كيف أصبح الأسد “ذكياً” في اليوم الخامس لكارثة الزلزال؟

قبل نحو يومين من كتابة هذه السطور، مرّر خبير دولي في الشؤون السورية، عبر تقرير لوكالة “رويترز”، رسالةً قال فيها: “إذا كان (الأسد) ذكياً، فإنه سيسهل إيصال المساعدات للمناطق الخارجة عن سيطرته وسيحصل على فرصة ليبدو كما لو كان شخصاً مسؤولاً، لكن النظام عنيد للغاية”.

بعيد تمرير هذه الرسالة، بساعات، بدأت سياسة النظام تتبدل. وباستثناء ابتسامات الأسد وزوجته، المُجافية للحس الإنساني وللذوق العام المُفترض في هكذh مواقف، في أثناء تفقدهم لمواقع متضررة في حلب.. أصدرت المؤسسات الخاضعة لسيطرته، سلسلة قرارات تسمح لنا باستشعار “دمٍ جديدٍ” بُث في عروقها.

ولا نعرف بعد، أهي شركة العلاقات العامة التي تحدثت عنها “وول ستريت جورنال” الأميركية، التي أقنعت رأس النظام السوري، بشار الأسد، بذلك.. أم أنه أحد وزراء حكومته الذين ظهر أكثر من واحدٍ منهم في مواقف وجدانية نسبياً، في الأيام القليلة الماضية، توحي بأنهم ربما استشعروا أخيراً وجع القابضين على أمرهم، ومدى هول الكارثة على الأرض، وعجزهم الكبير حيالها.. أم أن الأمر مجرد تكتيك رتبه يسار إبراهيم، خازن القصر الجمهوري، بتنسيق مع المصرفية السابقة، أسماء الأخرس، عقيلة الأسد، بغية اجتذاب موارد مالية من الخارج على وقع الكارثة، بعد أن تبيّن لهم أن لا سبيل آخر لذلك، إلا هذا.

ما نعرفه فقط، أن الخط العام لسياسة النظام حيال كارثة الزلزال، قد انقلب في اليوم الخامس بعد وقوعها، بصورة دراماتيكية. وبعد أن كان النظام يُظهر درجة مثيرة للغثيان من التصلّب “الدبلوماسي” و”القانوني”، تتصف بقِصَرِ أفقٍ مزمن، وانفصالٍ تام عن الشارع المُلتاع حيال مشاهد الكارثة، ومعالمها، وتفاصيلها الإنسانية، في مناطق سيطرته، قبل المناطق الخارجة عنها.. تحوّل النظام إلى مسارٍ مغاير، تماماً.إذ أوقف المصرف المركزي السرقة العلنية المكشوفة لدولارات المنظمات الدولية، ورفع سعر تصريف القطع الأجنبي الوارد منها، من 4522 ليرة سورية إلى 6900 ليرة سورية، في إجراءٍ يستهدف اجتذاب مزيد من المساعي الإنسانية والإغاثية الدولية، على وقع الزلزال. وقد كانت هذه السرقة إحدى مصادر عدم الثقة بين المجتمع الدولي، وبين النظام السوري، لسنوات.

وبعد أن كان النظام يصرّ في الأيام الأربعة الأولى، بعيد كارثة الزلزال، أن تمرّ أي مساعدات إغاثية دولية، عبر قناته، وبإشراف منه، بما فيها تلك التي من المزمع توجيهها للمناطق الخارجة عن سيطرته، بذريعة سيطرة “إرهابيين”، عليها.. أصدرت حكومته، في اليوم الخامس، قراراً بإعلان المناطق المتضررة، مناطق منكوبة. وقال “مجلس الوزراء” التابع للنظام، في بيان إعلان قراره ذاك، إنه يدرك ما يترتب على هذا التوصيف من آثار.

ويعني توصيف المناطق “المنكوبة”، إقراراً بالعجز من جانب النظام، عن إنقاذ وإغاثة المتضررين، بشرياً ومادياً. ووفق المتعارف عليه دولياً، يعني هذا الإقرار، القبول بنشاط يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية، للمنظمات الإغاثية والإنسانية الدولية، للعمل على الأرض، دون تدخل من السلطات “الرسمية”.

وبعد أن كان النظام يُسقط إدلب، تماماً، من خطابه الإعلامي والإحصائي، في أثناء الحديث عن المناطق المتضررة، في الأيام الأربعة الأولى للكارثة، جاء إدراج المحافظة، ضمن بيان مجلس الوزراء الذي أعلنها إحدى المناطق “المنكوبة”، مع الإشارة إلى الموافقة على “إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية بما في ذلك عبر الخطوط من داخل الأراضي التي تسيطر عليها الدولة إلى المناطق التي تقع خارج السيطرة”. وتعني صياغة الجملة الأخيرة، أن النظام يقبل بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق الواقعة خارج سيطرته، عبر الحدود أيضاً. وهو ما يعني قبولاً بالاتجاه الدولي الضاغط لفتح معابر أخرى من الحدود التركية إلى الشمال الغربي من سوريا، غير معبر باب الهوى، استجابةً لكارثة الزلزال.

بعض المراقبين، قرأ التغيّر الذي طرأ الجمعة، تحديداً، مع إعلان المناطق “المنكوبة”، وما يترتب عليه، في العُرف الدولي، أنه نتيجة مقايضة بين النظام والولايات المتحدة الأميركية. إذ علّقت الأخيرة جانباً كبيراً من عقوباتها على النظام، استجابةً لكارثة الزلزال، وتحت عنوان المساعدة في معالجة آثاره. وأبرز ما أُزيل من لائحة العقوبات، لستة أشهر، بند التحويلات المالية إلى سوريا. وهو ما سيفتح باباً واسعاً للتحويلات المصرفية الكبيرة من الخارج إلى أروقة القطاع المصرفي وقطاع شركات ومكاتب الصرافة، في سوريا. سواء في مناطق سيطرة النظام، أو في المناطق الخارجة عن سيطرته. إذ ستُعلَّق كل القيود السابقة، بهذا الخصوص، تحت عنوان مكافحة آثار الزلزال.

لكن بيان مجلس الوزراء، نفسه، تضمن إشارة معاكسة لما سبق، إذ أشار إلى حصر تسليم المساعدات باللجنة العليا للإغاثة التابعة للنظام، على أن تتولى هذه الأخيرة توزيعها على المحافظات المتضررة، على أن يقوم المحافظون بإدارة عملية التوزيع في كل محافظة على حدة.

يتناقض هذا الحصر، مع توصيف المناطق “المنكوبة”، المتعارف عليه دولياً. مما يؤشر إلى أن النظام يُبطن غير ما يُعلن، ويسعى إلى الإمساك بالمساعدات، عبر آلة “الدولة” الخاضعة له، والتي يخترقها الفساد بصورة هائلة، وتمسك الأجهزة الأمنية بتلابيبها، بصورة لا فكاك منها. وإن كان من غير الواضح بعد كيف ستُترجم تلك الإشارات المتناقضة ضمن بيان مجلس الوزراء، إلا أنه من المرجح أن ينطبق ذاك الحصر في توزيع المساعدات، على المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، فيما سينطبق على تلك الخارجة عن سيطرته، توصيف “المنكوبة” إلى أقصاه، مما سيجعل حركة توريد المساعدات إلى إدلب وشمالي حلب، حرةً من أي قيود، خلال فترة سريان توصيف “المنطقة المنكوبة”، حتى يرفع النظام هذا التوصيف، فتعود إلى حالتها الأولى، في التوصيف الدولي، بوصفها مناطق خارج سيطرة “الدولة”، لا يجوز التعامل معها، إلا بقرار مُجمع عليه دولياً، أو بالتنسيق مع الممسكين بزمام تلك “الدولة”، بالعاصمة دمشق.

ورغم أن الأوان قد فات على إنقاذ أرواح جديدة تحت أنقاض كارثة فجر الإثنين الفائت، إلا أن باب أملٍ فُتح بأن تتدفق المساعدات، والتحويلات المالية، دون قيود كبيرة، إلى مختلف المناطق السورية، بصورة قد تتيح تحقيق مكافحة أجدى للآثار الكارثية للزلزال. فالنظام خفّف قيوده “اللاإنسانية”، والأميركيون رفعوا بدورهم، جانباً من قيودهم العقابية على النظام. ورغم أن نظام الأسد سيستفيد من رفع القيود على الحوالات المالية، في ترميم خزينته بالدولارات الآتية من الخارج، إلا أن ذلك سينعكس بدوره إيجاباً، أو هذا ما يجب أن يحدث، على معيشة السوريين ومساعيهم لإزالة آثار الزلزال وتضميد جراحهم في مناطق سيطرة النظام. وسيسري الأمر نفسه، على الضفة الأخرى، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بعد أن أُهملت في أحلك ساعات ما بعد الكارثة، على وقع الانشغال بالشق التركي من المأساة، وعلى وقع التعنت السابق للنظام في رفض دخول المساعدات إلا من قناة ضيقة لا ترقى إلى حجم هول المصيبة التي ألمت بساكني تلك المناطق.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا