ما الغاية من شحن بشار الأسد إلى موسكو؟

أثار شحن بشار الأسد مجدداً إلى موسكو، وبسرية تامة وتحت جنح الظلام، سخرية واستهجان الكثير من السوريين، في حين راح محللون ومعلقون يتحدثون عن أسباب عملية الشحن الجديدة وتوقيتها، والغاية الروسية منها، وعن ماهية الرسائل التي أراد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إرسالها والجهات المقصودة بها.

وكان متاحاً لبوتين أن يرسل أحد مبعوثيه إلى دمشق، أو أن يلجأ إلى أي وسيلة أخرى، من أجل إبلاغ الأسد بما يريد دون الحاجة إلى شحنه ليلاً، لكن بوصفه شخصية موتورة، تتصور نفسها قيصراً وسيداً في روسيا وما حولها، تجسيداً لنزعته الشعبوية الشوفينية المتغطرسة بعد أن استبدت به نزعتا القوة والعظمة، وادعاء إعادة بناء مجد روسيا المشدود إلى قيصرية غابرة، أراد تأكيد تبعية الأسد له، وإظهاره أمام العالم على أنه مجرد لعبة، يحركها متى يشاء، وليس في وسع الأسد سوى الإصغاء والرضوخ وإطاعة وتنفيذ أوامر سيده، صاحب الفضل في بقائه جاثماً على صدور السوريين إلى يومنا هذا، لذلك لم يكترث بوتين لأي مظاهر استقبال أو بروتوكولات الإيهام بحدّ أدنى من “السيادة السورية”، التي طالما يتشدق بها الساسة الروس في لقاءاتهم وتصريحاتهم المعلنة. والأنكى من ذلك أن وسائل إعلام نظام الأسد ومسؤوليه ليس بإمكانهم الإعلان عن توقيت عمليات شحن الأسد إلى موسكو أو سواها من المدن الروسية، ولا عن تفاصيلها وحيثياتها، لتبقى طي الكتمان إلى حين إعلان الطرف الروسي عنها بعد انتهائها. وهنا لا يتعلق الأمر بالاعتبارات الأمنية لنظام الأسد، بل تنفيذاً لمقتضيات تبعيته للنظام البوتيني، الحريص على تأكيد وإظهار قوة تأثيره وتحكمه في كل ما يتعلق بالشأن السوري، بوصفه قوة الاحتلال الأولى للأرض السورية.

ومع إعلان الطرف الروسي عن عملية الشحن، والكشف عن بعض تفاصيلها، لم تختلف تصريحات بوتين في محتواها ورسائلها هذه المرة عن سابقاتها، إذ تعمّد التفوّه بعبارات تقصّد فيها الدوس على دماء السوريين والاستخفاف بجراحهم ومصائبهم، وذلك باللجوء إلى ماكينة الكذب والافتراء، التي يتقنها جيداً وتعود عليها مع جميع أركان نظامه، وذلك عبر التبجح بإنجاز مهزلة انتخابات الأسد ومدح “نتائجها الجيدة”، وتهنئته على مدى التزوير الذي قام به، واعتبار نتائجها تأكيداً على “ثقة السوريين” بالأسد، “بالرغم من كل الصعوبات ومآسي السنوات السابقة”، وذلك تيمناً بمهازل انتخابات النظام البوتيني نفسه الذي نظم مهزلة انتخابات “مجلس الدوما” التي انتهت أمس الأحد، وسيفوز بها حزب بوتين بلا أدنى شك، وذلك بعد أن حرم المعارضة وأكثر من تسعة ملايين روسي من حقهم في الترشح فيها.

وتضاف إهانة شحن الأسد إلى سلسلة الإهانات، التي حرص نظام بوتين على تسريبها إلى وسائل الإعلام، وتعوّد الأسد ونظامه على ابتلاعها وهضمها، بل والتغني بها، حيث لا تزال ماثلة في الأذهان مشاهد الفيديو التي أظهرت إهانة الأسد وإذلاله من خلال منعه من طرف أحد الضباط الروس من التقدم لمرافقة بوتين أثناء مراسم تفقد قواته في قادة حميميم أواخر العام 2017، بينما تعمد الروس إظهار مشاهد ترحيب بوتين بالضابط في جيش النظام والشبيح الموالي لروسيا، سهيل الحسن، الملقب بالنمر، وليس بعيداً عن المهانة إعلان بوتين دخوله الحجر الصحي فور انتهاء لقائه بالأسد، بالرغم من التذرع بمخالطته أشخاص من طاقمه مصابين بفيروس كورونا.

ولعل ما يثير الاستهجان والتندر هو ادعاء بوتين أن نظام الأسد بات يسيطر على أكثر من 90% من الأرض السورية، وهو ادعاء يكشف مدى الاستخفاف بمن يشحنه متى يشاء، بوصفه مجرد إمعة خانعة تصدق كل ما يقول سيدها، فضلاً عن أنه ادعاء يعجز عن تصديقه حتى الأسد نفسه، كونه يعلم جيداً أنه لا يسيطر بشكل فعلي حتى على المناطق الخاضعة لسيطرة قواته وميليشياته، في ظل وجود قوات الاحتلالين الروسي والإيراني وميليشياتهما، فضلاً عن المناطق التي توجد فيها قوات أميركية وتركية وفصائل سورية مسلحة، والأكثر إثارة للسخرية هو حديثه عن مشكلة وجود “القوات الأجنبية الموجودة في مناطق معينة من البلاد دون قرار من الأمم المتحدة”، التي تعيق توحيد سوريا، “وهو ما يتعارض بشكل واضح مع القانون الدولي”، مستثنياً وجود قواته التي يطلق على وجودها صفة شرعية لا يعترف بها أحد.

وعلى الرغم من أن بوتين يعلم جيداً أن العالم لن تمرّ عليه ادعاءاته وافتراءاته، لكنه مع ذلك يصر عليها، كي يرسل إشارات تشي بتحكمه بالأسد ونظامه الذي بات “مستقراً”، وذلك عشية اللقاء حول الملف السوري في جنيف بين مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، بريت ماكغورك، ونائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فريشنين، والمبعوث الرئاسي ألكسندر لافرينتييف، وكذلك بعد زيارة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسن، إلى دمشق وانتقاله إلى إسطنبول، إلى جانب التطورات الحاصلة في المنطقة في ظل الاستثناءات الأميركية من عقوبات قانون قيصر تنفيذاً لمشروع استيراد الغاز من مصر والكهرباء من الأردن عبر سوريا، فضلاً عن التصعيد الروسي في إدلب، وعن التطورات الميدانية في الجنوب السوري بعد أن نكث الروس اتفاق التسوية عام 2018 فيها، واجتراحهم تسويات جديدة دعماً لنظام الأسد من أجل السيطرة على جنوب “سوريا المفيدة”.

ويبدو أن بوتين أراد من شحن الأسد إلى موسكو بعد هذه التطورات الميدانية والسياسية، أن يُملي عليه تعليماته وأوامره الجديدة حول كيفية التعاطي معها وفق وجهة نظره ومصالحه، وبالتالي إفهامه بها شخصياً، والإيحاء بأنه في صدد القيام بترتيبات جديدة في الوضع السوري، بغية تسويقها إلى الطرف الأميركي، ونقلها إلى مستوى التفاهمات التي يمكن من خلالها الدخول إلى تسوية سياسية تحفظ مصالح النظام البوتيني، وذلك في ظل استراتيجية الانسحاب التي تقوم بها الإدارة الأميركية التي بدأت في تنفيذها في أفغانستان والعراق، لكن الأمر مرهون بمدى استعداد وقبول الطرف الأميركي بكل هذه الإشارات والمحاولات الروسية.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا