fbpx

لماذا تبنّت إسرائيل الهجمات الأخيرة في سورية؟

تبنت إسرائيل رسمياً وعلى غير عادتها الهجمات الأخيرة ضد أهداف إيرانية وأخرى تابعة لنظام بشار الأسد في دمشق والجزء المحرر من هضبة الجولان. التبني اللافت جاء على لسان وزير الدفاع الجنرال بيني غانتس على عكس ميل تل أبيب الدائم إلى التكتم تجاه هجماتها وعملياتها في سوريا وإيران والمنطقة بشكل عام.

جيش الاحتلال الإسرائيلي كان شن صباح الأربعاء ولمدة نصف ساعة غارات مكثفة ومركزة استهدفت ثمانية مواقع للاحتلال الإيراني توزعت بين مقرات قيادة ومخازن ومستودعات أسلحة، وحتى بيوت ضيافة تابعة للحرس وما يسمى زوراً وبهتاناً فيلق القدس، كما تم استهداف مواقع ومنظومات دفاع جوي تابعة لنظام بشار الأسد.

إسرائيل قالت إن الغارات جاءت ردّاً على زرع عناصر محلية مشغلة إيرانياً عبوات ناسفة قرب خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان، وقامت بنشر صور وفيديوهات للعبوات كما لعملية نزعها وتفكيكها.

التبني المعلن والاستثنائي عموماً في السياسة الإسرائيلية تجاه إيران وسوريا بشكل عام، يعود لعدة أسباب أولها ادعاء الدفاع عن النفس، واعتبار الغارات ردّاً على استهداف السيادة الإسرائيلية، كما قال وزير الدفاع غانتس حرفياً، وفي السياق شرعنة وجود إسرائيل كدولة عادية وطبيعية في المنطقة.

مع ذلك بدا الردّ الإسرائيلي غير متناسب خاصة أن العبوات لم تنفجر ولم توقع أضراراً مادية أو بشرية، وكما قالت صحيفة معاريف – الخميس 19 تشرين ثاني/ نوفمبر – فإن جيش الاحتلال

ما كان ليرد أبداً بهذه الطريقة لو تم اكتشاف العبوات على الحدود مع غزة، ما يشير إلى أن ثمة رسائل أرادت تل أبيب إيصالها والأهم من ذلك ربما استسهال القصف في سوريا دون تلقي العواقب على عكس ما يحدث في غزة المحاصرة والمنهكة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي سعى لاستغلال المحاولات الساذجة وغير المحترفة لقصف وتدمير أكبر عدد ممكن من مواقع الاحتلال الإيراني في سوريا، وهكذا تم استهداف مقرات قيادة ومستودعات أسلحة وحتى بيوت ضيافة تابعة للحرس، علما أن الغارات أوقعت عشرة قتلى وعدة مصابين آخرين بينهم حالات شديدة الخطورة. ما يعني تغييراً نسبياً في التكتيكات الإسرائيلية المتبعة ضد إيران ومواقعها في سوريا، وبدلاً من غارات وهجمات متواصلة جرت الاستعاضة بغارات مكثفة ومركزة على فترات أي أننا ببساطة أمام تدمير إسرائيلي لأهداف ومواقع إيرانية بالجملة بدلاً من المفرق.

ثمة رسالة واضحة هنا تتعلق بإصرار إسرائيل على منع ما تصفه بتموضع إيران في سوريا – لا وجودها بحد ذاته – عبر إقامة مواقع ومعسكرات ومقرات دائمة تحديداً في المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة.

بدا لافتاً انعدام رد فعل الإيراني على الغارات الإسرائيلية، حيث لم يصدر أي موقف رسمي عن طهران، بما في ذلك التهديدات الكلامية الجوفاء المعتادة عن إزالة إسرائيل. أما تغطية الحشد الشعبي الإعلامي “الإيراني” الناطق بالعربية للحدث فبدت خجولة جداً، وتجاهلت حتى تكرار الكلام الممجوج عن الرد في المكان والزمان المناسبين.

الغارات الإسرائيلية طالت كذلك مواقع وأهدافاً تابعة للنظام، واستهدفت تحديداً منظومات دفاع جوي لمنعها من العمل، وإطلاق صواريخها الصدئة بشكل عشوائي ومن باب رفع العتب باتجاه الصواريخ والطائرات الإسرائيلية غير أن الرسالة السياسية هي الأهم هنا، وموجهة لبشار الأسد مباشرة ومفادها أنه سيدفع ثمن السكوت وغض الطرف عن نشاطات إيران وميليشياتها بما في ذلك استخدام مواقع رسمية لجيش النظام.

بدت طريقة تعاطي بشار الأسد مع الغارات لافتة أيضاً، ولكن غير مفاجئة طبعاً، حيث تصرف بعدم اكتراث ولا مبالاة باستثناء بيان هزيل نقلته وكالة سانا عن مصدر عسكري اكتفى بتوصيف ونقل ما جرى، وادعاء بطولات وهمية عن التصدي للطائرات وإسقاط بعض الصواريخ. والحقيقة أن هم النظام المركزي

كان ولا يزال البقاء في السلطة، وهو لا يستطيع منع إيران وميليشياتها من التحرك بعدما ضمنت وتضمن بقاءه في السلطة، ولا يستطيع ولا يجرؤ أصلاً على التصدي الجدّي لإسرائيل وغاراتها، والدلالة صارخة جداً حيث تفعل إيران ما يحلو لها وترد إسرائيل على طريقتها بينما يتنحى الأسد جانباً ساعياً كما دائماً إلى البقاء في السلطة بأي ثمن ولو شكلاً فقط.

ثمة رسالة إسرائيلية معتادة لروسيا تتضمن عدم التزام إيران بالتفاهمات الإسرائيلية الروسية المتعلقة بمنعها من الوجود في المنطقة الحدودية السورية الفلسطينية حتى لو حدث الانتهاك الإيراني بشكل غير رسمي أو معلن، مع الاعتماد على عناصر محلية وعجز الأسد عن التصدي لتلك الانتهاكات. وهنا تسعى تل أبيب إلى جباية ثمن سياسي وعسكري مقابل من موسكو، وفي الحد الأدنى تكريس حقها في الردّ، كما يحلو لها بموافقة روسية صامتة أو معلنة.

إضافة إلى الدائرة السورية بإبعادها المختلفة هناك بعدان مهمان آخران للغارات والهجمات الإسرائيلية، الأول داخلي يتعلق بالخلافات حول الميزانية العسكرية وسعي الجيش لتثبيت رواية التهديدات والأخطار ولو الشكلية، التي تتعرض لها الدولة العبرية وتضخيمها – جبهة غزة تعتبر خطرة وملحة أكثر من إيران وميليشياتها – لحصد مزيد من الأموال، وفى السياق طبعاً تكريس صورة الضحية لا الجاني والمجرم لشدّ العصب الداخلي ونيل الدعم الخارجي السياسي والعسكري أيضاً.

أما البعد الثاني والذي لم ينل حظه من الاهتمام والتركيز، فخارجي ويتعلق بسعي إسرائيل إلى إيصال رسالة مباشرة للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن تفيد بمواصلة إيران انتهاك الاتفاقيات وتعريض أمن إسرائيل للخطر ولو في إطار دعائي لتبرير احتلالها لسوريا. وهذا يندرج في نفس سياق تسريب تل أبيب خبر قيام جهاز الموساد “خدمة لأميركا طبعاً” باغتيال نائب زعيم القاعدة في طهران – آب/ أغسطس الماضي – للتأكيد على استمرار هذه الأخيرة في دعم ورعاية الإرهاب، وبالتالي مراكمة الصعوبات الداخلية والإقليمية أمام عودة أميركية محتملة إلى الاتفاق النووي معها بما في ذلك تبرير التطبيع العربي الإسرائيلي بحجة التصدي لإيران وممارساتها حتى لو تخلي بايدن عن ذلك.

من هذه الزاوية تحديداً لا يجب تجاهل أو إنكار الممارسات الإيرانية الإرهابية والاستعمارية في سوريا والمنطقة، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن إسرائيل نفسها تمارس إرهاب الدولة، وهي ارتكبت ولا تزال جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين والسوريين والعرب والإرهاب الإيراني لا يجب أن يلفت النظر أبداً عن الإرهاب الإسرائيلي، أو أن يكون مبرراً للتطبيع العربي مع الدولة العبرية بحجة مواجهة إيران وميليشياتها المهمة المنوطة أساساً، وكما تؤكد الوقائع الميدانية بالشعوب العربية الثائرة في سوريا والعراق واليمن ولبنان ضد الاحتلال الإيراني وأدواته المحلية.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا