نظام الأسد وأوهام العلاقات الاقتصادية مع الصين

كانت سوريا من أوائل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، حين التقى المسؤولون من كلا البلدين لأول مرة خلال مؤتمر باندونغ عام 1955، وأعجب المسؤولون السوريون بدعم تشو إن للقضايا العربية، وخلال الأزمة السورية التركية عام 1957، دعمت بكين سوريا.

كما أرسل الزعيم الصيني “ماو” رسالة دعم إلى الرئيس السوري، جاء فيها أنه “في الوقت الذي تضغط فيه الولايات المتحدة على تركيا للقيام باستفزازات ضد سوريا في مؤامرة لبدء حرب عدوانية، أكرر الموقف الثابت لحكومة وشعب الصين بدعم حازم للنضال العادل للشعب السوري للدفاع عن استقلاله وسلامه”.

بين عامي 1958 و1962، اندمجت سوريا سياسياً مع مصر لتشكل الجمهورية العربية المتحدة، حينها بسبب مركزية السلطة فإن رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر حدد بنفسه السياسة الخارجية للدولة، ولم يكن لسوريا خلال تلك الفترة سياسة خارجية مستقلة.

عندما انهارت الجمهورية العربية المتحدة في أعقاب انقلاب عام 1962، أعيد تأسيس العلاقات الصينية السورية، وزاد التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي بين الصين وسوريا بعد فترة “ماو”، لكنها ظلت محدودة بالنظر إلى صغر حجم سوريا ونقص الموارد التي تهم الصين.

دعمت الصين نظام الأسد، وهذا الموقف متجذر في سياسة الصين المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، لذلك منذ بدء الثورة السورية في عام 2011، استخدمت بكين وروسيا حق النقض (الفيتو) ضد ثماني قرارات لمجلس الأمن تهدف إلى إدانة النظام السوري لاستخدامه العنف الوحشي ضد المدنيين الأبرياء، حيث أن موقف بكين أن الأزمة السورية لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية، ويجب السعي إلى إنهاء الأزمة من خلال الحوار السياسي. علاوة على ذلك، ترى بكين أن نظام الأسد حليف يمكن الاعتماد عليه في المنطقة للقتال ضد مقاتلي داعش، وتزيد أهمية نظام الأسد بالنظر إلى مخاوف الصين بشأن النزعة الانفصالية في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم.

اقتصادياً العلاقة مع الصين تاريخياً علاقة بسيطة جداً، حيث انخفضت التجارة بين سوريا والصين بنسبة 60% بمجرد اندلاع الثورة عام 2011، من 2.5 مليار دولار أميركي في 2010-2011 إلى 1.1 مليار دولار أميركي في عام 2016.

كذلك انخفضت الصادرات السورية إلى الصين من 38 مليون دولار أميركي إلى 4 ملايين دولار بين عامي 2011 و2016ـ

لا تمثل السوق السورية بالنسبة للصين أي رقم يعتد به، أو يمكن أن تلتفت الصين له، حيث وصل أعلى حجم استيراد سوري للبضائع الصينية عام 2011 مبلغ 2.5 مليار دولار !

وللتقريب والتوضيح: لو اعتبرنا أن سوريا اليوم تستورد من الصين نفس البضائع عام 2021 وأخذنا بعين الاعتبار حجم الصادرات الصينية 2021 التي بلغت 3.34 تريليونات دولار، معناها السوق السورية تمثل كنسبة أقل من 7 بالـ عشرة آلاف مما تصدره الصين! فما بالك إذا كانت الصادرات الصينية لسوريا اليوم لا تصل للمليار دولار يعني هي اليوم تمثل نسبة 2 بالعشرة آلاف!

عملياً السوق السوري هي بحجم سوق جزر موريشوس التي تبلغ مساحتها 2040 كم مربع، أو بقول آخر مساحتها 1 على 10 آلاف من مساحة سوريا (186 ألف كم مربع)!

بمعنى آخر السوق السورية تستورد أقل ب 18 ضعفا مما تستورده مصر وأقل ب3 أضعاف من توغو! أما الصادرات فأكبر حجم تصدير في حياة الحكومات السورية المتعاقبة كان تصدير بضائع بقيمة 50 مليون دولار عام 2010! ومعظمها هو القطن الخام، وتلك بالمناسبة كانت أفضل سنة تصدير، لكن معظم السنوات منذ 2005 تراوح حجم التصدير مابين 10-20 مليون دولار وهو مبلغ تافه جداً في عالم الصادرات يمكن لتاجر واحد أن يقوم بأكثر من ذلك!

إن إضافة موانئ جديدة للصين يخدم مشروعها “الحزام والطريق” ولكن الصين تبحث عن موانئ في دول مستقرة ولديها سيادة على أرضها، وليست المورد الأول للكيبتاغون في العالم!

كانت عين الصين على ميناء حيفا حيث أن العلاقات البحرية للصين مع إسرائيل توسعت أيضًا، مما أثار غضب الولايات المتحدة، وفي عام 2015، وقعت إسرائيل اتفاقية طويلة الأجل مع شركة صينية لتشغيل ميناء حيفا على البحر الأبيض المتوسط، بدءا من عام 2021، وأثارت الصفقة اعتراضات شديدة من الولايات المتحدة تركزت على احتمال قيام الصين بجمع معلومات استخبارية ضد الأسطول السادس الأميركي، الذي كثيرا ما ترسو سفنه في حيفا، لذلك ألغت إسرائيل العقد مع الصين وأعطته في يناير 2023 لشركة لكونسورتيوم الهندية الإسرائيلية التي تقودها مجموعة آداني الهندية حيث أكملت شراء ميناء حيفا في شمال إسرائيل مقابل أربعة مليارات شيكل (1.15 مليار دولار).

كذلك تبحث الصين عن نفوذ أمني وعسكري واقتصادي لذلك أقامت قاعدة بحرية صينية في جيبوتي في عام 2017، كما أقامت قاعدة عسكرية في إيران فيها 5000 عسكري صيني، والسفن الحربية الصينية قادرة على استخدام منشآت تبنيها شركات صينية في الموانئ الإيرانية الرئيسية في كل من جابهار، وبندر بوشهر، وبندر عباس.

في الحالة السورية الموانئ كلها بيد الشركات الروسية بناء على اتفاقيات إذعان لمدة 49 عاماً، فلو كانت الصين راغبة في تشغيل الموانئ السورية فعليها التفاهم مع الوكيل الحصري الروسي للأصول السيادية السورية من ثروة باطنية وموانئ ومطارات وفوسفات، ولا تحتاج الحديث مع حكومة نظام الأسد.

أما عسكرياً فالروس لن يسمحوا ببناء قاعدة صينية إلى جانب قاعدة حميميم الروسية في سوريا لأنها قد تنافسهم على السلطة العسكرية في سوريا.

لاأعتقد أن المرافئ السورية بوضعها المزري الحالي مغرية للصين، خاصة أن الروس لم يستثمروا فيها أو يصلحوها منذ استلامها، لأنهم ينتظرون دولة غربية تنفذ المشروع بالنيابة عنهم في مرحلة “إعادة الإعمار” وهم ينتظروا حصتهم كوكيل حصري للموانئ!

 كذلك فإن الصين تبحث عن موانئ إمكانياتها كبيرة مثل ميناء جبل علي الذي تبلغ طاقته السنوية 13.7 مليون حاوية، ميناء بورسعيد وجدة وصلالة عُمان 4.8 ملايين حاوية، بينما طاقة ميناء اللاذقية القصوى 620 ألف حاوية! وطاقة موانئ طرطوس وبانياس أقل، فضلاً عن بنيتها التحتية المتهالكة.

المشكلة الأكبر أن الصين في ظل العقوبات لن تعرّض شركاتها لخطر العقوبات من أجل سوق لا تمثل سوى 64 بالمئة من مساحة سوريا وثلث المساحة صحراء (منطقة النفوذ الروسي)، فهي سوق غير مغرية ليس فقط لأن 95 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر، ومعدل دخلهم لايتجاوز 15 إلى 20 دولار حيث أن قدرتهم الشرائية لاقتناء البضائع الصينية ضعيف جداً، بل لأن أسعار التأمين على الشحن البحري سيكون كبير جداً لأن سوريا دولة غير مستقرة والمخاطرة فيها مرتفعة، وستلتقط شركات التأمين حوادث سابقة حيث أن ميناء اللاذقية قصف مرتين من قبل إسرائيل بسبب الوجود الإيراني وشبهة إدخال أسلحة إيرانية، فضلاً عن أن سمعة سوريا دولياً أنها “عاصمة الكبتاغون”، ومع سريان مفعول قانون الكيبتاغون الأميركي فإنه نادراً ما ترى شركة تأمين لسفن الشحن في المرافئ، وإن وجدت فستكون عالية التكلفة، لذا فالصين صعب أن تعتبر ميناء اللاذقية أو طرطوس ميناء دولي ممكن للدول استقدام شحناتها ولو حتى مؤقتاً ترانزيت لغرض سلاسل التوريد ولا حتى يمكن استخدامها كمركز لإعادة التصدير بسبب حالة عدم الاستقرار وكثرة القلاقل العسكرية في دولة بلا سيادة.

تحركت الصين لتعزيز مبادرتها “الحزام والطريق”، وكانت سرعة بكين وتصميمها أكثر وضوحا في الشرق الأوسط، وأصبحت الصين أكبر مستثمر أجنبي في المنطقة في عام 2016، ومنذ افتتاح مبادرة الحزام والطريق، ضخت بكين ما لا يقل عن 123 مليار دولار في الشرق الأوسط لتمويل المشاريع المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

الصين تعلم أن سوريا فيها 830 نقطة وقاعدة عسكرية لجيوش أربعة دول روسيا وإيران وأميركا وتركيا، وفيها ملايين الأسلحة وغير مستقرة، لذا فهي ستقوم من أجل خطة “الحزام والطريق” بالتعاون مع العديد من الدول العربية حصراً المستقرة منها بتنفيذ مشاريع كبرى للموانئ والبنية التحتية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وعمان وجيبوتي ومصر، حيث وقعت الصين أيضًا اتفاقيات الجيل الخامس مع جميع دول مجلس التعاون الخليجي، وهي علامة أخرى على العلاقات الاقتصادية المتنامية باستمرار مع بكين، فضلاً عن انفتاح الخليج على تكامل أعمق مع خطط التنمية العالمية للصين.

ولكن سوريا صعب أن تكون من هذه الدول، على الأقل حتى تخرج أربعة جيوش أجنبية منها، وتستقر سياسياً، واقتصادياً!

إن الزيارة السياحية التي قام بها الأسد وزوجته وعائلته زيارة لطيفة، مهمتها الإعلامية هي رفع مستوى حنق الشارع على الأداء السياسي لنظام الأسد الذي يتجاهل الفقر والعوز والجوع الذي يعاني منه تقريباً كل السوريين، إضافة لعدم استقرار حتى ال 63% من مناطق سوريا التي تحت سلطة النفوذ الروسي والإيراني ونظام الأسد! فبعد 12 عاماً ها هي محافظة السويداء تنادي بإسقاط النظام وغير مستقرة وكذلك محافظة درعا!

إن توقيع ما سمي بالشراكات “الاستراتيجية” الشكلية مع الصين هي شراكة بلا ترجمة عملية، وعلى كل حال وقع الأسد اتفاقيات وشراكات أكثر مع روسيا والشعب بعد 12 عاماً يتضور جوعاً وبلا وقود وبلا كهرباء وبلا خدمات وعشرات آلاف الموظفين الذين قدموا استقالتهم بسبب عدم قدرتهم المالية الوصول لوظائفهم، إضافة لشح الخبز والغذاء رغم أن روسيا “الشريك الاستراتيجي” المسيطرة على القرار السوري هي أكبر مصدّر للقمح والنفط في العالم! والحال ليس بأفضل حالاً مع “الشريك الاستراتيجي” الإيراني!

لم يصطحب الأسد معه رؤساء غرف التجارة والصناعة و “رجال الأعمال” والوزراء بل اكتفى بزوجته أسماء لأنها بمثابة “أمّ الاقتصاد السوري” ولأنها تعد الوكيلة الحصرية بعد رامي مخلوف على ما تبقى من الاقتصاد السوري بعدما تم بيع الأصول السيادية السورية في 51 اتفاقية مع إيران و أكثر من 60 اتفاقية مع روسيا.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا