قمة جدة.. عودة الضال وفقدان البوصلة

لم يكن قرار مجلس الجامعة العربية بعودة الأسد مُفاجئاً، بل جاءت المفاجأة من تسارع الجهود العربية لفتح مسار سياسي يعتبر عودة التواصل مع الأسد هو بداية عمله ويؤدي إلى وجود حل في سوريا، مع أن ماهية هذا الحل بقيت ضبابية بين تصريحات المسؤولين العرب إلى “أن سوريا يجب أن تعود إلى وضعها الطبيعي” أو إنهاء الأزمة السورية أو حتى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

كان مؤتمر عمان الذي سبق قمة جدة والتصريحات المرافقة له توحي بعدم وجود رؤية واضحة لخريطة طريق للحل السياسي، ولكن الاتفاق الوحيد المُنجز هو أنه يجب عودة الأسد إلى الجامعة العربية، وأن ورقة تجارة الأسد بالكبتاغون كانت ناجعة في أن تعيده إلى حضن ما سواء كان عربياً أو غربياً، لأن الأوراق المشابهة كانت فاعلة خلال حكم الأسد الأب والابن، ابتداءً من تهديد الأمن القومي التركي عبر دعمه حزب العمال الكردستاني وإعادة الكرة في دعمه لقوات سوريا الديمقراطية حالياً لإجبار تركيا للتواصل معه من جديد، مروراً بصناعته وتمويله للجماعات المتطرفة في العراق التي جرَّت أميركا لإعادة علاقتها معه لضبط تلك الجماعات وتسليم تفاصيلها.

ما قبل قمة جدة.. تجارة بالمعلومات وابتزاز سيستمر

بعد التقارب الأميركي مع الأسد عقب دفعه نحو إيقاف توجه المقاتلين من سوريا إلى العراق بعد الغزو الأميركي، كانت الورقة الأساسية التي قدمها هي معلومات المتطرفين الذين وصلوا إلى العراق، ونفس الأمر بدت ملامحه بعد اجتماع عمان في بداية أيار 2023، حيث كانت نتائجه أن نفذ الأردن أولى ضرباته الجوية ضد أحد تجار المخدرات على الحدود السورية الأردنية، بالتزامن مع عروض سعودية بتقديم 4 مليارات دولار لنظام الأسد على هيئة مساعدات إنسانية، ولكن جوهرها يكمن في تشجيع الأسد على إيقاف تجارة وتصنيع الكبتاغون، وخاصة بعد أن أصبحت شحنات الكبتاغون تُضبط داخل الأردن والسعودية وليس فقط على حدود البلدين، مما يوحي بتوسع شبكة تجارته لتشمل فواعل محلية في كلِّ من الأردن والسعودية تُساهم في إدخاله ثم توزعه في تلك المجتمعات.

وبناءً على ماستُقدمه البلاد العربية من دعم اقتصادي لمؤسسات الأسد بحجة الزلزال أو غيره، ومدى قدرتها على فتح ثغرات غربية لإعادة تعويم الأسد وإن كان على صعيد المؤسسات المدنية التابعة له، سينعكس هذا المساران على المعلومات والتعاون الذي سيقدمه الأسد للحد من صناعة وتجارة الكبتاغون.

قمة جدة.. الأوراق العربية الأخيرة

جاءت قمة جدة بجديدين، أولهما عودة الأسد إلى الجامعة ودعوة زيلينسكي إليها في محاولة سعودية للتأكيد على أن الدور العربي الجديد هو محور ثالث لا ينتمي إلى المعسكرين الروسي أو الأميركي، حيث كانت ردة الفعل الأميركية الباردة عقب ضرب الحوثيين لمنشآت أرامكو في السعودية عام 2019 هي النقطة الفاصلة التي جعلت المملكة تُفكر بشكل أوسع اتجاه علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، فبدأت تعيد حساباتها عبر إعادة العلاقات بشكل مبدئي مع إيران وإعادة قراءتها للمشهد العربي عبر محاولة صنع أدوات تحافظ بها على أمنها القومي بعيداً عن الحليف الأميركي.

كانت خطابات المشاركين في القمة مشتركة في محاور الأزمات الحالية الموجودة في المنطقة العربية، وشملت القضية الفلسطينية والسورية واليمنية والسودانية وأيضاً تفاصيل أخرى متعلقة بالأمن المائي والمناخ، وكان الاتفاق على دعم القضية الفلسطينية مشتركاً، بينما الرؤية للحل السوري جاءت ضمن 3 أنواع من التفاعلات: أولها من أكد على القرارات الأممية ومن ضمنها قرار مجلس الأمن 2254 مثل الكويت ومصر، ثانيها من أكد على مسار عمان متجاهلاً المسارات الأخرى مثل الأردن، وثالثها من أكد على الخطوط العريضة التي يجب من خلالها أن تُحل الأزمة السورية مثل الحل السياسي وعودة اللاجئين مثل ليبيا واليمن.

كل تلك التباينات تُفضي إلى أن حضور الأسد للقمة كان هدفاً لأكثرية البلاد العربية وليس وسيلة أو خطوة أولى ضمن رؤية أو مسار سياسي جديد، وتحقيق  هذا الهدف كان من أجل إعادة الأوضاع إلى ما قبل 2011 في كل البلدان العربية سعياً للتمترس وانتظار نتيجة تجاذبات القوى الروسية والأميركية، وهذا ما أكده خطاب الأسد وتصريحاته الصحفية قبل المؤتمر بعد لقائه مع قيس سعيد وإشارته إلى أن ما حدث في تونس كان عابراً ولم ينجح المخطط بأن يتم استغلال تونس لكي تكون نموذجاً للفوضى، وبالتالي كان توجه أكثرية البلاد إلى الكُفر بالربيع العربي الذي تغيرت أوضاع البلاد التي انطلق منها.

ختاماً، لم يحمل بيان قمة جدة أية قيمة مضافة أو رؤية سياسية للحل، حتى غابت عنه مبادرة خطوة بخطوة أو حتى التأكيد على استمرار مسار عمان، بل كان الجزء السوري من البيان مؤكداً على الإنجاز الذي حدث بعودة الأسد، وأنه يجب أن يكون هناك تكثيف للجهود من أجل المساعدة الإنسانية لسوريا، ولا يُتوقع أن يكون هناك تغير في خريطة القوى على الأرض أو مناطق النفوذ، حيث لا تملك البلاد العربية قدرة على التأثير في المشهد الداخلي من جهة، مع عدم وجود خيارات من أجل الالتفاف على العقوبات الغربية على الأسد من جهة أخرى، خاصة بعد مشروع القرار الأميركي الأخير المتعلق بمنع التطبيع معه، الذي قد يشمل  مراقبة وصول المساعدات لمؤسسات “مدنية” تابعة للأسد وهي الأمانة السورية للتنمية مما يفتح باباً جديداً يتمثل في مراقبة ثم محاسبة ثم فرض عقوبات على أياديه المدنية التي ما زالت تتحرك بِحُرية مثل الهلال الأحمر السوري والاتحاد الوطني لطلبة سوريا، ولكن سيُفتح للأسد نوافذ اقتصادية متمثلة في إعادة التمثيل الدبلوماسي الذي يُفضي إلى فتح السفارات والقنصليات بشكل طبيعي في عدد من البلاد العربية وبالتالي عودة السفارات والقنصليات لكي تكون مصدر تمويل له عبر استمرار ابتزازها للسوريين المغتربين والمهجرين الساعين للحصول على أوراقهم القانونية.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا