الأسد يهدي لبنان أوكسجين السوريين

إنه الفراغ، ووظيفة الفراغ، واللعب بالفراغ. وزير الصحة اللبناني حمد حسن القريب من حزب الله، والذي طالما فشل بمهمته، يتوجه إلى دمشق ويلتقي نظيره السوري، ويعود بهدية من رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى اللبنانيين هي 25 طن من الأوكسجين المخصص للمستشفيات التي تستقبل المصابين بكورونا. علماً أننا في لبنان لم نكن على علم بحاجتنا للأوكسجين، وما عرفناه بعد أن أُعلن عن الهدية أن باخرة تحمل هذه المادة ترسو على الشاطئ وتعجز عن تفريغ حمولتها بسبب سوء الأحوال الجوية. ومن هذا الخبر علمنا أيضاً أن ثمة أحوال جوية سيئة على شاطئنا! نعم رددت محطات التلفزيون هذا الخبر من دون أن تكترث لحقيقة أن الأحوال الجوية ليست سيئة، وأن البواخر الأخرى تفرغ حمولاتها. ففي ظل الفراغ اشترت السلطة الأصوات، والأرجح أنها فعلت ذلك بأسعار بخسة في ظل الانهيار المالي.

الهدية مسمومة. ووزير حزب الله الذي توجه إلى سوريا وعاد بها، هو وزير في حكومة تصريف الأعمال التي يريدنا الحزب أن نتعامل معها بوصفها قدرنا، وهو، أي الحزب، يمنع تشكيل حكومة في لبنان، لأن الفراغ يتيح له أن يحكمنا من دون ضوابط. ففي ظل تصريف الأعمال يصير الوزير مطلق اليد وصاحب القرار، وهل من فرصة لاستيلاء الحزب على الدولة أفضل من هذا الفراغ؟

وظيفة الهدية الفراغية مزدوجة، فأن يتلقى لبنان هدية هي “لا شيء” عملياً، فهذا كاشف عن حجم الخواء الذي انتهينا إليه، لكن الأهم أن الهدية خطوة لتطبيع العلاقة مع النظام السوري المترنح، الذي بلغ من الوقاحة حداً سمح له بأن يقدم “الهدايا” في وقت يترنح فيه السوريون من جراء فشله في التعامل مع الجائحة، ومن جراء انهيار العملة، ناهيك عن ترنحهم المديد منذ العام 2011.

ثم أن البعد اللاأخلاقي للهدية هو ما يدفع فعلاً للذهول، ذاك أننا نستقبل هدية من نظام السارين! وهي هدية لم نُستشر بما إذا كنا نقبلها. حزب الله عطل آلية الاستشارة عبر تعطيله تشكيل الحكومة اللبنانية. هنا تماماً تبرز وظيفة التعطيل ونصير حيال دولة يسيرها وزراؤه من دون نقاش. فأي لبناني مقيم اليوم وصلته هدية من بشار الأسد، وهو قبلها على رغم أن أحداً لم يسأله! وهي ليست هدية مسمومة وحسب، إنما شكل قبوله لها حرماناً لمواطن سوري منها.

الخبر غريب ومريب! فأي مراقب من خارج المشهد سيصيبه الذهول عندما يتناهى إلى مسامعه خبر تقديم بشار الأسد هدية للشعب اللبناني. الأسد الذي يعيش السوريون في ظل سلطته أحلك أيامهم، ها هو يفيض “كرماً” على الشعوب المجاورة، ويقدم الهدايا متجاوزاً مستشفيات بلده التي يختنق المرضى على أبوابها بسبب عجزها عن التعامل مع الجائحة. الأسد يهدي لبنان أوكسجين السوريين. هذه معادلة تشبه المهزلة، وتستدرج الريبة، وتكشف مهمة الفراغ الكبير الذي أرادنا حزب الله أن نعيش في ظله.

إنه سطو على أوكسجين الآخرين، وهؤلاء ممنوعون مثلنا من رفع الصوت في وجه الهدية، ذاك أنهم يعيشون في فراغ موازٍ. فراغ يملؤه رئيسهم موتاً واستبداداً وتعسفاً وتهجيراً. وإذا كنا في لبنان نملك صوتاً للاستغاثة، فإن صوتنا أفرغ من وظيفته بعد أن صم العالم آذانه، ولم يبق أمامنا سوى قبول الهدية بوصفها أمراً واقعاً لا نملك ترف رفضها.

سيعيش لبنان فترة طويلة في ظل هذا الفراغ. وحمد حسن، وزير الصحة الذي فشل بالمهمة، والذي تفشى الوباء في ظل تسييره لأعمال وزارته المستقيلة، سيواصل اللعب في هذا الفراغ، وسيساعده على ذلك إخضاع الحزب الرأي العام والإعلام ومؤسسات القطاعات الصحية ومستوردي الأوكسجين.

لا نملك ترف رفض الهدية، فآلية الرفض معطلة طالما أن الحزب عطل المؤسسات التي يمكن لنا عبرها تحويل الرفض إلى سؤال، وانتظار جواب من الوزير الفاشل. كما أننا لا نملك الحق في أن نقول إن الأحوال الجوية في بلدنا ليست سيئة بحيث تعجز الباخرة عن إفراغ حمولتها من الأوكسجين، وأنه لم يتناه إلى أسماعنا خبر حاجتنا لهذه المادة. علينا أن نقبل الهدية طالما أن وظيفتها مد بشار الأسد بأوكسجينٍ مواز، وطالما أن الولي الفقيه لم يفرج لنا عن حكومتنا، وطالما أننا نعجز عن رصد الأحوال الجوية على شاطئنا. ويجب ألا نشعر أن ثمة ما يجب أن نضيفه من صفات على النظام الذي نعيش في ظله، وهو الوقاحة.

المصدر الحرة


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا