fbpx

“عمر بن الخطاب” في الإعلان السياسي لحزب “الجيد” التركي

أثار الإعلان السياسي الأخير الذي طرحه حزب “الجيد” التركي بعنوان “طريق عمر”، جدلاً واسعاً في الوسط السياسي التركي، إذ اختلفت الآراء بين مؤيد للإعلان ينظر له كوسيلة جيدة للانفتاح على القاعدة الانتخابية المحافظة والمتدينة أو ما يطلق عليها اصطلاحاً “يمين-الوسط”، وبين معارض للإعلان ينظر له كخطاب يميني يبعد الحزب عن “سياسة المركز” الذي يدعي تبنيها.

وركز الإعلان المرئي في بدايته، على شعار العدالة لدى الخليفة عمر بن الخطاب، ومحمد الفاتح، في صيانتهما لحقوق غير المسلمين في زمانهما، وشعار العدالة لدى مصطفى كمال أتاتورك وقيادته لحرب الاستقلال وتأسيسه الجمهورية، ومن ثم استعرض أبرز الانجازات والصفات التي عُرف بها عدة سياسيون تُرك منهم من يُمثل خط “يمين-الوسط” مثل: سليمان دميرال وتورغت أوزال، ومنهم من يُمثل خط اليسار-القومي مثل: بولنت أجاويد، في حين يمثِّل نجم الدين أربكان خط “الملي غورش (الإسلاموي)”، وألبرسلان توركش الخط القومي التركي. ويُضاف إلى ذلك، إلحاق شخصيات يمينية أخرى في الإعلانات الملصقة في شوارع المدن التركية، كعدنان مندريس ومحسن يازجي أوغلوا؛ عدا عن كون الشخصية اليسارية الأبرز في الإعلان، بولنت أجاويد، تمتلك رصيداً شعبياً في الوسط اليميني أيضاً، نظراً لقيادته العملية العسكرية في قبرص في منصف سبعينيات القرن الماضي.

وفي هذا السياق، تثُار تساؤلات عدة حول جمع رمزية شخصيات سياسية قادمة من خلفيات أيديولوجية مختلفة – غالبها يمينية –  في خطاب حزب “الجيد”، وهو حزب ذو خلفية قومية تركية تأسس على يد شخصيات سياسية انشقت عن الحركة القومية.

 ومع ذلك، يبدو هذا طبيعياً من الناحية الأيديولوجية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحياة السياسة لرئيسة الحزب، ميرال أكشينار، والتي بدأت حياتها السياسية في حزب الطريق القويم اليميني، وأصبحت وزيرة للداخلية في الحكومة التي أسسها نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاه آنذاك بالتحالف مع حزب الطريق القويم في النصف الثاني من تسعينيات القرن المنصرم، وذلك قبل انضمامها للحركة القومية عام 2001.

بالمقابل، يبقى استخدام الرمزية الاسلامية التاريخية لشخصية عمر بن الخطاب في الإعلان السياسي، هي  النقطة الاستثنائية التي يجدر الوقوف عندها، كونها شخصية إسلامية وعربية في آن واحد، وكون حزب الجيد حزباً قومي النشأة ويشكل القوميون الترك النسبة الأكبر من شريحة ناخبيه في الاستحقاقات الانتخابية السابقة؛ لا سيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحساسية الموجودة لدى شريحة واسعة من القوميين الترك تجاه العرب والمنطقة العربية، لأسباب عديدة تغلب عليها الذاتية أكثر من الموضوعية. يُضاف إلى ذلك الحساسية الموجودة لدى “العلمانيين/اللائكيين” من هذه الفئة تجاه الرموز الدينية، خصوصاً عند استعمالها في الخطاب السياسي، نظراً للقلق التاريخي الموجود لديهم من أن يشكل هذا الخطاب خطراً على علمانية الدولة.

وعليه، قام الإعلان بجمع رمزيتي عمر بن الخطاب ومصطفى كمال أتاتورك تحت شعار “لن نحيد عن طريق عمر وأثر أتاتورك”، في سعيه للتخفيف من حدة  الحساسية لدى شريحته الأصلية، بالتوازي مع سعيه لجذب شرائح انتخابية مختلفة. وفي ذات السياق، يُشير فاروق أجار – أحد خبراء الاتصال السياسي الذي ترك العمل مع حزب العدالة والتنمية مؤخراً لينتقل للعمل مع حزب الجيد – والذي يُعتبر “مهندس” حملة الإعلان السياسي الأخيرة لحزب الجيد؛ إلى أن حزب “الجيد” أُسس بهدف التموضع كحزب “مركز”، إلا أنه حتى الآن لاقى دعماً من قاعدة “علمانية” بشكل أكبر، وأن هدف حملة “طريق عمر” هو إنشاء خطاب متكامل مستند على سياسة المركز.

وفي تعليقه على الانتقادات التي  وجِّهت للحملة من قبل العديد من الشخصيات البارزة في الوسط العام، أشار أجار إلى أنهم “لم يقوموا بتصميم الحملة بحسب ما يريد خبراء التواصل وقادة الرأي سماعه، وإنما بحسب ما يريد المواطن والجمهور سماعه”. كما يعتبر أجار بأن الانتقادات التي وُجهت للحملة طبيعية، مؤكداً أن “هدف الحملة ليس فقط تويتر، بل أي قرية موجودة في ساحل البحر الأسود أو مرتفعات البحر المتوسط، أو أي مطعم موجود شرق تركيا، باختصار هي حملة تُرسل رسائل يسهل فهمها في جميع أنحاء تركيا”.

لذلك، وبالأخذ بعين الإعتبار تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، واتساع شريحة “المترددين” من الناخبين في استطلاعات الرأي الحالية، إلى جانب حقيقة أن السياسة التركية غالباً ما هيمنت عليها الأحزاب اليمينية على مستوى الاستحاقاقات الانتخابية؛ يُمكن القول بأن حزب الجيد يَسعى – حالياً –  إلى كسب شريحة المترددين على المدى القريب، ومن ثم التحول إلى حزب “يمين-الوسط” الأكبر على المدى المتوسط والبعيد. ومع ذلك، تبقى تلك المهمة صعبة، لا سيما مع التنافسية العالية بوجود عدة أحزاب تتموضع في “يمين-الوسط”، أبرزها حزب العدالة والتنمية الذي ما زال يحتفظ بقاعدة انتخابية صلبة رغم تراجعها، وكل من حزبي المستقبل بقيادة أحمد داوود أوغلو، والديمقراطية والتقدم بقيادة علي باباجان، المنشقان عن العدالة والتنمية.

المصدر خاص - السورية.نت


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا