سياسات الأردن حيال الأسد بواعثها ومآلاتها

لم يخفِ الأردن ارتيابه الشديد من التوغّل الإيراني في سوريا منذ انخراط إيران وميليشياتها الطائفية في الحرب إلى جانب نظام الأسد عام 2012، إلّا أن المخاوف الأردنية بلغت ذروتها في العام 2019 عندما تمدّدت ميليشيات إيران في الجنوب السوري ونجحت روسيا حينذاك بإضفاء غطاء سياسي لهذا التموضع الإيراني من خلال قيامها بدور الوسيط بين إسرائيل وإيران، وقد أفضت تلك الوساطة في حينها إلى قبول إيران بالشرط الإسرائيلي الذي يؤكد على وجوب ابتعاد ميليشيات إيران عن الحدود الإسرائيلية مسافة (80 كم)، وجدير بالذكر أن المخاوف الأردنية آنذاك كانت تنحصر في الخشية من قدرة إيران على اختراق المجتمع الأردني – أمنياً واجتماعياً ومذهبياً – وصولاً إلى الاختراق السياسي، وذلك جرْياً على نهج إيران السابق في كلّ من العراق ولبنان وسوريا.

وبناء على تلك المخاطر المتخيّلة بنى الأردن سياساته التي اعتقد بأنها ستكون الرادع للخطر الطائفي العابر من إيران باتجاه الأردن عبر سوريا، وكان خيار الأردن قد تحدد بالاتجاه نحو احتواء نظام الأسد عبر الانفتاح عليه بإعادة العلاقات بين عمان ودمشق، وتجاوزاً للعوائق التي يمكن أن تحول دون ذلك، كالعقوبات الأميركية الأوروبية وقانون قيصر بادر الملك عبد الله الثاني بزيارة واشنطن في حزيران من العام 2021، وحينئذ التمس الملك عبد الله من بايدن أن يتيح له انفتاحاً ولو جزئياً على نظام الأسد، وقد تحقق له ذلك، وعلى أعقاب تلك الزيارة تقرر تزويد لبنان بالغاز والكهرباء عبر الأراضي السورية، تزامناً مع انفتاح تجاري وديبلوماسي أردني نحو دمشق، فضلاً عن فتح الحدود بين الطرفين وتفعيل حركة العبور والسفر والتبادل التجاري، في خطوة مستثناة من عقوبات قيصر التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على نظام دمشق.

ولم يكتف الأردن – آنذاك – بتلك الخطوة، بل أراد الخروج بها من إطارها المحلي الخاص، إلى فضاء إقليمي ودولي، أي أراد أن يجعل من انفتاحه على نظام دمشق مبادرةً تحظى بالتعميم، وربما رأى فيها مفتاحاً لبدايات حل سياسي للقضية السورية، ولتعزيز هذا المسعى قام الملك عبد الله بزيارة بوتين في شهر آب 2021، وقد تم الإعلان في أعقاب تلك الزيارة عما سُمّي آنذاك بمشروع (خطوة مقابل خطوة)، ولعله من الطبيعي أن يلقى هذا المسعى الأردني دعماً روسياً واضحاً، باعتبار أن المبادرة الأردنية تتيح لنظام الأسد الخروج من عزلته العربية والدولية، وكذلك تتيح له فرصة لاختراق العقوبات المفروضة عليه، فضلاً عن شرعنة استمراره في السلطة.

ولعله من الثابت أن الأردن كان مدفوعاً نحو هذا المسعى بجملة من الاعتقادات، لعل أولها اعتقاده بأن تحاشي خطر الميليشيات الإيرانية التي تتموضع في الجنوب السوري إنما يكون عن طريق دمشق، لظنه أن الروس ونظام الأسد قادران على ضبط تلك الميليشيات، وربما أدى هذا الانفتاح أيضاً إلى ترحيب إيراني من شأنه أن يجعل الأردن خارج دائرة الاستهداف الإيراني. لعل الإرهاصات الأولى لمشروع (خطوة مقابل خطوة) قد ضاعفت المخاوف الأردنية، ولم يعد الخطر الطائفي لميليشيات إيران وحده هاجساً أردنياً مخفياً، بل بات الأردن مهدّداً بجعله سوقاً للمخدرات التي باتت مُنتَجاً لملحقات إيران بامتياز، وكذلك لم تعد المخاوف تطول الأردن فحسب بل شملت دول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وأصبح المنتج الأسدي الإيراني من المخدرات على رأس المخاطر التي تقض مضجع حكومتي الأردن والسعودية.

لم تكن الزيارة الثانية التي قام بها الملك عبد الله الثاني إلى واشنطن في أيار 2022 قد أضافت إلى خيارات الأردن أي أفق جديد، نظراً للموقف الأميركي الذي جعل من القضية السورية ملفاً جانبياً ملحقاً بالملف الإيراني الذي حرصت حكومة أوباما وخلفه بايدن أن تكون المفاوضات حول الملف النووي الإيراني هي الناظم للسياسة الأميركية حيال سوريا، الأمر الذي جعل المنظار الأردني لا يحيد عن الرهان على تعاون نظام دمشق وقدرته على أن يكون مفتاحاً لنزع مخاوف عمان.

ربما أتاحت التداعيات المأساوية لزلزال السادس من شباط الماضي الذي ضرب تركيا وأجزاء واسعة من سوريا مناخاً جديداً للمسعى الأردني حيال الانفتاح على نظام الأسد، وخاصة في ظل الارتداد العربي العام باتجاه الأسد وفي مقدمته المملكة العربية السعودية على إثر تفاهمات بكين بين طهران والرياض، إذ تحوّل النزوع الأردني نحو التطبيع إلى نزوع جمعي عربي تجسّد بإعادة نظام الأسد إلى الجامعة العربية وحضور رأس النظام قمة جدة في شهر أيار الماضي، وكذلك حضور فيصل المقداد لقاء عمان الوزاري، وبات المسعى الأردني يجسد نواة لمبادرة عربية لإعادة تعويم الأسد ضمن مشروع (خطوة مقابل خطوة)، إلّا أن المبادرة العربية تعثّرت منذ أول لقاء بين لجنة الاتصال المنبثقة عن الجامعة العربية وبين وزير خارجية نظام الأسد في القاهرة في شهر آب الماضي، ثم تُرجم هذا التعثر إلى خيبة أمل وإحباط عربي ممّا أسموه بعدم جدّية نظام دمشق في التفاعل الحقيقي مع المبادرة المطروحة، فهل أسهم هذا الإحباط في إثارة سخط الأردن؟ واقع الحال يؤكّد ذلك، على الأقل بحدود ما جاء على لسان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي لقناة الشرق مطالباً نظام دمشق بمبادرة فعّالة لوقف تدفق الكبتاغون نحو الأردن، مؤكداً في الوقت ذاته أن إعادة الأسد إلى الجامعة لم تكن حلّاً للمعضلة، أضف إلى ذلك ما أكده الملك عبد الله ذاته بإشارته إلى عدم تمكّن رأس النظام من السيطرة الكاملة على الجغرافية السورية.

وفي ضوء ردّة الفعل العربية الناتجة عن الخذلان الأسدي لمبادرة عمّان، وكذلك في ضوء تنامي التذمر الأردني الذي ربما وصل درجة السخط، فإن نظام الأسد لا يبدو أنه معنيٌّ بما يسخطون، ولا يشعر بأي حرجٍ ممّا يعتبون، وربما حُقّ له ذلك، فهو لم يسبق أنْ وعدهم بأنه سيكون غير ذاته إذا صالحوه، ولم يتعهّد لهم بوقف تدفّق الكبتاغون إذا أعادوه إلى جامعتهم، بل ربما كان أكثر انسجاماً مع عدوانيته وشناعته، وقد قالها بملء الفم أثناء مقابلته مع قناة سكاي نيوز عربية في التاسع من آب الماضي: (إن الدول التي ساهمت في إيجاد الفوضى في سوريا عليها أن تجد حلّا لمشكلة المخدرات)، هو يقول لهم بصريح العبارة: أنا أعاقبكم، فالمشكلة إذاً لا تكمن في سوء تقدير للمواقف أو قلّة المعطيات أو حدوث مستجدات أرغمت الأسد على الانكفاء عما وعد به، بل تكمن في سياسات عمّان التي انبثقت من الوهم وانتهت إلى الخيبة، نتيجة خطل سياسي أردني، وليس نتيجة لغموض في شناعة نظام الإبادة الأسدي.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا