الخروف مرشحاً لرئاسة سوريا

لم يُفتح الستار بعدُ لمتابعة مهزلة الحملة الانتخابية لرئاسة سوريا. هناك مظاهر متفرقة لدعم حملة بشار الأسد، وهي حتى الآن لا تُقارن بماكينته التي سيقودها الشبيحة ورجال المخابرات والمخلصون من مواليه. الخاتمة معروفة سلفاً إذا كان الأمر يتعلق بالفائز، وفي الأصل لن تُجرى مسرحية الانتخابات هذه إلا لأن الفائز معروف. أهمية العرض هي في التفاصيل، لا في الحبكة المكررة المملة، وهي أيضاً في دلالات التمكن من إعادة العرض الممل ذاته.

من المتوقع أن يكون واحد من انشغالات مخابرات الأسد الآن ترشيح بعض الأشخاص، ليختار بشار من ضمنهم الخروف أو الخروفين اللذين سينافسانه في المهزلة الانتخابية. باستخدامٍ أدق للتعبير المحلي السوري، سيختار بشار منافسيه من بين أولئك الذين قبِلوا خَوْرَفتَهم، وارتضوا تأدية هذا الدور مع استبعاد أن يكونوا قد سعوا إليه، إذ لن يتجرأ سوري مهما بلغ من خفة العقل أو غيابه على المشاركة من تلقاء نفسه في السيرك الرئاسي.

الخروف في المجاز المحلي هو ذاك الذي يُدعى إلى سهرة عارمة في مطعم فقط كي يدفع الفاتورة، هو ذاك الذي يحتال عليه بائع ما بسلعة لا يحتاج كشف الغش فيها إلى نباهة، هو الذي تبقيه امرأة لعوب في خدمتها “وحتى في خدمة من تعشق” وهو مقتنع بأنهما على موعد قريب مع الغرام. قابليته للاستغفال تحجب المزايا الأخرى للخروف، كأن يكون سدد فاتورة المطعم بداعي الكرم، أو بقي متفانياً في خدمة لعوب بدافع العشق الشديد، فالقيمة في هذه المفاضلة هي للذكاء وسعة الحيلة والمكر.

إذاَ، مع انطلاق الحملة الرئاسية، سيكون الجمهور مدعواً للضحك على أولئك الخرفان، وإدراك أنهم يمثّلون هذا الدور لن يقلل من الاستهزاء بهم. شبيحة الأسد معدُّون في الأصل للسخرية من المرشحين الشكليين على قاعدة تفوّق بشار على أي منافس، بصرف النظر عن إمكانيات الأخير. من وجهة نظرهم، يتفوق بشار لأنه بشار “الأسد”، وهو غنيّ عن أية كفاءة زائدة، ومن المثير للسخرية أن ينافسه أحد ولو على سبيل التواطؤ؛ إنه لن يحظى بقليل من الرأفة التي يستحقها الخروف.

من جهة جمهور المعارضة، ولأسباب مغايرة، سينال هؤلاء حصتهم من السخرية. هم أشخاص ارتضوا خورفتهم دعماً لبشار، وهنا ينالون السخرية على أدائهم الدور وعلى قبولهم به، وقد يغيب إدراك الفوارق بين الاثنين فتتغلب صفة الخروف والاستهزاء به ليصبّ ذلك “بلا وعي” في مصلحة بشار بوصفه صاحب حذاقة ومكر.

لا ننسى أن فكرة وجود هؤلاء مردها الاستهزاء بالانتخابات التعددية، بعد تظاهر سلطة الأسد بالإقلاع عن عادة الاستفتاء، لسان حالها أن من يجعل الحكم وراثياً بوجود دستور جمهوري يستطيع التنكيل بفكرة التنافس. في الانتخابات المقبلة، لهذه الحبكة المكررة دلالة أقوى، فهي على نحو مفهوم تطوي صفحة التغيير، وخاصة بعض الوعود الغربية بأن تكون ولاية بشار الحالية هي الأخيرة، وهي على الأرجح تضع مهلة زمنية لمفاوضات اللجنة الدستورية، مدتها سبع سنوات جديدة على الأقل.

مهزلة الانتخابات، كمناسبة لتكريس اليأس من التغيير، غير موجهة فحسب لطالبي التغيير من المعارضة. إنها، هذه المرة، موجهة أيضاً إلى كافة الواقعين تحت سلطة بشار، لأنها تأتي في ظروف أسوأ من تلك التي رافقت مهزلة عام 2014. قبل حوالى سبع سنوات، لم تكن أعداد قتلى قوات الأسد قد بلغت ما بلغته مع التدخل الروسي وما صاحبه من معارك جديدة شرسة، ولم تكن الآثار الاقتصادية لتدمير البنية التحتية قد ظهرت كما هي الآن، ولم تكن قيمة جمهور الموالاة بالنسبة لعائلة الأسد قد تدنت إلى هذا الحد.

هذا الجمهور سيُساق لتجديد الولاء وهو في أسوأ أحواله على الإطلاق منذ عشر سنوات، وبلا أفق لتحسين أوضاعه. سيُساق إلى الضحك على منافسي بشار الشكليين والاستهزاء بهم، وإلى إعلان التمسك به رغم كل المصائب التي تسبب بها لجمهوره. وأن تكون نسبة متزايدة من الجمهور مرغمة على تكرار مظاهر الولاء المعتادة رغم بؤسها فهذا مبعث رضا أكبر، لأن فكرة الأسدية وفلسفتها قائمة على الإرهاب والخوف لا على اجتذاب جمهور محب.

يعلم الجميع أن السوريين كافة ليسوا ناخبين في العرض المقبل، الناخبون الكبار موزعون على قوى الخارج التي دعمت بقاء بشار علناً أو سراً. إجراء الانتخابات فيه تجديد من قبل أولئك الناخبين الكبار، وفي وقت يحتاجه حقاً، فالعرض الانتخابي “بمهازله وخرفانه” فرصة شخصية لاستعادة قليل من الهيبة التي هتكت ولم يبقَ منها حتى القليل خلال السنوات الأخيرة.

نعم، من الطريف أن الأنظار في العرض المقبل ستتجه إلى أولئك الخرفان المهرجين لأنهم التجديد الوحيد في المسرحية. سيتلذذ بشار بالسخرية التي سينالها هؤلاء، سيتلذذ من موقع من نال الإهانات المتتالية خلال السنوات الأخيرة، ولم يكن قادراً على ردّ أيّ منها. هي استراحة، ينسى فيها المشاركون عبر المهرجين أن “الحاذق” الذي أتى بهم وُصف بالحيوان من قبل الرئيس الأمريكي، وكان الحليف الروسي أبخل من الأمريكي عندما أطلق عليه لقب “ذيل الكلب”، بينما حرص الحليف الإيراني وحزب الله على استخدام لغة “لطيفة” كلما اضطرهما إلى تذكيره بأنهما أنقذاه من السقوط. لنصل أخيراً إلى الإسرائيلي الذي سارع إلى الكشف عن دفعه ثمن جرعات من اللقاح الروسي، ضمن صفقة إعادة فتاة إسرائيلية، الثمن المهين لا لأن إسرائيل دفعته بل بقدر ما هو بخس أن يصل الجشع بمن يملك عشرات المليارات في أرصدته إلى قبول مليون دولار كمساعدة إنسانية!

في موسم الاستهزاء منهم، قبل نسيانهم كأنهم لم يكونوا يوماً، لا نعلم ما إذا كان المرشحون الشكليون للرئاسة لديهم بعض من الكرامة، البعض الذي يجعلهم يتألمون قليلاً ولو في قرارة أنفسهم. لا يخفى هنا أننا ننطلق من فهم عامّ للكرامة والإهانة قد لا يتبناه كافة البشر، هو الفهم ذاته الذي يوصّف تلك الإهانات التي وُجّهت إلى بشار من دون أن نستأذنه.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا