المسار السعودي الإيراني.. هل يؤدي إلى تعويم النظام السوري؟

تفرض الوقائع والتطورات الدولية والإقليمية القائمة قراءة من خارج الصندوق. ثمة مشهد يتشكّل من جديد وعلى نحو واسع إقليمياً ودولياً، تحت سقف الاتفاق الإيراني السعودي.

على وقع الاتفاق الذي يشهد مزيداً من الترتيبات في ملفات الإقليم، والتي يفترض أن يبتّ العديد منها في اللقاء بين وزيري خارجية إيران والمملكة العربية السعودية، ولا سيما ملف اليمن، يبرز في المقابل تصعيد إسرائيلي واضح تجاه أهداف إيرانية في سوريا. إذ تفعّلت العمليات العسكرية في الأيام القليلة الماضية بوتيرة كبيرة ومتسارعة.

تتداخل الملفات ببعضها، اتفاق سعودي إيراني برعاية صينية، استفز الولايات المتحدة الأميركية بالتأكيد. وقوف إيران إلى جانب روسيا بشكل حاسم في الحرب الأوكرانية، بينما تحافظ السعودية على موقفها المتوازن هناك، انطلاقاً من علاقة جيدة مع موسكو وكييف وعواصم الغرب، الاستنفار الروسي الأوروبي قائم أيضاً، في حين تلجأ دول “أوبك بلس” إلى تخفيض إنتاج النفط مجدّداً، الأمر الذي من شأنه إغضاب الأميركيين أكثر. هذا ما سيؤدي إلى الكثير من التداعيات على الوضع في منطقة الشرق الأوسط بالمرحلة المقبلة، والتي تشهد تطورات متسارعة، أهمها الملف اليمني، والذي تشير مصادر متابعة إلى أنه شارف على الاقتراب من إعلان وقف إطلاق نار نهائي تمهيداً للحل السياسي.

ما يلي ملف اليمن، على ما يبدو، هو الملف السوري ذو التعقيدات الكثيرة والمتداخلة، بفعل عناصر كثيرة ومتشابكة على الأرض وفي التوجهات السياسية.

النظام السوري يشدّد على ضرورة ترتيب العلاقات الثنائية مع الدول العربية بغض النظر عن مسألة العودة إلى الجامعة. فيما هناك معارضة شرسة من قبل الأميركيين والأوروبيين لذلك، علماً أن روسيا وإيران هما الطرفان اللذان يعملان على ترتيب العلاقات بين النظام وعدد من الدول العربية، حتى أن بعض المعلومات تفيد بأن طهران ضغطت بقوة على النظام لأجل تقديم تنازلات لصالح دول الخليج، ولا سيما السعودية، خصوصاً في ملف وقف تهريب المخدرات.

كل ذلك يسهم في توتير العلاقات السعودية الأميركية، المتوترة أصلاً. علماً أن واشنطن كانت أكبر المستفيدين من حالة الاستنزاف القائمة في اليمن للسعوديين، وهي التي عملت طوال سنوات فائتة على ترك إيران تحرز تقدمها في المنطقة على حساب السعودية والعرب. فيما بعد توتّرت العلاقات الأميركية الإيرانية على خلفية المفاوضات النووية. تلك المفاوضات التي في سبيلها منحت واشنطن مكاسب استراتيجية لإيران في المنطقة. فيما بعد، وعلى إثر الضغوط الغربية على طهران وتورطها في الحرب الروسية على أوكرانيا، بالإضافة إلى الواقع الاقتصادي الضاغط، والتحركات الاحتجاجية في الداخل، حصل الاتفاق السعودي الإيراني.

ما إن حصل هذا الاتفاق، حتى تصعّدت وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا على أهداف إيرانية. وهي عمليات جوهرية وربما تكون استفزازية أكثر كمحاولة لتعطيل الاتفاق السعودي الإيراني. علماً أنه بالعودة إلى محطات تاريخية، كان كل تقارب إيراني سعودي في المنطقة يحصل، يعقبه تصعيد إسرائيلي. فما بعد حرب الخليج الثانية وبعد الانفتاح في العلاقات الخليجية الإيرانية عام 1992، والذي كانت له آثار لبنانية في حينها بإعادة تركيب السلطة والسعي لإرسال الجيش إلى الجنوب، وقعت حرب العام 1993، والتي أسهمت في إعاقة كل هذا المسار. وفي السياق نفسه كانت حرب “عناقيد الغضب” في عام 1996.

إثر وصول محمد خاتمي إلى السلطة في إيران والبدء في تطوير العلاقات السعودية الإيرانية، وتكريس التهدئة بين البلدين، حصل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ونجح “حزب الله” بإنجاز التحرير الذي منحه مكسباً استراتيجياً، استثمره لاحقاً في سياق سياسي على قاعدة إعادة توتير العلاقات الإيرانية الخليجية، التي بدأت بالتحديد بعد أحداث 11 أيلول وصولاً إلى اجتياح العراق وما بعدها من توسع إيراني في المنطقة، على قاعدة استهداف الأمن العربي وتطويقه بالإضافة إلى تطويق السعودية.

ومنذ تلك الفترة إلى اليوم، دخلت المنطقة في حلقة جهنمية من الصراعات السياسية، التي اتخذت طابعاً طائفياً أو مذهبياً بين السنة والشيعة. أسهم الصراع على مرأى ورعاية العالم في تفتيت الدول العربية وتصغير كياناتها، في حين كانت المواقف الأميركية والدولية متفرجة ومتحمسة للذهاب إلى اتفاق مع إيران، بينما تحاول الموازنة في علاقتها مع دول الخليج ولا سيما السعودية بالتهديدات التي توجهها لطهران، وتوعدها بالضربات والعقوبات وغيرها، وهو ما لم يكن وارداً في الأساس.

أدّى الدور الإيراني غرضه، إذ أحدث الصراع “السني الشيعي” شرخاً كبيراً في البنى الاجتماعية العربية، وأسهم في تدمير دول وسحق أدوار. فيما بعد حصل تقدم على خطّ العلاقات الإسرائيلية العربية، وبعدها اعتمدت واشنطن استراتيجية “إيران منضبطة.. إسرائيل آمنة ومستقرة”. قلب الاتفاق السعودي الإيراني الطاولة، كما أحدث تغييرات كبرى في المشهد، يفترض أن تبرز تداعياتها في المرحلة المقبلة، بحال تم تطبيق الاتفاق واستكماله، وبحال لم تدخل عناصر وعوامل مخرّبة له.

لذلك، فإن الامتحانات الأساسية لهذا الاتفاق ومفاعيله تبدأ في اليمن، لتصل بعده إلى سوريا والعراق، ويليهما لبنان. في حال تم الوصول إلى وقف لإطلاق النار في اليمن، فلا بد من مراقبة تطورات الوضع في سوريا، ربطاً بكل الكلام الذي يحكى عن تقدم في العلاقات بين السعودية والنظام السوري برعاية روسية وإيرانية. يبقى الأساس في ما يمكن تحقيقه من النظام على صعيد التنازلات السياسية، لا سيما في ظل الكلام عن تسارع في وتيرة ترتيب العلاقة، ومنحها انطباعاً بأنها ستكون في صالح النظام فقط وإعادة تعويمه.

وهو أمر لا يبدو ممكناً في ظل بقاء وضع سوريا على حاله وفي ظل الموقف الأميركي والغربي، وعدم الإجماع العربي على مثل هذا الحل أو على إعادة سوريا إلى الجامعة العربية. العودة غير المشروطة ببرنامج سياسي واضح تعني الدفع مجاناً للنظام ولإيران إلى حدود الاستسلام.

هنا لا بد من العودة إلى قطر، والتي ما تزال على موقفها من رفض التطبيع مع النظام من خارج نقاط محددة، أهمها القرار الدولي 2254، وبما يتلاقى مع تطلعات وآمال الشعب السوري. لا بد للموقف القطري من أن يحمل مؤشرات متعددة، نظراً للعلاقة القوية مع الأميركيين، وبالعودة إلى الدور الذي لعبته الدوحة في ملف أفغانستان وفي ملف التفاوض النووي بين إيران والغرب، وحتى في رؤيتها بضرورة حصول حوار إيراني سعودي، وقد لعبت دوراً أساسياً في هذا المجال.

وقطر هي التي نجحت في تجاوز أزمة الحصار والعودة إلى مصالحة العلا. فالنجاح القطري في 4 ملفات يعطي بعضاً من أمل بما يتعلق بالملف السوري، وتالياً الملف اللبناني، خصوصاً في ضوء التحرك الأخير الذي قامت به الدوحة من خلال جولة وزير الدولة في وزارة الخارجية محمد بن عبد العزيز الخليفي.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا