أنقرة وسيناريو الانسحاب الأميركي من سوريا

تغادر القوات الأميركية أفغانستان معلنة انتهاء الحرب على الإرهاب لكن تفجيرات “داعش خراسان” كانت في وداعها بكابول. التهديد لم ينته ومع ذلك واصلت سحب جنودها على عجل. هل تكرر ما فعلته في شرق الفرات هذه المرة بعدما انتهى عذر خطر داعش وسقط مشروعه في سوريا؟

تراهن “قوات سوريا الديمقراطية” على أن تكون واشنطن تعلمت الدرس الأفغاني وهي لن تكرر في سوريا ما فعلته في كابول. لكنها أساسا تريد من واشنطن أن تحتفظ بجنودها لموازنة النفوذ الروسي والتركي والإيراني والبقاء أمام طاولة الملف السوري إلى أن تحسم الأمور. انسحاب أميركي يعني انتهاء حكم الإدارة الذاتية وسقوط حلم الكيان الكردي المستقل الذي دعمته واشنطن طيلة 7 سنوات.

القيادات الكردية في سوريا تحتاج إلى مبرر قوي يقنع واشنطن بالتخلي عن فكرة سحب القوات ما الذي يمكن أن تفعله؟ إنعاش داعش أم التحرش بالنظام أو استفزاز تركيا للقيام بعملية عسكرية واسعة تقلب حسابات واشنطن رأسا على عقب أو التلويح بخيارات التفاهم مع موسكو لملء الفراغ الأميركي.

يقال إن إلهام أحمد القيادية في “مجلس سوريا الديمقراطي” دعت القيادات الكردية السورية للاستعداد لقرار انسحاب أميركي قريب من شمال شرقي سوريا. لم تحزن هجمات “داعش خراسان” الأخيرة في كابول ضد القوات الأميركية قيادات “قسد”. هي ساهمت في تعزيز قناعة أن الانسحاب الأميركي من شرقي سوريا سيكون كارثة على واشنطن ومصالح حلفائها هناك بسبب سيناريو تفاهمات سياسية عسكرية بين أنقرة ودمشق مدعومة من قبل روسيا وإيران قد تطيح بمشروع الإدارة الذاتية من دون رجعة.

بالمقابل كثفت واشنطن زيارات الوفود العسكرية والسياسية إلى شرق الفرات لطمأنة حليفها الكردي أن الحالة الأفغانية تختلف عن السورية وأن أخطاء الإدارة السابقة لا تلزم إدارة بايدن، لكن قيادات “قسد” تتخوف من مفاجأة تكون حاسمة في نسف مشروعها السياسي تماما كما فعل ترامب عندما فتح الطريق أمام عملية “نبع السلام” بعد تفاهمات آخر لحظة مع أنقرة.

وسعت تركيا من رقعة عملياتها العسكرية في شمال شرقي سوريا في الآونة الأخيرة. هناك من يقول إن “قسد” تحاول تحسين وتحصين مواقعها استعدادا لمواجهة ما بعد خروج القوات الأميركية. لكن ما يقلق القيادات الكردية في سوريا أكثر هو ما نشر من تسريبات مصدرها الإعلام الكردي في شمال العراق حول لقاء محتمل في بغداد بين رئيس جهاز الاستخبارات التركي هاقان فيدان ورأس الجهاز الأمني التابع للنظام علي مملوك. اللقاء نفته دمشق لكن أنقرة لم تستبعده. هدفه سيكون حتما بحث سيناريوهات الفراغ الذي سيحدث عند أي عملية انسحاب عسكري أميركي وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة بين أنقرة وقوات النظام هناك. “قسد” تتخوف أن يتحول الأمر إلى فك كماشة يدمر كل ما بنته في السنوات الأخيرة.

يصر الرئيس التركي أردوغان على التوجه إلى أميركا بعد أيام لحضور اجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة. واشنطن تنصح القيادات السياسية في العالم بعدم الحضور بسبب وباء كورونا والاكتفاء بالمشاركة المتلفزة عن بعد. لكن أردوغان يقول إنه سيحضر لأنه وعد بالمشاركة في افتتاح مبنى “البيت التركي” الذي تم تشييده في نيويورك على مقربة من مبنى الأمم المتحدة. هو سيحاول أن يكون وسيلة وفرصة للقاء قمة مع بايدن يتصدر الموضوع السوري ومسألة الانسحابات الأميركية جدول الأعمال فيها.

خيبت إدارة ترامب آمال قوات سوريا الديمقراطية بسحب وحدات عسكرية كبيرة من شرق الفرات بعد تفاهمات استراتيجية مع أنقرة. ضغوطات داخلية وخارجية دفعت ترامب لمراجعة قراره وإبقاء مئات الجنود للإمساك بلعبة التوازنات المحلية ومواصلة سياسة العصا والجزرة مع أكثر من لاعب إقليمي في سوريا. هل تعطي إدارة بايدن أنقرة ما تريده بعد تسريع عملية الانسحابات من أفغانستان وتغادر سوريا تماما أم أن الملف السوري يختلف عن الملف الأفغاني لناحية توازناته الإقليمية التي تعني مصالح أكثر من شريك محلي وإقليمي لواشنطن هناك؟

في أواخر العام المنصرم أقر مبعوث واشنطن الخاص السابق بشأن سوريا جيمس جيفري بأن هدف الوجود العسكري الأميركي في سوريا لا يقتصر على محاربة تنظيم “داعش” بل ويشمل منع دمشق من السيطرة على كامل المنطقة. وتابع أنه إذا فشلت الولايات المتحدة في التوصل إلى حل وسط يشمل انسحاب إيران من سوريا، فلا بد من وضع “استراتيجية مؤقتة تكمن في منعهم من الانتصار”. هل يزعج واشنطن أن تكون تركيا الرابح الأول في شرق الفرات بعد انسحاب ما تبقى من قواتها هناك؟ هل هناك قناعة أميركية أن تركيا ستفاوض روسيا وإيران والنظام على خارطة المنطقة التي ستنسحب منها القوات الأميركية وسيتم إنزال الضربة القاضية بحليف واشنطن الكردي في سوريا؟

تنصح واشنطن شريكها “قسد” بإنقاذ نفسه عبر القطيعة السريعة مع مجموعات حزب العمال وعدم استفزاز تركيا أو إغضابها أكثر من ذلك. هناك محاولات غربية إقليمية لإقناع أنقرة أن “قسد” قبل ذلك وهو خياره الوحيد إذا ما أراد تجنب الغضب التركي وهو يستعد للإعلان عن ذلك عبر سلسلة خطوات ميدانية وعسكرية وأمنية مباشرة. ما نشر مؤخرا نقلا عن مصدر أمني في وحدات الحماية يشير الى إنشاء جهاز أمني من أكراد سوريا برئاسة مظلوم عبدي مهمته الحد من توغل مجموعات “حزب العمال” في شمال شرقي سوريا وكبح جماح “منظمة الشبيبة الثورية” التي تتلقّى أوامرها من قادة هذا الحزب في جبال قنديل. فهل يقنع هذا التحرك أنقرة ويكون كافيا لدفعها باتجاه تغيير مواقفها وسياساتها حيال مخاطر المشروع الانفصالي على حدودها الجنوبية الشرقية؟ مواصلة القوات التركية لعملياتها في شمال شرقي سوريا ضد مجموعات “قسد” وعناصر حزب العمال يعني أن أنقرة لن تتريث ولن تذهب وراء أي سيناريو أميركي من هذا النوع بمثل هذه البساطة وهي ستعمل على حل المسألة بمعرفتها.

اتهمت القيادات السياسية التركية حليفها الأميركي في السنوات الأخيرة بأنه دعم تنظيمات تعتبرها تركيا إرهابية وتنصل من مسؤولياته الأمنية والعسكرية والسياسية حيال أنقرة. وتصر تركيا على أنها اللاعب الإقليمي الأول الواجب التنسيق معه أميركيا وغربيا في منطقة الشرق الأوسط. واشنطن تشيد بالجهود الكبيرة التي بذلتها تركيا في كابول وعبر مواصلة الحوار مع طالبان لتسهيل المرحلة الانتقالية في أفغانستان. هل سينتقل هذا التنسيق التركي الأميركي إلى سوريا وتتخلى إدارة بايدن عن فكرة التصادم مع أنقرة وتختار التنازل لها ومنحها ما تريده بدل إضعاف دورها هناك في مواجهة النفوذين الروسي والإيراني؟

أنقرة متمسكة بأن مسألة الانسحاب الأميركي من سوريا هو شأن يعني إدارة بايدن، لكن إبقاء أطنان الأسلحة التي أرسلتها إلى الوحدات الكردية وعدم استردادها رغم انتهاء ذريعة داعش تتطلب أكثر من خطة تحرك تركي وبأكثر من اتجاه.

المصدر syria.tv


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا