fbpx

لماذا اتصل بن زايد بالأسد؟

يحتاج الأمر إلى الكثير من السذاجة، لتقبل تلك التبريرات الرسمية الإماراتية، للمكالمة الهاتفية المفاجئة بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وبين رأس النظام في دمشق بشار الأسد. لكن فهم سرّ اختيار هذا التوقيت بالذات، لتطوير الانعطافة الإماراتية باتجاه نظام الأسد، والتي بدأت منذ نهاية العام 2018، يتطلب نقاشاً بعيداً.

هناك الكثير من التفسيرات المتداولة لقرار الإمارات الرسمي، الجلّي منذ ما يقارب السنتين، بفتح قنوات التواصل مع نظام الأسد، وإن تدريجياً. أكثر تلك التفسيرات رواجاً، إثنان، الأول متداول بكثافة بأقلام كتّاب إماراتيين محسوبين على السلطات في أبوظبي، ومفاده أن الإمارات لا تريد ترك “سوريا” لقمة سائغة لكل من إيران وتركيا. هذا التفسير يتشعب، إذ تجد من يركز على الخشية الإماراتية من الدور التركي تحديداً، فيما تجد آخرين، يركزون على رغبة الإمارات بعدم تكرار تجربة العراق، بعيد غزوه عام 2003حيث كان الدور العربي ضئيلاً، مما ترك هذا البلد لقمة سائغة للإيرانيين، حسب منظّري هذه القراءة.

أما التفسير الثاني، فيتعلق بكراهية بن زايد، على غرار كثير من حكام الخليج، للإسلاميين، وأيضاً، للثورات. وهنا، يعتقد أصحاب هذا التفسير، أن للإمارات خصوصية في ذلك، مقارنة بالسعودية، فالحساسية الإماراتية حيال “الأخوان المسلمين”، أعلى بدرجة، ما يجعل الإمارات على درجة كبيرة من التشنج حيال أي نشاط تركي في المنطقة العربية، وفق منظّري هذه القراءة أيضاً.

لكن هذين التفسيرين يغفلان عن تقديم فهم واضح لتسلسل متناقض من الأحداث. فالإمارات، الحليف المقرّب من الولايات المتحدة الأمريكية، تجاهلت خطوطها الحمراء، وفتحت القنوات تدريجياً مع نظام الأسد، منذ نهاية العام 2018، علناً. وتطورت تلك التحركات في زيارة وفد اقتصادي إماراتي رفيع المستوى، للمشاركة في معرض دمشق الدولي عام 2019، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تحذّر رسمياً من أي انفتاح اقتصادي على النظام. سبقت ذلك، زيارة لافتة لثلّة من  رجال الأعمال المقرّبين من النظام، على رأسهم محمد حمشو، إلى أبوظبي. لتأتي المكالمة بين بن زايد والأسد، تتويجاً لخطوات متتالية، تكشف علناً، ما استُتِر من استمرارية للعلاقة بين الجانبين.

أحد الآراء المثيرة للجدل، تلك التي يعتقد أصحابها أن الإمارات تراهن على بشار الأسد، كي يكون وسيطاً لتخفيف التوتر بينها وبين إيران. يلقى هذا الرأي دعماً من واقعة إصرار الطرفين الأمريكي والإماراتي على إجراء مناورة عسكرية، قبل أيام، في قاعدة الحمرا الإماراتية، شهدت محاكاة للاستيلاء على مدينة “شرق أوسطية”، وذلك رغم تعليق الأمريكيين لمعظم المناورات العسكرية في العالم، بسبب تفشي وباء “كورونا”.

طهران من جهتها، اعتبرت المناورة تستهدفها، فهي تحاكي الاستيلاء على مدينة تحمل مواصفات إحدى المدن الإيرانية، أو ربما العراقية. الأمر الذي فسّرته طهران، بأنه موقف إماراتي عدائي، في وقت تعاني فيه إيران من تبعات تفشي “كورونا”، لديها.

 يمكن أن نفسر المكالمة اللافتة في توقيتها، بين بن زايد والأسد، على أنها محاولة لتخفيف التوتر مع إيران، والاشارة الى ان الامارات تعرضت لضغوط من واشنطن، كي تقبل إجراء المناورة العسكرية، في هذا التوقيت، فيما يدرس البنتاغون شن حملة عسكرية واسعة ضد الميليشيات التابعة لإيران، في العراق، والتي ما تزال تطلق القذائف على الأهداف الأمريكية هناك.

وقد نذهب في هذا التفسير إلى أبعد من ذلك، فـ ابن زايد، وبغض النظر عن محتوى ما قاله للأسد، يضع منذ سنتين، قدماً مع الأمريكيين، وأخرى يقلص بها المسافة بين الامارات وبين إيران. فالرجل الذي يدير دولة في موقع هشٍ أمنياً، بجوار قوة إقليمية كبرى بطموحات مرتفعة، يعلم جيداً بأن وضع “كل البيض” في السلّة الأمريكية، أمر في غاية الخطورة، في الوقت الذي تذوي فيه ملامح القيادة الأمريكية للعالم، بسرعة كبيرة.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا