fbpx

قُتل سليماني وعادت المياه إلى مجاريها

لم تمض سوى أيام قليلة على الضربة الجوية الأميركية التي أسفرت عن قتل قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، بصحبة آخرين داخل الأراضي العراقية، حتى كشف اللثام عن الحدود القصوى للنزاع أو الخلاف الأميركي – الإيراني، متمثلة أولاً بمحدودية الرد الإيراني، على الرغم من طوفان الخطابات والتصريحات الإيرانية الرسمية المزلزلة التي هدّدت أميركا بتكبيدها خسائر فادحة، سوف تؤدي لا محالة إلى قطع أرجلها في المنطقة. وثانيا عبر البيان الأميركي الذي تلاه الرئيس ترامب تعليقا على الهجوم الإيراني الذي استهدف منشآت عسكرية أميركية داخل العراق، والذي نفى وجود نية أميركية لتصعيد المواجهة العسكرية، وأكد على حصر الرد الأميركي في إطاره الاقتصادي. لتعود العلاقة الأميركية – الإيرانية إلى سابق عهدها، وكأن شيئا لم يحدث، ما يدفعنا إلى استعراض أهم الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة موجعة للجمهورية الإسلامية (قتل سليماني)، والتي حدّت من حجم الرد الإيراني كذلك وهي:
أولا، قتل سليماني في الزمان والمكان المختارين رسالة أميركية واضحة إلى مجمل الدول المنخرطة في قضايا المنطقة، بمعنى أنها رسالة إلى الأتراك والروس وإلى دول الاتحاد الأوروبي أيضا فضلاً عن الإيرانيين، بأنهم اللاعب الأهم في المنطقة والعالم، وأنهم يمتلكون القدرة الاقتصادية والعسكرية الكافية لتغيير ملامح المرحلة في أي زمان ومكان، إذا خرج أي طرف كان عن قواعد اللعبة الأمريكية.
ثانيا، لم يحقق الرئيس الأميركي ترامب نجاحا حاسما في أي ملفٍّ خارجي، كملف كوريا الشمالية، والعلاقة مع الصين وتقويض قدراتها وتمدّدها الاقتصادي واللوجستي، والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والمملكة البريطانية ضمنا، وكذلك بما يخصّ روسيا، فقد وافق على التعاون أو التشابك معها، وطبعا الملف الإيراني عموما وملفها النووي خصوصا. بل توحي غالبية هذه الملفات، سيما الملف الإيراني بتعذّر فرض الرؤية الترامبية قبل بدء موسم الانتخابات الأميركية، وهو ما قد يعرّض الرئيس الحالي لوابل من الانتقادات، والتشكيك بقدراته على فرض رؤيته وسياساته الخارجية، حتى في الأوساط الداعمة والمؤيدة له، فضلاً عن احتمال تصاعد قوة (ونفوذ) الأصوات الناقدة لسياساته الخارجية، التي تحمّله مسؤولية تقويض صورة الولايات المتحدة بوصفها قطبا عالميا أوحد. وهو ما فرض على الإدارة الأميركية، بقيادة ترامب، الإقدام على توجيه ضربة عسكرية محدودة ومحددة؛ قتل سليماني؛ تعبيرا عن امتلاك الإدارة الأميركية أدوات ضغط مؤلمة وقاسية وخطيرة، في حال فشل وسائل الضغط والعقوبات الاقتصادية، أو تعذر نجاحها، في تحقيق رغبات الرئيس الأميركي، الأمر الذي قد يدفع الأطراف المعنية إلى تقديم تنازلات سريعة تخدم رؤية ترامب الخارجية قبل حلول الموسم الانتخابي.
ثالثا، يحاول الرئيس الأميركي في جميع الملفات التي تصدّى لها داخليا وخارجيا فرض نهجه على الطرف الآخر، عبر تصعيد الخلاف والصدام معه إلى حدودٍ تقارب القطيعة الكاملة والمواجهة المباشرة التي تصعب العودة عنها، كي يفرض عليه الرضوخ، ولو نسبيا، كالتلويح بحربٍ نووية مع كوريا الشمالية، وفرض الرسوم والعقوبات على الاقتصاد والبضائع الصينية، إلى أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة على خلفية الخلاف مع الديمقراطيين، فغالبا ما يدفع هذا التصعيد الطرف الآخر إلى الخشية من تحوّل الخلاف مع ترامب إلى خلاف مع أميركا، بحيث تتخطّى أبعاده فترة ترامب الرئاسية، ويؤثر على مستقبل العلاقة بشكل كبير، ما يجبر خصوم ترامب على طي صفحة التعنت، وتقديم تنازلاتٍ طفيفةٍ، تفتح الباب أمام مفاوضاتٍ وحواراتٍ مباشرة معه، كي يتفادوا خروج الأمور عن السيطرة. وهو ما يبدو أن ترامب قد تعمد فعله اليوم عبر تصعيد الأمور باغتيال سليماني، على أمل أن يبث هذا التصعيد الذعر في قلوب قادة إيران، ويدفعهم إلى الرضوخ لبعض شروطه، حتى لو اقتصر الأمر على بدء التفاوض المباشر أو غير المباشر بصورةٍ علنية وصريحة في غضون بضعة أسابيع.
رابعا، تعتبر المرحلة الراهنة، والتي سبقت قتل سليماني، من أخطر المراحل التي تواجهها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من العقوبات الاقتصادية الأميركية إلى تمدّد النفوذ الإيراني وتصاعد تكلفته، إلى تعدّد القوى والأطراف التي تنافس إيران، كالأتراك والروس، ومروراً بأعداء إيران المباشرين، دولا وقوى ومليشيات عسكرية وسياسية، ما يجعل من تكلفة المواجهة الطويلة مع الولايات المتحدة الأميركية باهظة جداً، مهما كانت درجتها ومستواها وطبيعتها ونتيجتها المباشرة، فهي، في أحسن الأحوال، سوف تؤدي إلى مزيد من إنهاك القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية الإيرانية، الرسمية وغير الرسمية، ممثلة بالمليشيات الطائفية التابعة لها، الأمر الذي سوف يضعف قدرتها على فرض أجندتها على سائر القوى المتنافسة معها في المنطقة.
خامسا، تتسم العلاقة الأميركية – الإيرانية بالتناقضات الصارخة بين التوافق أو الخلاف المطلق، وفقا لكل ملف ومراحله الزمنية، فعلى الرغم من التنافس بينهما في بعض الملفات والمواقع إلا أنهما مكملان لبعضهما بعضا إلى درجةٍ يصعب الفصل بينهما، بين حاجة النظام الإيراني لاستمرار الوجود والدور الأميركييين في المنطقة، كي يسهل عليها تعبئة جمهوره بخطاب العداء لأميركا وتسييره، بما يخدم مصالحها غير المعلنة، وحاجة أميركا للدور الإيراني، من أجل تفتيت المنطقة سياسيا واجتماعيا على أسسٍ طائفية، ما يجذّر الخلافات والصدمات بين أطرافها ويقوّض إمكانات نهوضها وتطورها. وقد تصاعدت الحاجة الأميركية والدولية لدور إيران التخريبي في السنوات الأخيرة من أجل إفشال الثورات الشعبية العربية، وهزيمتها وحرفها. وبالتالي، أثبتت الأحداث الميدانية، مرة جديدة، مدى خطأ خطاب التشبث باحتمال الصدام الأميركي – الإيراني، والتعويل على هذا الصدام، من أجل تقويض دور إيران في المنطقة، إذ بات واضحا أن لا نية حقيقية لدى كل من إيران وأميركا في أي صدامٍ أو مواجهةٍ مفتوحة وطويلة المدى، سواء الآن أو حتى في المستقبل المنظور، وأن كل ما يحدث من تجاذبات ومناورات، بل وحتى اعتداءات بينهما، لا يتعدّى المناوشات الهادفة إلى انتزاع مزيد من المكاسب هنا أو هناك، وبما لا يتعارض مع صيانة دوريهما المتكاملين في المنطقة. لذا لن يمرّ مسار حرية المنطقة وتطورها عبر الاصطفاف خلف أيٍّ من الأطراف المسؤولة عن الحضيض، القابعين فيه من الدول والقوى الخارجية ومرتزقتها، إلى أنظمة الاستبداد والفساد والنهب، فجميعهم موحّدون في خندق العداء لحرية الشعوب وتطور الدول وازدهارها، حتى لو ادّعوا عكس ذلك أحياناً.
المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا