طباخ بوتين والسمّ السوري

لم تمد موسكو يدها لإنقاذ سلطة الأسد من الأزمة المعيشية التي تفاقمت مؤخراً، ولم تنضم إليها في رمي أسباب الأزمة على الحصار الاقتصادي، وهي الذريعة التي لا يكف إعلام بشار عن ترويجها. إنه الفساد؛ وهذه المرة لا يأتي التوصيف من جهة معارضي الأسد، ولا من جهة موالين يرمون التهمة على مستويات متدنية من السلطة يُضحّى بها بين الحين والآخر. التهمة أتت من إعلام روسي يملكه أقرب المقرّبين إلى بوتين، وهي موجهة إلى المستويات العليا تحديداً، مع التأكيد على التوقيت الحرج الذي لا يراعي التابع السوري.

بالطبع لا حساسية لطباخ بوتين، الذي يملك وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية، إزاء الفساد. سيرة الرجل نفسه أفضل مثال على عالم المافيا، وصعوده المريب من بائع نقانق وصاحب مطعم إلى إمبراطور على عرش شركات متنوعة لا يُفسره لقاء مصادفة بينه وبين بوتين الذي اعتمده كطباخ، متجاهلاً “أو آخذاً في الحسبان” تاريخه كسجين جنائي على خلفية العديد من التهم بما فيها السرقة.

كان اسم يفغيني بريغوجين “المشهور بطباخ بوتين” قد برز بقوة مع تقرير روبرت مولر المحقق في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، حيث يشير التقرير إلى أن إحدى شركاته المختصة بالأنترنت قادت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي لصالح ترامب. الرجل، كما بات معلوماً، لديه أيضاً شركة فاغنر وهي تدير شبكة من المرتزقة الذين يقاتلون في سوريا وليبيا والعديد من الدول الأفريقية، إما بالتعاون مع الجيش الروسي أو بالنيابة عنه. في سوريا، وقّعت الشركة المذكورة عقداً مع سلطة الأسد، تحصل بموجبه على 25% من عائدات حقول النفط والغاز التي تقوم بـ”تحريرها”، وجرّب المرتزقة في إحدى المرات التحرش بالقوات الأمريكية التي تسيطر على حقول النفط وتلقوا رداً نارياً قاسياً.

في المقلب السوري أيضاً، تتعاون شركة فاغنر مع القوات الروسية في استقطاب مرتزقة سوريين للقتال إلى جانب قوات حفتر في ليبيا، لكن لا يُعرف حجم نشاط شركات بريغوجين الحالي، أو الوعود التي حصلت عليها من سلطة الأسد، أو مطامحها المستقبلية. أفضل ما يقدّم لنا تصوراً عن نوايا الطباخ، ومن خلفه الكرملين، هو نموذج جمهورية أفريقيا الوسطى. هناك على سبيل المثال يموّل إذاعة محلية تواكب التدخل الروسي، فضلاً عن تأثيره على إذاعات أخرى باتت تقدّم دروساً في اللغة الروسية وبرامج عن الحياة في روسيا. شركات بريغوجين ومرتزقته غطوا الشوارع بشعار “روسيا: يد بيد مع جيشكم”، والمجندون الجدد يتلقون تدريباتهم بإشراف مرتزقة فاغنر. فضلاً عن النفوذ الروسي المتعاظم ومعانيه السياسية والاستراتيجية، حصل بريغوجين على عقود لاستخراج الذهب والماس بشروط لا وصف لها أفضل من نهب ثروات ذلك البلد.

التقارير الثلاثة التي تداولها الإعلام نقلاً عن وكالة الأنباء التابعة لبريغوجين، ونشرتها “المدن”( هجوم روسي على الأسد:ضعيف وفاسد والسوريون لن ينتخبوه) ، غير مسبوقة لناحية تفنيد ادّعاءات الأسد حول مكافحة الفساد، وغير مسبوقة لجهة غوصها في تركيبة سلطة الأسد. هي أيضاً مختلفة اللهجة والمقصد عن مناسبات سابقة أُهين فيها بشار بواسطة الإعلام الروسي، من نوع وصفه بذنب الكلب، ففي ما سبق كانت الغاية من الإذلال الضغط عليه سياسياً، وإعطاء الانطباع للعالم بسيطرة موسكو المطلقة عليه. لم توجّه التقارير المذكورة تهمة الفساد إلى بشار شخصياً، إلا أن واحداً منها خلص إلى عدم تمتعه بالإرادة والتصميم على مواجهة شبكة الفساد المقرّبة منه، ويمكن استخلاص كون شبكات الفساد العليا المعنية هي التي تحبط “الجهود والاستثمارات” الروسية في اقتصاد الأسد.

من التسرع البناء على استطلاع روسي لآراء عينة سورية، كما ورد في تقرير يُظهر حصول بشار على 32% من دعم السوريين، فموسكو لن تبادر إلى تنحية بشار بناء عليه. وبالطبع من الخطأ الظن بوجود اعتراض روسي مبدئي على الفساد، فطباخ بوتين نفسه رمز كبير للفساد في بلاده. الأمر، كما لا يصعب فهمه، يتعلق بعملية ابتزاز روسية ضخمة، لا يُستبعد مجيئها بسبب ممانعة تبديها سلطة بشار للهيمنة الاقتصادية الروسية، أو أن يكون الابتزاز تمهيداً للهيمنة المطلوبة.

كنا في الصيف الماضي قد تابعنا أخباراً عن تجريد عائلتي مخلوف وشاليش من امتيازاتهما وجزء من ثرواتهما، ورُدّ إقدام بشار على ذلك إلى طلب روسي مباشر. تظاهرة محاربة الفساد تلك انتهت بلا تأثير يُذكر، وكانت في الأصل على غرار الأكاذيب الدائمة عن مكافحة الفساد، وإذا تمخضت عن حصيلة مالية ما يصعب الزعم بأنها ذهبت لمصلحة عموم السوريين. المهم في هذا السياق أن طلبات روسية تتعلق بالحلقة العليا من الفساد الأسدي قوبلت بالمراوغة، ويبدو أن الصبر الروسي قد استُنفذ خلال ما يقارب السنة من الضغوط والوعود.

إنه صراع المصالح الذي لا تشوبه رحمة، وأفضل تمثيل له أن تكشر المافيا الروسية عن أنيابها في وجه العصابة الأسدية. الفارق بين الطرفين لا يتوقف عند الفارق بين روسيا كقوة لها وزن دولي وكقوة احتلال في سوريا وتابعها الأسدي، بل هو أيضاً بين مافيا دولية وعصابة محلية. تشابه المافيا والعصابة من حيث تآزر السلطة والفساد قد يكون مؤثراً في نسج تحالف بينهما، بشرط الإذعان التام من قبل الصغير الذي ظن نفسه شريكاً.

لئن كان واضحاً أن التدخل الروسي لم يأتِ كرمى لعيون بشار فإن الاصطدام بين المافيا والعصابة كان متوقعاً ومنتظراً، ويصعب بطبيعة الطرفين تحاشيه. لدينا عصابة محلية كفؤة، فقط إذا كان المعيار قدرتها على السوريين بمباركة مافيات دولية، وهذه العصابة رفضت مبدأ المشاركة مع السوريين لأنها في جوهرها وجوهر نشأتها غير قادرة على ذلك. نحن إزاء عصابة لا تفهم سوى منطق الإذعان الذي فرضته على محكوميها، ويتضح يوماً بعد يوم أنها لا تفهم سوى منطق الإذعان الذي يُفرض عليها لأنها غير قادرة من تلقاء ذاتها على التكيّف مع وضعيتها الجديدة.

الابتزاز الروسي مدروس لجهة التوقيت، فالعصابة الأسدية في ورطة اقتصادية صعبة فاقم من بروزها الخوف من تفشي كورونا. العالم كله مشغول بالوباء المستجد، بما فيه طهران التي تطرق باب صندوق النقد الدولي لأول مرة. أسوأ توقيت للعصابة هو أفضله بالنسبة للمافيا الروسية كي تفرض شروطها، خاصة لقاء أية مساعدة جديدة مطلوبة منها، وينبغي ألا ننسى أن شهر حزيران القادم قد يحمل تفعيل قانون قيصر الذي سيفرض قيوداً إضافية على سلطة الأسد وشركائها التجاريين.

المطلوب من الأسد فتح اقتصاده بالكامل أمام المافيا الروسية بلا شروط أو مراوغة، على النحو الذي فتح فيه هيئة الأركان العسكرية أمام الجنرالات الروس. ومن الطريف أن يستعير “طباخ بوتين” قولاً لبشار ينص على أن “الفساد أسوأ من الإرهاب”، ليستنتج كاتب التقرير أن على روسيا هزيمة الفساد بالطريقة التي هزمت بها الإرهاب. مجازياً، ربما حانت أخيراً لحظة تجرع السم الذي يعده طباخ بوتين، ومن تقاليد المافيا تقديم السم كي ينتحر به أولئك الذين خدموها وانتهى دورهم. في هذا أيضاً تختلف المافيات عن العصابات، فالانتحار ليس من تقاليد الأخيرة التي تقتصر على القتل.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا