ثغرة الجولاني في الشمال السوري

تواصل القوات التركية اتخاذ تدابيرها الأمنية وعمليات البحث عن عناصر “هيئة تحرير الشام” في مدينة عفرين ومحيطها للتأكد من انسحاب ميليشيا الجولاني وعودتها إلى مدينة إدلب، بعد عمليات الاختراق والتوغل العسكري التي نفذتها في العديد من قرى شمال غربي سوريا، مستفيدة من التوتر والاشتباكات الحاصلة بين بعض فصائل الجيش الوطني، لبسط نفوذها على مناطق جديدة هناك.

هل من ضامن أن قوات الجولاني لن تكرر المحاولة وأنها ستلتزم بالتحذيرات التركية؟ وهل ستتعلم فصائل المعارضة السورية من أخطائها وتوحد صفوفها من جديد كي لا تدفع ثمنا أكبر في المرة القادمة؟

أثار توغل عناصر “هيئة تحرير الشام” في مناطق نفوذ جديدة في الشمال السوري، ونحن نناقش منذ أشهر طويلة سبل ووسائل إخراج هذه المجموعات من المشهد هناك، جملة من التساؤلات المصحوبة بالكثير من الشبهات.

ثغرة الجولاني لم تقتصر على طرح مسألة تواطؤ بعض فصائل المعارضة، وفتحها الطريق أمام وحدات الهيئة لتقضم مساحات إضافية خارج مناطق وجودها، بل تعداها ليشمل نقاشات حجم تدخل بعض القوى والأجهزة الاستخباراتية المحلية والإقليمية المؤثرة في الملف السوري وقدرتها على تفجير الوضع الميداني عند الحاجة أولا. ومدى جدية خطورة الوضع الأمني والعسكري القائم في إدلب ومحيطها ثانيا. ومحاولة الربط بين ما يجري في الشمال الغربي والشمال الشرقي ضد تركيا ثالثا. واحتمال لعب ورقة “تحرير الشام” من قبل النظام لتفجير الوضع في الشمال ومحاصرة أنقرة بخطوة التفاهم معه رابعا.

“الهيئة” تقول لا منطقة آمنة، لا عودة للاجئين من الأراضي التركية بل السيناريو المعاكس هو الصحيح، ولا معارضة سورية معتدلة بعد الآن فالمكان تحت سيطرتها، ولا تقدم لقوات النظام نحو الحدود المشتركة دون أخذ موافقتها واحترام حصتها في هذه المسائل.

أكثر من تحد ينتظر أنقرة في الشمال السوري على ضفتيه وهي قد لا تريد الدخول في مواجهة عسكرية إضافية مع مجموعات “تحرير الشام” الامتدادية لتنظيم النصرة الإرهابي، معولة على لعبة الوقت والمتغيرات لحسم المسألة. لكن تحركات الجولاني واستفزازاته التي تتعارض مع مصالح تركيا وحلفائها المحليين هناك، لا يمكن التغاضي عنها أو معالجتها بدواء مؤقت أمام خطورة ما تفعل والأضرار التي تتسبب بها. الرد التركي على سلوك وتصرفات عناصر الجولاني ينبغي أن يكون بنفس المعيار والثقل إذن.

رسم السيناريوهات حول الاختراق الذي نفذه الجولاني ومحاولات التمركز في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، وأسباب استهداف وحدات الجيش الوطني والفيلق الثالث على هذا النحو والاحتمالات والتوقعات المرتقبة في سياسة تركيا السورية حيال حلفائها لم تتوقف حتى الآن.

رمى البعض الكرة في ملعب أنقرة بسبب عدم منع الهجوم، متسائلا كيف تحاول عناصر الهيئة تغيير خارطة النفوذ في الشمال السوري على هذا النحو في مناطق تقع تحت سيطرة القوات التركية منذ سنوات؟ البعض حاول أيضا أن يلمح إلى أن العملية مدبرة بين أكثر من طرف سياسي محلي وإقليمي بهدف إضعاف “الفيلق الثالث” والبحث عن خارطة تفاهمات جديدة في سوريا.

تحليلات كثيرة تقاطعت عند نقاط أن “تحرير الشام” سعت وراء تحقيق أكثر من هدف عبر هذا الهجوم الواسع الذي أسفر عن سقوط العشرات من القتلى والجرحى:

ترك وحدات “الفيلق الثالث” أمام أكثر من مسألة عسكرية وميدانية وتنظيمية بعد استسلام وتآمر مجموعات قتالية كان من المفترض أنها في خندق واحد. إثبات قدرتها على إدارة الشؤون المحلية لمناطق الشمال الغربي بمفردها، وأن الثمن الذي ستحصل عليه هو هيمنتها الكاملة على المنطقة كمتحدث منفرد. إلى جانب فتح الطريق أمام الاعتراف السياسي بها. هذا بالإضافة إلى العامل المالي الاقتصادي الذي يمنحها فرصة الإشراف على حركة موارد المعابر الاقتصادية في المنطقة.

يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “جهودنا ضد التنظيمات الإرهابية ضمانة لوحدة سوريا وسلامة أراضيها، لكن النظام لم يتخذ موقفا تجاه تلك التنظيمات”. المعني هنا هو “قوات سوريا الديمقراطية” في شرق الفرات. إسقاط ورقة النصرة في شمال غربي سوريا من يد العديد من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية سيفتح الطريق أمام إسقاط ورقة أخرى لا تقل أهمية بيد واشنطن وبعض العواصم الأوروبية الرافضة لقيام أنقرة بعملية عسكرية في شرق الفرات ضد مجموعات قسد ووحدات الحماية.

توغل “تحرير الشام” يشكل بعد الآن الفرصة الكبيرة التي كانت تبحث عنها أنقرة للخروج من ورطة هذه المجموعات المصنفة على قواعد الإرهاب العالمي. تركيا ستتخلص من عبء هذه العناصر في مناطق نفوذها أولا، ثم تكسب المجتمع الدولي إلى جانبها في إنهاء هذا الملف العالق منذ سنوات ثانيا. وتفتح الطريق أمام حسم موضوع مجموعات قسد في شرق الفرات التي تقف على مسافة واحدة من مجموعات تحرير الشام بالنسبة لأنقرة ثالثا. وتسقط التبريرات الروسية في الاستهداف اليومي لمناطق شمال غربي سوريا تحت ذريعة محاربة المجموعات الإرهابية في المنطقة رابعا.

لم نفهم ما الذي كان يقصده وزير الخارجية التركي قبل أسابيع وهو يردد أن سحب القوات التركية من شمالي سوريا يضر بتركيا والنظام السوري على حد سواء. “إذا انسحبنا من تلك الأراضي اليوم فلن يحكمها النظام، وستهيمن عليها التنظيمات الإرهابية”. محاولة عناصر “هيئة تحرير الشام” قضم مساحات إضافية تقع تحت سيطرة الجيش الوطني السوري، ساعدتنا في الحصول على الإجابة. هي الفرصة التي كانت تحتاجها تركيا لحسم هذا الملف فما الذي ستفعله؟ هل ستكتفي بإرسال القوات التركية إلى مناطق التوتر لتلعب دور قوات فصل يحول دون تقدم مجموعات الجولاني في مناطق غصن الزيتون ونبع السلام بانتظار الفرج، أم هي ستنهي هذه الحالة الشاذة بشكل أو بآخر.

تصفية هذه المجموعات دون عملية عسكرية تركية بالتنسيق مع الجيش الوطني نجاح مهم لأنقرة. لكن عدم حسم ملفها وتركها تتحرك وتنشط سياسيا وميدانيا وعسكريا على هذا النحو، سيشكل خطرا أكبر على أهداف تركيا في التعامل مع الملف السوري ككل. غلق ملف “تحرير الشام” قد يعطي تركيا العديد من الفرص الميدانية والسياسية المحلية والإقليمية التي كانت تبحث عنها. تحرك الشارع السوري في الشمال ضد الهيئة وأفعالها، فرصة أخرى لأنقرة لحسم المسألة.

هدف البعض عبر تحريك أحجار هذه المجموعات التي يخترقها أكثر من جهاز استخباراتي هو محاصرة الخيارات التركية، وإشعال موجات لجوء ونزوح جديدة في المنطقة تكون أنقرة أول وأكبر المتضررين فيها عند قرار الحسم العسكري. لكن الثمن الذي ستدفعه تركيا لا يمكن تجاهله والدليل هو ما فعلته هذه المجموعات في الآونة الأخيرة وخطورة ما قد تقدم عليه في المستقبل والذي قد يهدد لعبة التوازنات الحساسة التي بنتها تركيا في الشمال السوري بأكمله.

حمل التحول الحاصل في سياسة تركيا السورية معه الكثير من التساؤلات حول شكل وطبيعة هذا التحول والنتائج الميدانية والسياسية التي ستواكبه. دخلت مجموعات “هيئة تحرير الشام” على الخط لتذكرنا بنفسها ونحن نتحدث عن شكل “الصفقة الكبرى” المحتملة في الملف السوري.

وحدات حماية الشعب هي مجموعات امتدادية لحزب العمال الكردستاني الإرهابي. تحرير الشام تنظيم امتدادي للنصرة الإرهابية في شمال غربي سوريا أيضا. التقدم العسكري التركي في شرق الفرات للقضاء على المجموعات الأولى لا بد أن يكمله تحرك مواز لحسم موضوع الهيئة كي تحصل أنقرة على ما تريده من دعم محلي وإقليمي وتبرر ما تقوله وتقوم به في الشمال السوري ككل. هي فرصة منحها الجولاني لأنقرة والتي قد تقوي مواقفها سوريا وعربيا وإقليميا.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا