إلى أين ترمي تركيا مليون لاجئ سوري؟

قبل أسبوع أكد الرئيس التركي على أن بلاده تحضّر لمشروع جديد “يتيح العودة الطوعية لمليون شخص من أشقائنا السوريين الذين نستضيفهم في بلادنا”. المشروع، بحسب أردوغان، ينفَّذ بدعم من منظمات مدنية تركية ودولية، وسيشمل 13 منطقة من مناطق الشمال السوري الواقعة تحت نفوذ أنقرة، وهو يتضمن “جعل التجمعات السكنية المقرر تشييدها مكتفية ذاتياً من حيث البنية الاقتصادية التحتية، انطلاقاً من الزراعة وصولاً إلى الصناعة”.

تأكيد أردوغان أتى بعد أسبوعين من حديث له أيضاً عن عودة “طوعية” للاجئين السوريين، ليعاود وزير الداخلية سليمان صويلو التفصيل في ذلك قبل خمسة أيام في مقابلة تلفزيونية. للتكرار دلالة مفادها القول أن سعي السلطات التركية إلى إعادة مليون سوري جدي، ولا يتعلق باقتراب الانتخابات، بل إن مهلة نهاية العام الحالي لوضع الأقوال على المحك أقرب من موعد الانتخابات.

لندع جانباً النقاش في ما إذا كانت العودة طوعية حقاً، وبمشيئة كاملة غير منقوصة للعائدين أم لا. لدينا حديث عن مليون لاجئ، وينبغي التفكير جيداً في هذا الرقم السحري الذي هو بمثابة رقم سكان لمدينة ضخمة. ينبغي أن نتخيل مدينة مستحدثة بكل ما للمدينة من مناحي الحياة الطبيعية، أو شبه الطبيعية، وتقسيم العدد على 13 تجمعاً سكانياً لا يُنقص من مدلولاته الاقتصادية أو سواها.

لنفترض أن رقم المليون عائد لأسر عدد أفرادها أربعة وسطياً، فسيكون لدينا ربع مليون أسرة يلزم أن يكون أحد الوالدين على الأقل معيلاً لها، وسيكون هناك على الأرجح ولدان في سن الدراسة. بمعنى أن هناك حاجة إلى ربع مليون فرصة عمل كحد أدنى، وإلى مدارس تستوعب نصف مليون طالب.

قد يكون إنشاء المدارس لاستيعاب نصف مليون طالب، مع فرص العمل الملحقة بها، أسهل ما في الأمر لو لم يكن الحديث عن التزام يطول بقدر ما يطول فيه أجل القضية السورية. من المشروع جداً التساؤل عن الجهات التي ستموّل هذه المؤسسات التعليمية ومدى مصداقيتها، مع التذكير بأن حوالى أربعين ألف طفل سوري صاروا خارج التعليم مؤخراً، وسيرتفع العدد خلال الصيف الحالي إلى ما يزيد على مئة ألف، بسبب تخفيض دعم الحكومة البريطانية للمؤسسات التعليمية في المخيمات داخل الأراضي السورية.

وكي نضع الحديث عن ما لا يقل عن ربع مليون فرصة عمل في إطاره الواقعي، هناك في الأصل “ضمن المناطق التي ستُقام فيها التجمعات السكانية المحدثة” شحّ شديد جداً في فرص العمل، ويمكن الجزم بأن معدل البطالة يصل إلى حدود كارثية إذا اكتفينا بالحديث عن بؤس المخيمات التي يعيش فيها تقريباً نصف الموجودين في تلك المناطق، مع أن معدل البطالة لدى نظرائهم خارج المخيمات مرتفع جداً بدوره. بعبارة أوضح، ليس هناك “حيث سيعيش المليون لاجئ” بيئة اقتصادية كافية لاستيعاب الموجودين قبل الوافدين، والكلام عن تجمعات سكانية محدثة مكتفية ضمن محيط غير مساعد على الإطلاق هو ضرب من التجديف في الاقتصاد.

المناطق المشار إليها يغلب على معظمها الطابع الزراعي، مع النشاط التجاري الملحق به، وكان أبناؤها يذهبون إلى المدن بحثاً عن فرص العمل بسبب ندرة الفرص وموسميتها. الصناعات كما هو معلوم ارتبطت تاريخياً بالمدن الكبرى، بما في ذلك المجمعات الصناعية التي نشأت على أطرافها. بدءاً من عام2011، تدهورت الأحوال الصناعية في مراكزها الرئيسية “حلب ودمشق” بسبب “الأوضاع الأمنية”، وهاجر شطر كبير من الرأسمال الصناعي بصرف النظر عن اصطفاف أصحابه السياسي. تنطبق حرفياً مقولة “الرأسمال بطبيعته جبان” على ظاهرة الهروب، وتنطبق “تالياً وأكثر من قبل” على مناطق غير مستقرة أمنياً وغير معروفة الأفق كما هو حال مناطق النفوذ التركي.

لن يغامر مستثمرون من القطاع الخاص بالذهاب لخلق فرص عمل كافية للاجئين القدامى، أو المليون لاجئ جديد، ولن تفعل ذلك الدول، بما فيها الحكومة التركية، لأن منح مليارات الدولارات يتطلب الحد الأدنى من الضمانات. في أحسن الأحوال، إذا افترضنا البدء بمشاريع متوسطة أو صغيرة، لن تكون هناك ضمانة من أي نوع بعدم تدمير المنشآت بقصف للطيران أو بقصف مدفعي، تنفذهما قوات الأسد أو الطيران الروسي. هي فرصة جديدة، ببنك أهداف جديد، تحظى بها الطائرات والمدفعية التي لم توفّر سابقاً المستشفيات وأفران الخبز.

ربما لا يمانع بوتين مؤقتاً في موضوع إعادة اللاجئين، لكنه سيفعل وعينه على الابتزاز الذي سيمارسه في ما بعد. للتذكير، استخدمت موسكو حق النقض في مجلس الأمن لتقليص المساعدات الأممية إلى المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، بحيث اقتصرت نهايةً على معبر وحيد هو معبر باب الهوى، وفي 26 نيسان الماضي هدد مندوبها في مجلس الأمن بعدم التمديد لمرور المساعدات في المعبر بعد انتهاء التفويض الحالي في تموز المقبل. أي إذا افترضنا أن المليون لاجئ سيعيشون على المساعدات الدولية فالواقع الماثل يوضح مآل الفكرة؛ إنهم سينضمون إلى الكارثة الإنسانية الكبرى السابقة على وجودهم.

ومن المتوقع أن تكون إعادة المليون لاجئ خبراً ساراً لأوروبا التي ستتخلص من شبح مليون لاجئ جديد في اتجاهها، وقد يتخفف الاتحاد الأوروبي بفضلهم من جزء من التزاماته المالية ضمن اتفاقه مع أنقرة الخاص بإيوائهم. بإعادتهم إلى سوريا، يصبحون مسؤولية دولية مشتتة، والطريق المعاكسة إلى تركيا لن تكون متاحة لهم كما كان الأمر من قبل، مهما احتدمت المعارك والمآسي المرافقة.

في معرض حديثه التلفزيوني، ودفاعه عن استضافة اللاجئين، يقول وزير الداخلية صويلو: “سيعود مليون سوري، هل تعلم من سيعارض ذلك؟ أصحاب الأعمال هؤلاء”. ويقصد بهم رجال الأعمال الأتراك الذين يفضّلون هذا النوع من الأيدي العاملة خارج التأمين الصحي وسواه من الضمانات التي يمنحها أرباب العمل لنظرائهم من العمال الأتراك. هؤلاء، بلسان وزير الداخلية، هم الفئة المستهدفة بالعودة “الطوعية”، وكل ما سيحظون به بيوت موحدة من الطوب-البلوك، تحت مسمى العودة إلى الوطن، بينما هم في الواقع سيعودون إلى مناطق ليست أماكن عيشهم السابقة، وقد يُنظر إليهم من قبل سوريين آخرين كدخلاء أسكنوا في أراض ليس لهم الحق فيها.

إنه ليس مجرد خبر، بل جرى تسويقه كخبر إيجابي، وهل هناك أجمل من عودة السوريين “طوعاً” إلى وطنهم؟ المؤسف، إلى أن تحين لحظة العودة الحقيقية، لن تنطوي الأخبار سوى على مزيد من المآسي، وما استعرضناه اقتصر على تفنيد بعض الجوانب التقنية، بعيداً عن التسييس الذي هو في صلب مرامي أنقرة.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا