والإماراتي والمصري والأردني التي اعترضت على حوار إسطنبول، وتعتبر نظام الأسد واحداً منها، خاصة مع عدائه لتركيا وحملته السياسية الإعلامية ضدها. وعباس واثق طبعاً أن تلك الأنظمة تعتبر التقرّب من نظام الأسد بمثابة تقرباً منها، أيضاً وستعتبر الزيارة تأكيد من السلطة الفلسطينية “رغم الخلافات والتباينات السياسية الأخيرة” على عضويتها في المنظومة الرسمية التي ينتمي إليها الأسد حتى مع تعليق عضويته في الجامعة العربية.

وفد فتح حرص طبعاً على تبنى رواية بشار الأسد والأنظمة العربية الداعمة له تجاه الثورة السورية ومجريات الأحداث فيها خلال السنوات الماضية، حيث اجتمع جبريل الرجوب مع نائب وزير خارجية النظام فيصل المقداد مستخدماً لغة منافقة عبر تقديم التهاني بمناسبة ما حققه النظام “البائس والمأزوم” من انتصارات مزعومة مع حديث مكرر ومبتذل عن محاربة الإرهاب في كامل الأراضي السورية، رغم أن النظام يمثل جذر الإرهاب وتجلياته عبر جرائمه الموصوفة ضد البشر والحجر في سوريا.

وفد فتح سعى كذلك لتأكيد فكرة اللقاء الفصائلي الموسع في القاهرة بعد دمشق، ولكن على قاعدة أن الحوار فلسطيني داخلي ولا يحتاج إلى رعاية، وإنما إلى استضافة فقط كما حصل في دمشق وبيروت وقبل ذلك في إسطنبول.

وهنا لا تبدو قاهرة السيسي الداعمة للتطبيع العربي الإسرائيلي وصفقة القرن الأميركية الهادفة أساساً إلى تصفية القضية الفلسطينية “بثوابتها الرئيسية الثلاثة القدس واللاجئون والحدود”، والصامتة

عن خطة الضمّ الإسرائيلية التي تقول السلطة عن حق أنها ما زالت على جدول الأعمال مكاناً ملائماً للحوار الفلسطيني المفترض أن يبلور الخطط والاستراتيجيات الوطنية لمواجهة التطبيع العربي والصفقة الأميركية والخطة الإسرائيلية.

باختصار بدت زيارة وفد فتح إلى دمشق وكأنها تعبير عن طبع السلطة بصفتها جزء من المنظومة العربية الرسمية بعيداً عن التطبع الذي شاهدناه في الفترة الأخيرة. وتبدي في الحديث عن مواجهة تلك المنظومة الداعمة بوقاحة وفجاجة للتطبيع وصفقة القرن، كما شاهدنا في الاجتماع الأخير للجامعة العربية عندما تم إسقاط مشروع قرار فلسطيني يدين التطبيع والخروج السافر عن مقررات الجامعة ومحددات الإجماع العربي تجاه القضية الفلسطينية.

عموماً وفي الأخير يمكن القول باختصار أن مشهد زيارة وفد فتح إلى نظام الأسد، وما طرحه خلالها من مواقف يؤكد أن الطبقة السياسية الفلسطينية حتى مع افتراض امتلاكها الإرادة لمواجهة التطبيع والصفقة الأميركية إلا أنها لا تملك القدرة على ذلك كونها ما زالت تتصرف بنفس الذهنية التي أوصلت فلسطين والعالم العربي إلى الواقع الراهن. وببساطة لا يمكن تحقيق أي شيء مع الأسد الفاقد للشرعية قاتل السوريين والفلسطينيين، ومدمّر مدنهم وبلداتهم ومخيماتهم والصامت عن التطبيع مع إسرائيل، بل المستعد له والساعي نحوه، ولا مع السيسي الانقلابي وغير الشرعي أيضاً والمتواطؤ علناً مع الخطط الأميركية والإسرائيلية التي تريد القيادة الفلسطينية عقد اجتماع فصائلي موسع في القاهرة لمواجهتها.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا