لماذا يخشى بشار كورونا؟

في الثاني والعشرين من الشهر الماضي أعلنت سلطة الأسد عن أول إصابة لديها بفيروس كورونا. قبل الإعلان وبعده، اتخذت السلطة مجموعة واسعة من الإجراءات التي تصر على أنها احترازية، وهي إجراءات غير متناسبة مع الحجم المعلن لاحقاً من الإصابات، وغير متناسبة مع نظيراتها في الدول الأخرى التي سجلت عدداً قليلاً من المصابين. سياسة الإنكار التي تمارسها السلطة على جميع المستويات تدفع كثراً إلى الاعتقاد بوجود عدد ضخم من الإصابات تتكتم عليه، وهي فرضية لا تستند بدورها إلى معلومات موثقة، ليبقى من شبه المؤكد أن حجم انتشار الوباء أعلى من الرقم المعلن وأقل من أن يكون مفضوحاً بحيث يتعذر التستر عليه.

حتى الآن لا يفيد التواصل مع سوريين في الداخل بالكشف عن معلومات جديدة، لا توجد على سبيل المثال أرقام بارزة من الوفيات لأسباب “غامضة”، وليس هناك من روايات عن حالات حجر أو عزل سوى تلك التي تسربت إلى الإعلام، ولا تنتشر أقاويل شفاهية مضخَّمة عن الوباء لتعكس كالمعتاد الواقعَ المخفي. لا ريب في أن سياسة التعتيم الأسدية تقلل من معرفة الأهالي بما يحدث، إلا أنها غير كافية فيما لو حدث تدهور ملحوظ.

بعد أسبوع من إعلان مسؤولي الأسد عن أول إصابة، صرّح محافظ كربلاء “العراق” بأن معظم الإصابات الجديدة المسجلة، وهي 11 إصابة، قدمت من سوريا، وهم على الأرجح من زوار ضريح السيدة زينب في ضواحي دمشق. ثم أعلنت الإدارة الذاتية مؤخراً عن إصابة قادمة من مناطق سيطرة الأسد، لعنصر مسرَّح من قواته، ما استدعى منها عزل قرية أم حوش وقريتين أخريين في مناطق سيطرتها. تصريح محافظ كربلاء وإعلان الإدارة الذاتية فيهما مؤشر على كذب الأرقام التي تعلنها سلطة الأسد، من دون أن يتعدى ذلك إلى توضيح مدى انتشار الوباء في منطقة السيدة زينب التي عُزلت لاحقاً وبين صفوف قوات الأسد.

سيكون من الاختزال وصف السلوك الأسدي إزاء الوباء بالكذب والتعتيم الإعلامي فحسب، إذ من المرجح وجود عوامل أخرى إضافية، منها الجهل حقاً بمدى انتشار الوباء، والعجز عن الإحاطة بانتشاره، والخوف من تفشيه. وسيكون من الاختزال التوقف عند وصف الإجراءات التي اتُخذت بأنها محض تظاهر إعلامي، رغم تسويقها الإعلامي الرخيص والركيك، بما فيه الإصرار على كونها تدابير احترازية. الأقرب إلى الدقة ربما أن سلطة الأسد حائرة وخائفة جداً من الوباء، والمبالغة في اتخاذ التدابير الاعتباطية انعكاس لارتباكها أمام عدو لا تنفع معه قبضتها الأمنية ولا طيران وميليشيات الحلفاء.

تعرف سلطة الأسد أكثر من غيرها واقع القطاع الصحي التابع لها، وبحسب تقرير للأمم المتحدة نُشر أواخر الشهر الماضي تبلغ الطاقة الاستيعابية القصوى للمشافي 6500 مصاب بالوباء، منها 325 إصابة يُتاح لها العلاج في أسرة العناية المركزة المصحوبة بأجهزة تنفس. جدير بالذكر أن القطاع الصحي قد شهد منذ عام 2011 نزيف ما يقارب 75% من كوادره، ومن المتوقع أن النزيف شمل نسبة كبيرة من أكفئها لسهولة الحصول على فرص في الخارج.

الوضع الغذائي لا يقل تردياً عن نظيره الصحي، وهناك تقارير تتحدث عن نضوب الاحتياطي من القمح والدقيق. المؤكد، في بلد يُعدّ فيه الخبز قوتاً أساسياً، وجود أزمة في الحصول على الرغيف قبل الوباء، وتحديد حصص غير كافية منه الآن لكل فرد دليل على تفاقمها في توقيت حرج. ما يزيد الوضع سوءاً انشغال طهران وموسكو بأزماتهما الاقتصادية السابقة، ثم بالوباء الذي يجتاح البلدين وله الأولوية على نجدة تابعهما، وقد يكون الاقتصار على طلب المساعدة الصحية من موسكو إدراكاً من الأسد لحدود “الكرم” الروسي.

السمة المشتركة حتى الآن في التصدي العالمي للوباء هي: كلما ضعف القطاع الصحي لجأت السلطات إلى إجراءات وقائية أشدّ للتعويض عن ضعف الإمكانيات. سلطة الأسد ليست استثناء، مع عدم إغفال طبيعتها المخابراتية الأصيلة، والأخبار الواردة عن تجهيز عدد ضخم من أماكن الحجر الصحي هي من جملة الإجراءات الاحترازية لتعويض النقص الطبي الفادح، فضلاً عن تداخل الطبي مع المخابراتي بهدف السيطرة الإعلامية المطبقة على أخبار الوباء. إننا أمام سلطة تستخدم الأسلوب الذي اعتادت عليه دائماً، لأنه الوحيد الذي تتقنه والمتاح لديها.

هناك قناعة سورية منتشرة على نطاق واسع، مفادها عدم اكتراث سلطة الأسد بحيوات السوريين، وهي تتعارض شكلياً مع اتخاذها التدابير خوفاً من تفشي الوباء. هذه القناعة لها دور في اتخاذ قسم من السوريين أقصى درجات الحيطة، وحتى ذعر كثرٍ منهم من الإصابة والوصول إلى المجهول “الطبي والمخابراتي” الأسدي. لقد قدّم بشار بنفسه أوقح الأمثلة على الاستهتار بحيوات السوريين، عندما تفاخر بالحصول على “مجتمع متجانس” جراء ما ارتكبه من إبادة وتهجير. الاستنتاج المنطقي التالي أن موت عدد ضخم بالوباء لن يؤرق سلطته، بل يريحها من مسؤولياتها التي تدّعيها كدولة.

من أجل الفرضية الأخيرة، ينبغي لنا أن نتخيل سيناريو ينام فيه بشار ويصحو وقد قضى الوباء على ذلك العدد الضخم، وانتهى الأمر كما لو لم يكن هناك ما قبل وما بعد. لكن الأمر لن يكون بهذه البساطة والتبسيط، ولن يكون مضمون النتائج على هذا النحو. الأقرب إلى الواقعية أن بشار الأسد يخشى كورونا لأسباب متعددة، ليس بينها ذلك الحرص على أحد من الخاضعين لسلطته، لكن في صلبها الخوف على سلطته.

لقد نجا بشار من السقوط بفضل حلفائه، والثمن كان التحول إلى دولة فاشلة بأقصى ما لهذا المفهوم من معنى. في الأوضاع الاعتيادية لديه فائض عسكري ومخابراتي لإرهاب كل من تسوّل له نفسه التذمر مما آلت إليه الأوضاع المعيشية، أما في مواجهة الوباء فهذه البنية المخابراتية-العسكرية نفسها معرّضة للإصابة وفقدان الفعالية، وحتى تفشي الوباء حولها سيشلّها تلقائياً لتقع الفوضى التي تعني انهيار تنظيم الأسد. ربما يرغم كورونا سلطة الأسد على تجرع السم الذي لا تطيقه، وهو الحرص على نجاة السوريين، فقط لأنه لا مفرّ لها من ذلك.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا