كيف يمكن أن تعيد حرب أكتوبر الجديدة تشكيل الصراع السوري؟

قبل خمسين عاماً، شنت سوريا إلى جانب مصر هجوماً مزدوجاً على إسرائيل بهدف تحرير كل من شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان. وقد تمكّنت سوريا وقتها من استعادة السيطرة على أجزاء من الهضبة بما في ذلك مدينة القنيطرة. مع مرور خمسة عقود بالضبط على تلك الحرب، قد يُعيد التاريخ نفسه من جديد وإن بشكل مختلف. لقد اختارت حركة حماس ذكرى حرب أكتوبر لشن هجوم كاسح على إسرائيل، والذي أدى فيما بعد إلى إعلان إسرائيل حالة الحرب وشن هجمات مدمرة على غزة وهي تُخطط بالفعل لشن هجوم بري على القطاع. يُمكن لاجتياح بري إسرائيلي أن يوسع رقعة الحرب إلى مستوى إقليمي لأن إيران تواصل عبر وكلائها في المنطقة إرسال رسائل بهذا الاتجاه. وفي حال انفجر صراع إقليمي، فإن سوريا لن تكون بمعزل عنه. وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل الصراع السوري.

على عكس حرب أكتوبر الأولى، التي حرّكتها ديناميكيات إقليمية، فإن الحرب الحالية تُحركها بصورة أساسية ديناميكيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لا يُمكن بالطبع تجاهل الديناميكيات الإقليمية التي أسهمت في توفير الظروف الكاملة للوضع الحالي مع اختلاف أن دور مصر وسوريا يختلف بشكل جذري الآن. فمن جانب، فقدت القاهرة الكثير من تأثيرها التاريخي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كنتيجة لدخولها في معاهدة سلام مع إسرائيل وكنتيجة لتراجع دورها الإقليمي مقارنة بما كان عليه خلال حقبة السبعينيات. ومن جانب آخر، لم يعد لسوريا منذ حرب أكتوبر الأولى دور جوهري يُذكر في الصراع، مع استثناء أنها أصبحت بعد اثني عشر عاماً من الحرب تؤدي دوراً وظيفياً لصالح إيران في صراع الظل مع إسرائيل. كما أنها تحولت إلى دولة فاشلة تتقاسم القوى الإقليمية والدولية النفوذ على جغرافيتها. بهذا المعنى، فإن سوريا ستكون في سيناريو مواجهة إقليمية بالوكالة بين إسرائيل وإيران مفعولاً به وليس فاعلاً على غرار حرب أكتوبر الأولى.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تظهر مؤشرات قوية على احتمال تطور الحرب بين إسرائيل وحماس إلى حرب إقليمية. لكن المخاطر تتزايد. في الخامس عشر من الشهر الجاري، حذر وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان من أن حلفاء إيران في المنطقة جاهزون للانخراط في الحرب في حال لم توقف إسرائيل عدوانها على غزة. من المفارقات أن طهران تُفضل استخدام وكلائها في المنطقة للانخراط في هذه الحرب، بدل الانخراط المباشر فيها. علاوة على أن هذه الاستراتيجية تنسجم مع العقيدة الإيرانية التي ترتكز على خوض الحروب بالوكالة للحد من تكاليفها على إيران نفسها، فإن لدى طهران القدرة بالفعل في التأثير القوي على ديناميكية الحرب دون الانخراط المباشر فيها. إلى جانب الوجود العسكري الإيراني القوي في الجبهة الجنوبية السورية المتاخمة لإسرائيل، فإن طهران قادرة على استخدام قواتها والجماعات التي تُديرها في سوريا والعراق لاستهداف القوات الأميركية. كما أن حزب الله، الذي يُمثل القوة الضاربة لإيران في المنطقة، ولديه حضور عسكري قوي في سوريا، سيكون سلاحاً إيرانياً فعالاً على الجبهة الجنوبية اللبنانية في مثل هذا السيناريو.

مع أن التحالف الاستراتيجي الذي يجمع النظام السوري مع إيران وثيق جداً، إلا أن النظام سيسعى لعزل نفسه عن الانخراط في الحرب لصالح إيران، إما لأن قدراته العسكرية منهكة أو لأن أولويته ستكون البقاء أو كليهما معاً. رغم ذلك، فإن قدرته على منع إيران من استخدام وجودها العسكري في سوريا في إطار حرب بالوكالة مع إسرائيل محدودة جداً. تمتلك طهران اليد العليا في جنوب سوريا بفعل حضورها العسكري القوي وقد عملت بالفعل على تعزيز هذا الوجود في الأيام الأخيرة وفق ما ذكره تقرير لمعهد دراسات الحرب في واشنطن. لكنّ النظام سيتعين عليه دفع أثمان في حرب الوكالة. في الأيام القليلة الماضية، استهدفت ضربات جوية إسرائيلية مطاري دمشق وحلب في حين بدا أنها رسائل تحذيرية إسرائيلية من العواقب. ومن المرجح أن تكون البنية التحتية السورية هدفاً واسعاً لإسرائيل في حال تحولت الجبهة الجنوبية السورية إلى ساحة قتال ضد إسرائيل. في حين أن الضربات الجوية التي تشنها إسرائيل باستمرار على أهداف إيرانية في سوريا منذ سنوات لم تُشكل تهديداً وجودياً لنظام الأسد، إلا أن إسرائيل قد تعمد هذه المرة إلى تدمير القدرات العسكرية للنظام على نحو يُشكل تهديداً وجودياً له. لقد وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تغيير الشرق الأوسط بعد هجوم حماس، وبالتأكيد فإن سوريا لن تكون بمعزل عن الهدف الإسرائيلي كما لبنان.

رغم أن إيران ما تزال حذرة حتى اليوم في دفع وكلائها في المنطقة إلى الانخراط في الحرب، إلا أنها تُدرك العواقب التي ستجلبها فيما بعد على دورها في المنطقة وحضورها في سوريا في حال نجحت إسرائيل في تدمير حركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة. ستُصبح إسرائيل أكثر جرأة في ضرب الوجود الإيراني في سوريا، كما ستُكثّف مساعيها لقطع إمدادات الأسلحة التي تصل إلى حزب الله عبر سوريا. ومن غير المستبعد أن يكون حزب الله الهدف التالي لحرب إسرائيلية في المستقبل. تعمل هذه الهواجس كمحفز قوي لطهران للانخراط بالوكالة في الحرب الراهنة بقدر أكبر من الحذر من العواقب. من بين أكثر التساؤلات أهمية في سيناريو مواجهة إقليمية تتعلق بالتداعيات المحتملة على ديناميكية الصراع في سوريا. بالنظر إلى أن جانباً مهماً من قدرة النظام السوري على تغيير موازين الحرب الداخلية لصالحه يتمثل في الدعم العسكري الإيراني له، فإن تراجع هذا الدعم لصالح التركيز على جبهات الوكالة مع إسرائيل سيؤدي إلى إضعاف تأثير إيران في المعادلة السورية في المستقبل المنظور وربما البعيد أيضاً.

تبدو قدرة الحالة السورية المسلحة المعارضة على توظيف سيناريو المواجهة الإقليمية لعكس مسار الصراع في سوريا محل شك بالنظر إلى دور روسيا في الصراع وتخلي تركيا، الداعم الأساسي المتبقي للمعارضة عن هدف الإطاحة بنظام الأسد. كما أن الولايات المتحدة، التي يُمكن أن تدفعها حرب إقليمية إلى تغيير مقاربتها للصراع السوري، لا تمتلك وسائل التأثير الكافية لتغيير مساره. مع ذلك، فإنه في سيناريو مواجهة إقليمية، قد يتغير جانب كبير من الحسابات الإقليمية والدولية في الصراع السوري لأنها ستتعامل مع شرق أوسط جديد أكثر اضطراباً وأكثر تأثيراً على مصالح القوى الإقليمية والدولية. حقيقة أن تركيز روسيا للكثير من مواردها القتالية على الحرب في أوكرانيا يجعل من الصعب عليها مواجهة أي محاولات لإعادة تشكيل الصراع في سوريا. كما أن انخراطاً عسكرياً أميركياً في سيناريو مواجهة إقليمية، يقوض قدرة واشنطن على ردع طموحات تركيا للقضاء على الإدارة الذاتية لوحدات حماية الشعب الكردية. وقد يعمل هذان الأمران كمحفز قوي لتركيا لتوسيع مناطق نفوذها في الشمال السوري بما يُساعدها في تحقيق مشروع المنطقة العازلة التي تطمح إليها وفرضها أمراً واقعاً.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا