fbpx

قصف إدلب.. نهج روتيني “لن يتوقف” والهدف “ليس هجومياً”

انتهت محادثات “أستانة” بجولتها 16 قبل أيام، وعلى خلاف ما تضمنه بيانها الختامي لم يتوقف التصعيد العسكري بالقصف على محافظة إدلب ومحيطها، ما يفتح باب تساؤلات عن أسبابه الرئيسية والأهداف الكامنة من ورائه.

ويتنوع القصف ما بين المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، فضلا عن ذاك الذي تنفذه الطائرات الحربية الروسية، حيث تقصف جيئة وذهاباً من جبل الزاوية في الريف الجنوبي لإدلب، ووصولاً إلى القرى والبلدات الواقعة في الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية.

وفي الأيام التي سبقت “أستانة 16” كانت معظم المعطيات السياسية والميدانية تشير إلى أن التصعيد يعتبر بمثابة “ورقة ضغط” تضعها موسكو على الطاولة من أجل فرض مواقفها أمام المجتمع الدولي من جهة، وأمام نظيرتها في المسار المذكور (تركيا).

لكن استئناف الضربات في اليومين الماضيين أعطى صورة مختلفة عما سبق، وطرح عدة أسئلة، بينها ما الذي تريده روسيا من التصعيد؟ وما الأهداف التي تتطلع إليها من ورائه؟ وهل يعتبر ذلك تمهيداً لأي هجوم عسكري مرتقب؟

“تنوع في الاستهدافات”

بمجملها تسفر الضربات الجوية أو المدفعية والصاروخية عن ضحايا مدنيين، فضلاً عن دمار كبير في الأبنية السكنية من جهة وفي المراكز الحيوية، كقطاعات “الدفاع المدني السوري” وأخرى المتعلقة بما يحتاجه الناس يومياً من جهة أخرى.

وفي إحصائية حديثة لـ”الدفاع المدني” فقد وثق مقتل 54 شخصاً خلال شهر يونيو/حزيران الماضي والأسبوع الأول من يوليو/تموز الحالي، من بينهم 11 طفلاً وعشر نساء، كما أصيب أكثر من 148 شخصاً.

من جانبه نشر مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” ورقة قدم فيها قراءة في هجمات روسيا ونظام الأسد على محيط الطريق الدولي (m4) في إدلب خلال شهري مايو ويونيو الماضيين.

وذكر المركز أن سلاح المدفعية الخاص بنظام الأسد كان الأكثر استخداماً في حملة التصعيد، تليه غارات الطيران الروسي، ومن ثم ضربات مضاد الدروع.

وتعتبر ضربات مضاد الدروع أداة للقوى الموالية لإيران (الفرقة الرابعة والدفاع المحلي)، بحسب المركز.

وتضيف ورقته أنه وباستعراض نتائج القصف يتضح “البعد العشوائي” فيها. لكن ذلك لا ينفي أنها تأتي ضمن سياسة خلق الفوضى والاضطراب كمرحلة سابقة سواء لتحصيل تنازلات من الفواعل الأخرين أو كتمهيد محتمل لأي عمل بري.

وفي مقارنتها بين شهري مايو ويونيو الماضيين، تشير ورقة المركز إلى أن الأخير تميز عن الأول بأن 96% من الاستهدافات فيه كانت ضمن حدود منطقة “خفض التصعيد”.

ويتم ذلك بالتزامن مع التلميحات الروسية حول اقتراب العمل العسكري من جبل الزاوية، وذلك كنوع من الضغط من جهة ولتحقيق انفراجات اقتصادية متخيلة تحسن من ظروف النظام الاقتصادية من جهة أخرى، بحسب الورقة البحثية.

“نهج روتيني”

وبينما تصر موسكو على تنفيذ كافة بنود الاتفاقيات الخاصة بإدلب، بحسب تعبير مسؤوليها يغيب موقف تركيا من ذلك، وهي “الدولة الضامنة” التي كانت قد اتجهت خلال العامين الماضيين إلى نشر آلاف الجنود والعربات العسكرية على جبهة ممتدة على طول الطريق الدولي حلب- اللاذقية، المعروف باسم “m4”.

ويحكم مشهد محافظة إدلب اتفاق توصل إليه الرئيسان التركي والروسي رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في مارس/آذار 2020، ونص حينها على إنشاء منطقة منزوعة السلاح على طرفي “m4”.

وجاء ضمن بنود الاتفاق أيضاً أن يتم تسيير دوريات مشتركة على طول الطريق، وهو الأمر الذي حصل بالفعل لأشهر ليتم تعليقه بعد ذلك من جانب روسيا، تحت مبرر “الاستهدافات الإرهابية” التي تعرضت لها قواتها.

الباحث في مركز عمران، نوار شعبان يقول إن القصف على محافظة إدلب “لن يتوقف”، حيث بات أسلوب تنتهجه مدفعية نظام الأسد، وتشكيلاته العسكرية المختلفة.

ويشير شعبان في حديث لموقع “السورية.نت” إلى نوع آخر من الاستهدافات، تنفذه ميليشيات موالية لإيران من خلال صواريخ “التاو” (المضادة للدروع)، في خطوة تشي بـ”الدور التخريبي الذي تلعبه إيران”.

ويضيف الباحث أن الهدف من القصف يرتبط بنية نظام الأسد “تفريغ المنطقة الجنوبية لإدلب من المدنيين”، مستبعداً أن يرتبط التصعيد بأي عمل عسكري أو هجومي على المحافظة.

وبوجهة نظر شعبان فإن الجولة الأخيرة من محادثات “أستانة” جاءت من أجل “إنعاش اتفاق وقف الهدنة”، مشككاً خلال حديثه أن يتم استئناف تسيير الدوريات المشتركة بين الروس والأتراك.

وكانت “السورية.نت” قد تحدثت مع محليين وناشطين إعلاميين من إدلب قبل يوم من اتفاق “أستانة”، وتوقعوا أن يكون التصعيد مرتبطاً بـ”أستانة 16” وجلسة مجلس الأمن التي تم التصويت فيها على تمديد إيصال المساعدات عبر معبر “باب الهوى” لمدة عام كامل.

لكن تلك التوقعات خالفها الواقع الميداني الذي فرض عقب الجولة المذكورة، لتوسع قوات الأسد وروسيا دائرة قصفها المدفعي والجوي، ليصل إلى منطقة “جبل الأخضر” في جبل الأكراد بريف اللاذقية.

بدوره يؤكد الباحث، نوار شعبان أن القصف ما يزال عشوائياً، ويهدف إلى “الاستنزاف أكثر وتفريغ المنطقة” من سكانها.

“لا هجوم بري”

وحتى الآن لا يوجد أي بوادر هجوم من جانب نظام الأسد وروسيا على محافظة إدلب، على خلاف الفترات التي سبقت الأعمال العسكرية السابقة، مطلع عام 2020.

المحلل المختص بالشأن الروسي، سامر الياس يستبعد أن تشن روسيا حملة عسكرية واسعة على إدلب، أو تمنح نظام الأسد “الضوء الأخضر”.

ويقول الياس في حديث لـ”السورية.نت” إن “خطوط التماس في سورية شبه ثابتة منذ مارس/آذار 2020، وهناك كلفة بشرية عالية لأية حملة واسعة”.

ويضيف المحلل أن “تدفق جديد للاجئين الذي سيتبع أي حملة عسكرية من شأنه أن يضر كثيراً بعلاقات روسيا مع أوروبا الخائفة من تكرار أزمة اللجوء في 2015 و2016”.

ويتابع: “أعتقد أيضاً أن أية حملة واسعة تعني انهيار الاتفاقات والتفاهمات الروسية التركية السابقة وتردي العلاقات بينهما وهو ما لا تريده روسيا المتمسكة بمسار أستانة، الذي تسوقه على أنه المسار الوحيد الذي حقق تقدماً في مجال التسوية على عكس مسار جنيف”.

والأرجح بحسب “الياس” أن روسيا تضغط لتنفيذ تفاهمات أردوغان- بوتين، بشأن فتح الطرق الدولية، وإنشاء “منطقة عازلة” على جانبيهما وهذا يصب في مصلحة روسيا التي تريد إنعاش اقتصاد النظام عبر فتح طرق التجارة.

ويتقاطع حديث الياس مع المعلومات التي نقلها الصحفي في قناة “روسيا اليوم”، سرجون هدايا عن مصادر لم يسمها.

وقال هدايا عبر “تويتر” قبل أيام: “لا عملية عسكرية حالياً في إدلب، والوضع هناك دقيق جداً. العمل العسكري يعني مواجهة مباشرة مع الجيش التركي ونزوح عدد كبير من السكان”.

ماذا عن فصائل المعارضة؟

على الطرف المقابل من المشهد هناك رواية واحدة من جانب فصائل المعارضة السورية، حيث تقول إنها تنفذ ضربات على مواقع قوات الأسد وروسيا، وذلك رداً على حملة التصعيد المستمرة.

وإلى جانب القوات التركية في ريف إدلب الجنوبي تنتشر قوات لـ”الجبهة الوطنية للتحرير” وأخرى تتبع لـ”هيئة تحرير الشام”.

الناطق باسم “الجبهة الوطنية”، ناجي مصطفى قال إن “الفصائل العسكرية ردت على المجازر التي ارتكبتها قوات النظام وروسيا بقصف المواقع العسكرية الاستراتيجية التي انطلقت منها القذائف الصاروخية الموجّهة بالليزر”.

وتنحصر الأهداف التي تم استهدافها، بحسب مصطفى في مدن وبلدات: كفرنبل، خان السبل، جورين، معصران.

وأضاف في حديث لموقع “السورية.نت”: “حققت إصابات مباشرة في صفوف قوات النظام، وأدت إلى قتل وجرح عناصر وتدمير آليات”.

ويشير مصطفى إلى أن الفصائل “مستعدة لأي سيناريو محتمل من قبل نظام الأسد وروسيا، في وقت تزيد فيه من جاهزيتها من خلال الإعداد والتجهيز وإنشاء المعسكرات”.

المصدر السورية.نت
قد يعجبك أيضا