رهان الأسد على الزلزال المقبل

أي سؤال يُطرح علينا اليوم مع تصاعد خطوات التطبيع العربي مع النظام السوري؟ أولاً، هل بالإمكان أن نتوقع نتيجة سوى استئناف نظام الرئيس السوري بشار الأسد علاقاته العربية؟ في نهاية المطاف، لم ينهار النظام، وغابت الأعمال العسكرية الرئيسية، وتبدلت المنظومة العربية. حتى تركيا عدلت سياستها الخارجية المؤيدة للانتفاضات العربية، وعاودت الانفتاح على دول كانت تُصنّف معادية لها سابقاً. لهذا، ربما علينا طرح السؤال بطريقة مغايرة، على أي أساس ستواصل الأنظمة العربية قطيعتها مع النظام؟ هل الأساس أخلاقي؟

بالتأكيد لا. معظم أنظمة المنطقة، إن لم يكن جميعها، تعتمد بشكل أو بآخر على القمع والتعذيب في إدارة الشؤون الداخلية، وبالتالي النظام استثناء فقط في إفراطه في استخدام هذه الوسائل، ونقلها لمستوى لم تشهد له المنطقة مثيلاً. ولهذا حديث آخر.

لكن فعلاً، ما المقصود اليوم بعودة العلاقات العربية لسوريا، أو بالتطبيع عموماً؟ وهل كانت العلاقات العربية أساساً أو عموداً في العلاقات الخارجية لسوريا (أم ايران وروسيا)؟

لم تتسم العلاقات السورية-العربية في ظل نظام الأسد (الأب والابن) بقدر من الحميمية، بل كانت غالباً تقتنص الفرص والصفقات من أجل تحقيق اعتراف هنا وهناك. وهذا ينسحب على العلاقات بين الدول الغربية وسوريا كذلك. العقوبات على سوريا، ونموذجها الاقتصادي انعكسا على علاقاتها مع العالم الخارجي.

كان الدور السوري في لبنان أساسياً في تعريف هذه الفرص، إذ تحولت الصفقات والتفاهمات الى معبر لعلاقات أقرب بين دمشق والعالم العربي، وأيضاً لبعض الفرص مع العالم الغربي، أكان لجهة تحرير المخطوفين في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، أو التفاوض والتفاهم مع إسرائيل وإبقاء الضغط عليها مع ضبط ايقاعه في جنوب لبنان (ومن خلال وجود حماس في الداخل السوري).

والعلاقة مع تركيا كانت في أغلبها مرتبطة بتهديد “حزب العمال الكردستاني” ووجود زعيمه على الأراضي السورية، كورقة ضغط اضطر النظام الى التخلص منها في لحظة حرجة. حتى شهر العسل بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وبشار الأسد لم يدم طويلاً نتيجة الثورة السورية.

في نهاية المطاف، هذا نظام يطلُ على العالم من نوافذ ضيقة. أوراقه موقتة وعليها تاريخ انتهاء صلاحية، كمثل الرهائن لدى العصابات، ينتهي الاهتمام فيها فور إتمام الصفقة.

كان النظام يطل على العالم الخارجي من نوافذ ضيقة، ليس فقط لأن سلوكه ميليشيوي الطابع، بل كذلك على قياس الدولة التي يبنيها، مع قدرات اقتصادية تنافسية محدودة وسياسات حمائية تترافق مع احتكارات لشبكة من المحسوبين على النظام، وغالباً من أبناء العائلة الحاكمة وأقاربها.

لذلك، حين نتحدث عن استئناف النظام علاقاته العربية، علينا إقامة دراسة جدوى. ما الذي لدى النظام ليُقدمه للعالم الخارجي؟ الآن هناك كذبتان. الأولى هي فك الارتباط عن إيران، وهذا بات صعب المنال نتيجة الحاجة اليها والى ميليشياتها في الحفاظ على أمن النظام. مع تراجع القدرات الروسية نتيجة الحرب في أوكرانيا، الاعتماد بشكل أكبر على إيران، هو الممر المنطقي للنظام لضمان أمنه.

الكذبة الثانية هي عودة اللاجئين. بيد أن مثل هذه العودة قد تحصل، ولو جزئياً، مع بعض النمو الاقتصادي وإعادة الاعمار، هذا لو افترضنا وجود النية السياسية لذلك. مشاريع إعادة الاعمار المحدودة تُظهر نية الاستحواذ وتحقيق الربح، وكذلك تُظهر وهن النظام في السيطرة على أقطاب فيه تتنافس في ما بينها على مراكمة الأرباح.

عدا هاتين الكذبتين، أي أدوات لدى النظام تُتيح انفتاحاً على العالم والمنطقة؟ بإمكان النظام بيع أوهام، ولكن في مرحلة موقتة، أكان لأردوغان قبل الانتخابات عبر وعود بإعادة جزء من اللاجئين، وربما بعودة رمزية لفئة الموالين، أو للأردن مثلاً مع خطوة رمزية كهذه، رغم أن عمّان راجعت خطواتها بعد انتشار عمليات تهريب المخدرات. لهذا كان الزلزال فرصة لبعض الزيارات والتضامن، ولكنها أيضاً موقتة.

حين يزول الغبار عن هذه الأدوات، ويظهر زيفها وضعفها، ستعود دول العالم والمنطقة لرؤية هذا النظام على حقيقته: مقر لصناعة المخدرات وتجارتها، وقاعدة لروسيا وإيران وحلفائها، وجميعهم على صدام مع المجتمع الدولي.

رهان النظام أمام مثل هذا الواقع، يبقى على مزيد من الكوارث الطبيعية لاستدرار زيارات التعاطف.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا