fbpx

هل يلحق الأسد بحفتر؟

بعد عملية درع الربيع التي شنتها تركيا ضد نظام الأسد والميليشيات الموالية له في إدلب في شهر مارس الماضي، أدّت الخسائر الجسيمة التي مُني بها على مستوى الأفراد والمعدّات العسكرية إلى النظر في خيارات جديدة لمحاولة رفع التكاليف على الجانب التركي. وعليه، كثّف النظام السوري من تعاونه مع أمير الحرب حفتر في ليبيا، وتمّ تتويج هذا التعاون بتوقيع اتفاقية بين الطرفين قيل إنّها أتت بعد زيارة سرّية قام بها حفتر إلى دمشق في نفس الشهر.

وفقاً لتقرير الخبراء المرفوع إلى الأمم المتحّدة في شهر أبريل الماضي، بلغ عدد المرتزقة الموالين لنظام الأسد ممّن تمّ إرسالهم إلى ليبيا للقتال إلى جانب ميليشيات حفتر قرابة ٢٠٠٠ عنصر. وبحسب التقرير، تمّ نقل هؤلاء منذ بداية العام حتى تاريخه من دمشق إلى بنغازي الليبية عبر أكثر من ٣٠ رحلة جوّية وذلك على متن خطوط “أجنحة الشام” التي تخضع لعقوبات أميركية بسبب دورها السابق في نقل دعم الحرس الثوري والمرتزقة الروسية إلى نظام الأسد.

وبموازاة الدعم البشري، وثقت تقارير سابقة التجارة غير الشرعية التي تربط الأسد بحفتر لا سيما لناحية تجارة المخدرات والسلاح والتي تدرّ ملايين الدولارات على المنتفعين في ظل توحّد جهود الداعمين الإقليميين والدوليين لمساعدة الديكتاتورَين على تثبيت سلطتَيهما في سوريا وليبيا على حد سواء، وعلى رأسهم إيران وروسيا والإمارات. وفي نظرة سريعة إلى طبيعة العوامل المشتركة التي تجمع جميع هذه الأطراف، نجد أنّ الرغبة المشتركة في احتواء تركيا تكاد تطغى حتى على بعض التباينات التي قد تكون موجودة بينهم.

من هذا المنطلق، من الممكن فهم التحالف الأسدي- الحفتري على أنّه توحيد للجهود المشتركة في مواجهة “عدو” مشترك. هذا التوحد يربط إلى حدّ ما مصير الرجلين ببضعها بعضاً نظراً لتشابه الأجندة والأهداف والداعمين. يتطلّع كلا الديكتاتورَين إلى إضعاف الجانب التركي على أمل أن يفيد ذلك أياً منهما في المضي قدماً في مخطّطاته للسيطرة على مزيد من الأراضي. المشكلة في هذه المعادلة أنّ انهيار ميليشيات حفتر خلال الشهرين الماضيين أمام قوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً والمدعومة من قبل الجانب التركي أربك حساباتهما معاً.

ففي حين كان الأسد يحشد قواته على تخوم إدلب بمساعدة من إيران وروسيا في محاولة لإدخال تركيا في مواجهات عسكرية بجبهتين متزامنتين في ليبيا وسوريا، انهارت قوات حفتر بشكل سريع غرب ووسط البلاد، الأمر الذي وضع أنقرة في موقع سياسي وعسكري متقدّم في الملفين السوري والليبي، ودفع داعمي حفتر إلى تكثيف الجهود لمنع انهياره بالكامل الأمر الذي تطلّب تحشيد مزيد من الموارد المالية والعسكرية في وقت بدا فيه أنّ نظام لأسد ينهار اقتصادياً أيضاً قبيل تطبيق قانون قيصر.

تشترط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً في ليبيا ألا يكون حفتر حاضراً في أي من المفاوضات المتعلقة بمستقبل ليبيا على اعتبار أنّه أثبتَ مراراً وتكراراً أنّه لا يلتزم بأي من الاتفاقات التي يتم التوصّل إليها فضلاً عن دوره الإجرامي في نشر الإرهاب وقتل المدنيين وتعزيز الانقسام في البلاد. وعلى هذا الأساس، فإنّ انطلاق عملية سياسية جدّية ذات صِدقيَّةٍ في ليبيا تعتمد على مدى قرار داعمي حفتر التخلي عنه، إذ يجري التفاوض حالياً بين القوى الإقليمية والدولية المعنية على صيغة لإعلان وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق العملية السياسية.

هذه الصيغة تشبه إلى حد كبير النقاش الذي كان قائماً في سوريا والذي يتم إعادة طرحه الآن مع دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ وهو ضرورة تنحيّ الأسد عن المشهد تماماً حتى يتيح ذلك عملية انتقال سياسي في البلاد ووضع دستور جديد وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتّحدة. لسنوات استطاع نظام الأسد تجاهل ذلك رغم وجود قرارات دولية بهذا الشأن. إذا ما نجحت معادلة إخراج حفتر في ليبيا، فهذا قد يعدّ مؤشراً إيجابياً لناحية إمكانية حصول نفس الشيء في سوريا.

وبالرغم من أنّ الأسد ونظامه أكثر رسوخاً من حفتر وميليشياته في ليبيا، إلا أنّ قانون قيصر سيشدّد الخناق عليه ليدفعه باتجاه سلوك الانتقال السياسي بنفسه أو مواجهة الانهيار المحتوم. من الناحية المالية، الاقتصاد السوري دخل مرحلة الانهيار قبل تطبيق قانون قيصر، ومع تشديد الخناق أيضاً على حلفاء الأسد في الإقليم سواءً لبنان أو إيران أو حتى روسيا، فإنّ إمكانية الاستعانة بهؤلاء لإبقاء الاقتصاد السوري عائماً تصبح شبه معدومة. هذا الوضع سيبقى على الأقل حتى نهاية العام الحالي، إذ من المنتظر أن تشهد الولايات المتّحدة انتخابات رئاسية يأمل نظام الأسد وحلفاؤه ألا يتم خلالها التجديد لترامب حتى يستطيعوا الخروج من أزمتهم.

لكن المؤكد أنّه إذا سقط حفتر في ليبيا، فسينعكس ذلك بشكل سلبي من دون شك على نظام الأسد وحلفائه. مثل هذا الربط يأتي من حقيقة أنّ كلا الديكتاتورَين ربَطا مصيرهما ببعضهما بعضاً، وبما أنّ تحالفهما بُنِيَ كذلك على معاداة تركيا، فإنّ سقوط حفتر قد يؤمّن لتركيا يداً عليا فتكون الخسارة مضاعفة للمحور الآخر في ليبيا وسوريا معاً.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا