سوريا على حافة مشروع “الممر” بين الهند وأوروبا

لا يبدو تفاؤل الرئيس الأميركي بأثر اتفاق “الممر الاقتصادي” بين الهند وأوروبا، على منطقة الشرق الأوسط، في محله. فلو وجد المشروع طريقه للتنفيذ في مدى زمني قريب، فإنه لن يساهم في جعل المنطقة أكثر استقراراً وازدهاراً، كما يتوقع جو بايدن. إلا أنه دون شك، “سوف يغيّر قواعد اللعبة” في المنطقة، حسب تصريحات الرجل. لكن ليس في سوريا. ففي الأخيرة، سوف يؤدي العمل الجدّي إلى تنفيذ هكذا مشروع إلى تعزيز وضعها القائم الآن، بوصفها ساحة لتصفية حسابات المتصارعين إقليمياً ودولياً. مما يعني أن استقراراً وحلولاً سياسية واقتصادية نهائية، لن تجد طريقها لهذا البلد، في الأفق المنظور. وعلى الأرجح، ستزداد محورية التراب السوري، بوصفه منصة للتصويب على المشاريع الإقليمية والدولية المتنافسة.

قد يحلو للبعض، خاصة من منظّري الدول المتضررة من مشروع “الممر”، أن يقلّل من شأنه، وأن يعتبره مجرد دعاية سياسية، أو حملة علاقات عامة، تستهدف واشنطن من خلالها، اجتذاب الهند والسعودية والإمارات، بعيداً، قليلاً، عن الصين. وقد يقول بعض هؤلاء، إن الكلفة التمويلية الباهظة، والجدوى الاقتصادية للمشروع، لن تجعله قابلاً للتنفيذ. من ذلك، الاستناد إلى المبدأ الشهير في قطاع الشحن، والدقيق في معظم الحالات، والذي يقول إن الشحن البحري أقل كلفة من الشحن البرّي، بما فيه السككي. وفي حالة مشروع “الممر”، فإن تفريغ سفن ضخمة لتحميل البضائع إلى سكك حديدية، قبل تفريغها مجدداً، لتُحمّل في سفن ضخمة أخرى، سيُبقِي الشحن البحري عبر قناة السويس، أكثر جدوى، وأقل كلفة.

كان يمكن لهذا التقييم أن يكون دقيقاً تماماً، لو أن مشروع “الممر”، وفق المعلن عنه، يقتصر على نقل البضائع عبر مسار بحري أول، بين الهند والإمارات، ومن ثم، عبر مسار برّي سككي، عبر الإمارات والسعودية وجنوب الأردن، انتهاءً بالسواحل الإسرائيلية، ليبدأ مسار بحري جديد، يصل إلى اليونان، ويتفرع في باقي القارة الأوروبية. لو اقتصر الأمر على ذلك، لكان الشحن البحري عبر قناة السويس، سيبقى صامداً، بوصفه الأجدى اقتصادياً. لكن المشروع يتضمن رؤية طموحة لتمرير كابلات وخطوط أنابيب، لنقل الكهرباء المتجددة والهيدروجين النظيف، وكذلك للربط والنقل الرقمي للبيانات. مما يمثّل، لو تحقق، ثورة في أمن الطاقة، وتحديداً، الطاقة النظيفة. ناهيك عن قفزة في الربط الرقمي بين الشرق والغرب. إلى جانب نقل النفط والغاز عبر أنابيب يمكن أن تمتد أيضاً، عبر ذات المسار. وهو سيناريو لم يتم التطرق إليه بشكل واسع، حين الإعلان عن المشروع، لكنه قد يكون أبرز تجلياته قريبة المدى، والتي تعني إعلان وفاة عدد من المشاريع التاريخية المنافسة، والتي كان بعضها، يمرّ نظرياً، عبر سوريا. وكانت إيران وتركيا، أبرز المراهنين عليها.

وباعتبار أن إيران، أبرز المتضررين من المشروع، بعد عقدين من السعي المحموم لاحتلال موطئ قدم في الممرات التجارية المتنافسة، وبعد أن قطعت أشواطاً من العمل لتكون حلقة في سياق مشروع “الحزام والطريق” الصيني، يصبح التصويب على مساعي تنفيذ مشروع “الممر” بين الهند وأوروبا، عبر حلقته الأردنية، ضرورة استراتيجية لإيران. إن حدث ذلك، فإن أهمية تهريب المخدرات والأسلحة من الجنوب السوري إلى الأردن، ستتجاوز بعدها الابتزازي والتمويلي بالنسبة لنظام الأسد وإيران، لتصبح أداة استراتيجية لزعزعة الحلقة الأردنية في المشروع المزمع. أما على صعيد تركيا، فستُدفع هذه الأخيرة، دفعاً، أكثر فأكثر، نحو التحالف مع إيران وروسيا، من جراء عزلها عن مشروع “الممر”، وعدم واقعية المشروع البديل، “ربط الخليج بتركيا” عبر العراق، من جراء مروره بمناطق النفوذ الإيرانية، التي لا بد أن تخضع لإرادة طهران، والتي ستبقى بدورها، المعطّل، من جراء تعرضها هي الأخرى للعزل والتهميش عن أي مشاريع إقليمية للربط بين المسارات التجارية الدولية.

وفيما يُظهر الأميركيون حماساً كبيراً للبدء بتنفيذ المشروع خلال عام، للتشويش على نفوذ الصين المتصاعد في الشرق الأوسط والعالم، تجد أوروبا نفسها، من أبرز الرابحين من المشروع، بصورة تقلل من اعتمادها على الإمدادات الصينية، وتعزّز أمن الطاقة بالنسبة لها. فيما تسعى الهند لاقتناص الفرصة، لتؤكد للغرب أنها مؤهلة لتكون القطب التصنيعي والتوريدي البديل عن الصين، أو على الأقل، المنافس له بشدة. فيما تضع كل من السعودية والإمارات، موطئ قدم لهما في خريطة المستقبل، المتجه نحو الطاقة النظيفة، والمزيد من التطور الرقمي.

وعلى حافة هذا المشروع الطموح، تقع سوريا. تلك التي أخرجها بشار الأسد من كل خرائط ومشاريع الممرات التجارية وخطوط الأنابيب المتنافسة في المنطقة، بعد أن كانت قبل 12 عاماً فقط، في المركز منها جميعاً، تقريباً. بل وبرّر إعلامه ومنظّروه تلك الحرب العبثية التي شنها على شعبه، بأنها جاءت فداءً لمصالح روسيا وإيران، الرافضتين لأي مشاريع لنقل الطاقة من الخليج، عبر الأراضي والسواحل السورية، إلى أوروبا. ومن جنوب سوريا، ستعمل طهران على تكثيف تهديدها للأمن القومي الأردني، بغية خلخلة واحدة من حلقات مشروع “الممر”. لتصبح المنطقة الآمنة، هناك، ضرورة جيوستراتيجية، للأميركيين وشركائهم الإقليميين. وحينما يصبح تنفيذ تلك المنطقة، في الجنوب السوري، واقعاً، سنسمع منظّري النظام يتحدثون عن أنهم حذّروا مراراً من “المؤامرة” لفصل الجنوب عن سوريا، متجاهلين حقيقة أن تحويل سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لصالح إيران، لن يؤول إلا إلى هذه النتيجة.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا